399
قناة متخصصة بنشر القصص الطويلة والقصيرة بمختلف الأنواع .. أنشئت القناة بتاريخ 2020/9/2م
تابع سيره مهتديًا بأنوار أعمدةِ الإضاءة في الشارع، بدا الأمر و كأن قدميه كانتا تعلمان إلى أين تذهبان .. على ما يبدو فكل شيءٍ كان يدرك حقيقة تلك الوجهة ما عدا عقله.
لاحظ أنه تجاوز متجرها رغم أنه كان معتمًا، ستكون نائمةً بالطبع .. إذًا إلى أين تأخذه قدماه يا ترى؟
كل ذلك الظلام الذي أحاطه جعله يرفع رأسه نحو السماء للحظة ليجد نجومها تحدق فيه كما اعتقد .. حتى قمرها الذي أضيء نصف قرصه بدا و كأنه يتباهى بنورهِ المؤقت كما لو أنه يعرف أن أحدهم يتمنى بعضًا من النور أمام عينيه .. أو داخل قلبه.
أصوات أقدامه قد صنعت سمفونيةً مضطربةً و غير واضحة، تارةً تتسارع و تارةً تتباطئ دون سببٍ وجيه، لقد طال المسير فإلى أين يقود هذا الطريق؟
بدأت ملامح الدرب تتضح لعقله الغارق في تساؤلاته .. هل هو متجهٌ إلى المقبرة فعلًا؟
بالتفكير في الأمر فهذا لم يكن خيارًا سيئًا .. صحيحٌ أن الوقت قد تخطى منتصف الليل لكن أي أشباحٍ ستجرؤ على الظهور في وجهه اللا مبالي هذا؟
ثوانٍ حتى بات واقفًا أمام قبرها، كانت قدماه تحفظان عدد الخطوات التي يحتاج لاجتيازها حتى يصل إليه .. حفظ ذلك الرقم في المرتين الوحيدتين اللتين زارها فيهما.
صحيح .. هو لم يزُرها منذ فترةٍ تعتبر طويلةً للغاية بالنسبة له .. ساءه ذلك و أحس بأنه حقيرٌ لوهلة إلا أنه تساءل عن السبب .. لمَ لم يزرها؟
هل هو خائف؟ ربما .. ربما كثيرًا.
أيكون نسيَها؟ لكن الشمس لم تشرق من الغرب حتى يحدث ذلك.
لربما هو لا يعلم ما الذي يجب أن يقوله إن مثَل أمامها؟ يمكن لهذا السبب أن يكون الأكثر صحة من سابقيه، فعلى كلٍ .. ما الذي يجب أن يقوله لقبرٍ باردٍ يأوي أدفأ قلبٍ في هذا العالم؟
- ها قد عاد صغيري اللطيف .. كيف كان يومك الأول؟ هل كوّنت صداقات؟
ضجّ صوتها في المكان فجأةً مما جعله يتراجع للحظة، أدرك أن ذلك الصوت كان داخل رأسه بعد مرور ثوانٍ من تأمله لنُصِب قبرها .. همهم بوجع بعد أن أغمض عينيه بشدةٍ و أدخل بعض الهواء إلى رئتيه : الأموات لا يتحدثون، ليتهم يفعلون.
لكن تلك الجملة .. لمَ تذكرها الآن من بين كل تلك الأوقات؟ إنها تحمل بعض الذكريات الموجعة على معاودة الظهور أمامه لتقوم بعمل الأشباح!
___
- ها قد عاد صغيري اللطيف .. كيف كان يومك الأول؟ هل كوّنت صداقات؟
تمتمت والدته و هي تُربّت على شعرهِ بخفة، هو لم يمانع ذلك فتركها تكمل روتينها الأمومي البسيط.
- نايلي توقفي عن مناداتهِ باللطيف!
إنها إهانة للرجال أمثالنا .. انظري لقد جعلتهِ يعبس.
وقف والده في الرواق بعد أن كان في المطبخ، كان يعلم أن ابنه لم و لن يعبس بسبب أي حركةٍ تقوم بها والدته لكنه يحب أن يبالغ.
نطق برايلين بهدوءٍ كي يسمح لوالدته بنيل النصر كما هي العادة : أنا لم أشتكِ لك، قد أفعل عندما تبدأ بمناداتي لحل فروضي.
لم يقاوم ريموند فكرة الضحك على ما قاله برايلين بينما أمسكت نايلي خدي ابنها ثم شدتهما بخفةٍ و هي تقول بحبور : لابد أنك تتخيل .. انظر إنه يبتسم.
تمتم ريموند بانزعاجٍ مفتعلٍ بدا واضحًا : توقفي عن شد خديه!
سحبه فجأةً من بين يديها ثم لف أكتاف ابنه بذراعهِ و هو يقرب رأسه منه ليقول : دعك منها بني .. هل وجدت فتاةً جميلةً هناك؟ عليك إنجاب أحفادٍ وسيمين مثلي و ليس كوالدتك.
عقدت نايلي ذراعيها في ضيقٍ بدا لطيفًا للغايةِ عليها ثم قالت ببعض الانفعال الذي افتقر إلى الصرامة مع نبرتها المرهفة المعتادة : ريموند أنا أسمعك.
رفع يديه من على برايلين كمن يعلن استسلامه أمام سلاحٍ خطير، بالفعل فقد كانت نظراتها الفاتنة سلاحًا قاتلًا بالنسبة له حيث التفت إليها و هو يحمل على وجهه نظرةً فهمت مغزاها، دفعتها تلك النظرة إلى أن تشيح بوجهها عنه مع خدودٍ متوردةٍ بشكلٍ جذّاب.
نطق أخيرًا بعد أن أحس بانتصاره عليها : لقد فهمت .. أنا أنسحب.
ألقى نظرةً على وجه برايلين الذي كان يقاوم الضحك على والديه، كان برايلين يبدو منزعجًا نوعًا ما عندما عاد إلى المنزل لكنه الآن قد عاد إلى طبيعته مما أراح ريموند، حدّثه بما جال في خاطره أثناء تلك اللحظة : أستطيع أن أرى من وجهك أنك قابلت الكثير من الحمقى اليوم .. حسنًا لن تجد العباقرة من أمثالك بكثرةٍ هناك.
باغتته نايلي بعناقٍ من ورائه و هي تهتف بخفةٍ و سعادة : هذا هو صغيري العبقري اللطيف.
هزّ ريموند رأسه يائسًا من إقناع هذه الماثلة أمامه بالتخلي عن حركاتها هذه، تمتم و هو يراقب ملامح برايلين : ستجعلينه يغضب.
ردت عليه بتذمرٍ بينما ترى ابتسامة خفيفة قد نبتت على شفتي صغيرها : حسنًا لقد فهمت .. لكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي صدقًا .. أقصد انظر إلى وجنتيهِ إنهما لطيفتان و شعره .. أشعر بأنني سأحتضنه حتى الموت.
هربت ضحكةٌ عاليةٌ من بين شفتي والده بينما يشعر برايلين بدفء عناق والدته، هو لم يكن مزعجًا أبدًا بل أقرب إلى كونه محرجًا بعد أن مدحته من أعلى رأسه و حتى أخمص قدميه.
📚شطر من نور📚
الفصل ( الخامس والخمسون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- طاب نهاركِ سيدتي .. هل لي بدقيقةٍ من فضلكِ؟
بعد أن دخلت السيدة إيرلين إلى المكان نطقت و هي تحمل على وجهها ابتسامةً بشوشة كي تزرع بعض الثقة في محدثتها التي لمحت ظهرها و شعرها البلوطي المموج من خلف زجاج الباب.
التفتت إليها لورين حيث كانت قد أولت ظهرها للباب منذ مدة لتتأمل الداخلة عليها، امرأةٌ أربعينية المظهر لها شعرٌ أسود قصيرٌ و أعينٌ رماديةٌ وقورة، أخيرًا ردت عليها و هي تمرر بصرها على ملابسها البسيطة بسرعة : بالطبع .. تفضلي.
أشارت مالكة المتجر إلى المقعد الأيمن لإيرلين فسارت نحوه حتى جلست عليه، أردفت مبتدئةً حوارها : في الواقع أعتقد أنكِ تعلمين بشأن السيدة كارتر، أليس كذلك؟
أومات في أسىً و هي تسكب الشاي في فنجانٍ كانت قد وضعته بالقرب منها قبل لحظات، نظرت إليها ثم نطقت موضحةً نوع العلاقة بينهما : نعم .. كانت تتردد على متجري من وقتٍ لآخر، هي تعيش بالقرب من هنا حسب ما فهمت.
هزّت إيرلين رأسها و كأنها تعرف كل هذهِ الحقائق ثم تابعت : قبل وفاتها ببضعةِ أيام أرسلت إلي رسالة .. و أنا الآن في مهمة.
أولتها لورين جُل اهتمامها حيث جلست و هي تحملق فيها بتركيزٍ فتابعت السيدة : أحتاج إلى وضع بطاقةٍ تحتوي على كلماتٍ كتبتها الراحلةُ بنفسها، كانت تحب أن تكتب من وقتٍ لآخر.
سحبت فنجان الشاي الذي كان أمامها لترتشف القليل من الشاي ثم أردفت بعد أن أعادته إلى مكانه : و قد نصحتني في رسالتها بأن أضع بعضًا من الزهور على الواجهة مع هذه البطاقة كي تلفت الانتباه و تصبح أكثر تلوّنًا و بهجة.
أومأت لورين في تفهمٍ رغم أنها لم تفهم حتى الآن ما يحدث، سألت بعد أن شعرت بأن إيرلين قد انتهت من شرحها : و ما هو المطلوب مني سيدتي؟
أدركت إيرلين أنها لم تصل إلى لب الموضوع فافتعلت سعالًا خفيفًا ثم قالت بصوتها الرسمي : لقد اقترحت نايلي أن أزور متجركِ من أجل هذا الغرض .. آمل أن نستطيع الاتفاق على سعرٍ موحدٍ لباقاتٍ مختلفةٍ كل يوم.
حملت لورين ابتسامةً عريضةً على شفتيها عندما استوعبت دورها في تلك الخطة المحكمة و الغريبة، تحدثت أخيرًا بعد أن أزمعت على أمرٍ ما : كلا، بالطبع لن نتفق على ذلك .. لستِ في حاجةٍ لدفع أي شيء سيدتي .. جئتِ إلى المكان الصحيح.
انفرجت أسارير إيرلين من هذه الحفاوة غير المتوقعة، تذكرت ما حكته لها الممرضة الخاصة بنايلي عن هذه المرأة .. مطلقةٌ تعتني بطفلتها الضريرة، ما تزال تعاني من مشاكل مع طليقها.
سحنة وجهها المبتهج هذا قد تنسي أحدهم أي ألمٍ مُلِمٍ به، فكّرت إيرلين بذلك و هي تجيبها بسعادة : لم أتوقع هذا الكرم منكِ يا ابنتي .. أعتقد أنني أفهم الآن سبب ترشيحها لكِ.
سحبت قطعةً من البسكويت الذي دفعته لورين نحوها ثم أخذت تأكلها و هي ترتشف القليل من كوب شايها بينما تفكر مالكة المتجر في أمر هذا الفعل الغامض و الذي قد لا يخطر على قلب بشر .. تساءلت عن السبب الذي دفعها لفعل ذلك لكنه أعطاها نوعًا من قشعريرة الحماس.
أنهت تلك القطعة فسألتها إيرلين ببعض الفضول : هل كنتِ صديقتها؟
أومات لورين برأسها نافية ذلك و علامات الأسف قد برزت على وجهها، ردت على سؤالها بقولها : كلا .. لقد انتقلت إلى هنا منذ أربع سنواتٍ و كانت تتردد على المكان لتجلب الزهور من أجل قبر زوجها الراحل، باتت تتحدث معي قليلًا من وقتٍ لآخر .. إنها شخصٌ رائع بحق.
بعد جملتها تلك أخذت تتذكر المرات الضئيلة التي تحدثت فيها مع تلك السيدة صاحبة الملامح الجميلة و الغريبة، كان الحديث إليها يريحها بطريقةٍ أو بأخرى حتى و إن لم تكن تعرف الحقيقة الكاملة لما يحصل معها.
نهضت السيدة إيرلين بعد أن شعرت بأنها قد أنهت مهمتها فتبعتها لورين في فعل ذلك، نطقت بأمرٍ قد تذكرته قبل لحظة : شيءٌ أخير .. لابد أنكِ تعلمين أن لديها ابنًا أليس كذلك؟ اسمه برايلين كما ذكرت في الرسالة .. قد يأتي إلى هنا و يستفسر عن هذا الغموض الذي صنعتهُ والدته .. آمل أنكِ لا تمانعين هذا.
أخرجت لها صورةً بعد أن أنهت جملتها لتراها ثم أردفت : و هذه صورة له.
كانت لورين تعرف مسبقًا أن لديها ابنًا لكن لم يخطر على بالها أن تسأل عن اسمه من قبل، و عندما سمعت ما قالته تلك السيدة جفلت للحظة و هي تتأمل تلك الصورة ثم ردت بسرحانٍ أثار تعجب السيدة إيرلين : نعم .. لا بأس.
أعادت تلك السيدة الصورة إلى مكانها ثم سارت نحو الباب و هي تقول بعد أن دفعت نصفه : سنبدأ غدًا صباحًا .. طاب صباحكِ.
بعد أن أنهت حديثها خرجت من المتجر تاركةً لورين تتأمل الباب لفترةٍ بعد رحيلها، هل ما رأته كان صحيحًا؟ رمشت عدة مراتٍ مخافة أن يكون ما تعيشه الآن نوعًا من أحلام اليقظة لكن ذلك لم يكن كذلك!
أخذت تفتح عينيها شيئًا فشيئًا لتخترقها أشعة الشمس إلا أنها أحست بحرقةٍ خفيفة حولهما.
أطلقت تأوهًا ضعيفًا و هي تشعر بالآثار التي خلفها هجوم ذلك الوحش الكاسر و المدعو بالبكاء، لم تتخيل من قبل أنها ستعود إلى هذا النوع منه بعد أن ركلت جرايدُن من حياتها.
هلعت للحظةٍ و هي تتخيل أن برايلين قد يكون قادمًا في طريقه إلى هنا، يجب أن تزيل كل ذلك بأي طريقةٍ كانت!
نهضت من على سريرها بهدوء و هي تحاول التخلص من شباك النوم التي ما تزال متمسكة بها لتقف أمام مرآتها.
حمرةٌ خفيفة خلّفها ذلك البكاء العنيف حول عينيها من ليلة البارحة و صداعٌ كانت تمقته بدأ يقرعُ أبواب عقلها المرهق.
عبثت بخصل شعرها المبعثرة قليلًا و هي تتساءل عن ما يجب فعله، شعرت بالكسل يستحوذ عليها بغتةً بعد أن ملأتها فكرة قدوم برايلين بالهمة و النشاط.
وقفت للحظةٍ و هي تتأمل شكلها مع شعرها المبعثر لكن مع أعينٍ مفتوحةٍ على مصراعيها، لسببٍ ما أحست بأنها باتت أجمل بين ليلةٍ و ضحيتها رغم آثار الشحوب الخفيفة التي برزت على بشرتها .. هناك شيءٌ ما مختلفٌ في وجهها و لم تستطع تحديده .. أم أن ذلك الأمر المختلف كان يسكن عينيها الذهبيتين منذ البداية؟
أخذت حمامًا سريعًا أعادت به الانتعاش إلى جسدها ثم جففت شعرها على عجل، ارتدت قميصًا له لونٌ ورديٌ فاتح مع بنطالٍ أسود وصل إلى ركبتيها بالكاد، حرارة الصيف لم تكن شيئًا يقبل بارتداء الناس لملابس طويلة.
أوشكت مهمتها على الانتهاء، ها هي ذا تعاود تأمل وجهها مرةً أخرى لترى ما يجب فعله مع ذلك الاحمرار الموجع.
قررت وضع بعض المراهم فوقها و التي اعتادت على استخدامها سابقًا، حصولها على تلك الآثار لم يكن بالأمر الجديد عليها .. بل كانت تشكر الرب أن هذه الآثار كانت أخف بكثيرٍ من سابقاتها.
شعرت بأن تلك الآثار قد خفّت قليلًا بعد استحمامها إلا أنها أرادت أن تتأكد من أنها ستزول في أسرع وقتٍ ممكن.
سبق و أن تعاملت مع زحف جيوش الصداع المتوحشة إلى عقلها بقنبلةٍ من مسكنِ الآلام الذي كان رفيقها لفترةٍ طويلة سابقًا.
أخيرًا قررت سحب علبة عطرٍ لتضع لمستها الأخيرة على نفسها إلا أن عينيها قد لمحت الساعة التي كانت موجودة بالقرب من العطر حيث أشارت إلى أن الوقت قد تخطى العاشرة و النصف منذ زمن.
إلى جانب إدراكها لحقيقة تأخرها عن فتح متجرها فهي قد تساءلت بشأن برايلين، عادةً هو يكون هنا في مثل هذا الوقت.
بعد أن أعادت قارورة العطر إلى مكانها فقد ألقت نظرة أخيرةً على نفسها، إنها تبدو مشرقةً أكثر لسببٍ ما، و لذلك فقد كانت على وشك أن تفرك عينيها لتتأكد من أنهما تريان بشكلٍ جيد إلا أنها تذكرت أمر المرهم الموجود حولهما فتراجعت عن تلك الفكرة.
همهمت لنفسها محاولةً دعمها بأسلوبها البسيط المتمثل في حديثها مع نفسها : لقد تجاوزتِ الكثير من قبل لورين، و تستطيعين تجاوز المزيد الآن!
يبدو أن بكاء البارحة ذاك كان مميزًا بالفعل، فمنه استخلصت صمغًا ألصقت به شظايا روحها المبعثرة، و منه اكتسبت نوعًا من الشجاعة لتعيد ترتيب أفكارها و مشاعرها حتى و إن عنى ذلك تمزيقها و إعادة جمعها من جديد.
انهارت أفكارها المتراكمة بفعل صوت قرعٍ خفيفٍ على الباب فاعتقدت أنه برايلين .. لابد أنها قد سببت له نوعًا من الفزع بعدم رؤيته للمتجر مفتوحًا بعد كل ما حدث.
خرجت من غرفتها ثم باتت تنزل السلالم على عجل، سمعت صوت فرقعة بعض قطع الخشب فعرفت أنها تصدر من تلك الخشبة العريضة المعلقة فوق الدرج، في كل مرة تقول أنها ستصلحها تنسى ذلك .. قد تؤذي أحدهم إن تعرض المنزل لهزةٍ أرضية.
فتحت الباب دون أن تنتبه لظل الشخص المنعكس على زجاج الباب لأن الشمس كانت قادمة من خلفه.
اندفعت كيلي إلى قدمي والدتها و هي تهتف بفرحٍ لاشتمامها رائحة عطرٍ كانت قد افتقدته كثيرًا : ماما .. اشتقت إليكِ كثيرًا.
ضحكت إيرلين على رد الفعل الطفولي هذا حيث كانت واقفةً خلفها ثم نطقت محييةً إياها : صباح الخير آنسة لورين .. آمل أنكِ قضيتي ليلةً سعيدة في تناول العشاء مع برايلين.
إن أرادت أن تكون أكثر دقة، فهي لم تتناول طعام العشاء معه، بل تعرضت للتوبيخ في كل دقيقة تناولت فيها العشاء هناك.
لكن و رغم كل ذلك فهذا لم ينفِ استمتاعها بالمكوث معه قليلًا كما كان يفعل هو، كان ذلك ممتعًا و هي قد اعترفت بذلك بالفعل.
للحظةٍ اخترق صوت تلك الأغنية رأسها مذكرًا إياها بتلك الرقصة المحرجة حد الموت و كل ما قامت به البارحة، أرادت أن تدفن نفسها من شدة الخجل فهي نسيت كل ذلك .. كيف كانت ستواجهه إذًا؟
تمتمت لورين محرجةً و هي تتأمل الأرضية حيث كانت كيلي واقفة : نعم، كانت ليلةً جيدة .. أمِلت أن ملامح وجهها لم تفضحها كما تفعل عادة، و تمنت لو أن الحمرة التي تتسلل إلى وجنتيها دون إذنٍ منها أن توقف هذا الفعل لمرةٍ واحدة، فهي الآن في أمَس الحاجة إلى ذلك.
📚شطر من نور📚
الفصل ( الرابع والخمسون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
‹ ٢٦ / ٧ / ١٩٨٥م ›
بوسطن.
- أين هو يا ترى؟
همهمت فولڨيا بتلك الجملة و هي تنظر إلى مكتبه الفارغ أمامها، هو لم يبدُ مريضًا أو أي شيءٍ من هذا القبيل البارحة فما سبب إحجامه عن الحضور؟
ظنّت للحظةٍ أنه قد تأخر في النوم كما كان سيحصل معها اليوم لولا أن منبهها الداخلي قد عمل على إيقاظها متأخرًا عن موعدها المعتاد، جعلها ذلك التأخر المفاجئ تركض كالمجنونة لتصل في الموعد إلى المكان، تمتمت بالعديد من عبارات الشكر لوالديها اللذين اقتنيا لها هذه الشقة المتواجدة بالقرب من المستشفى.
عجزت عن النوم سريعًا البارحة رغم أنها كانت مرهقةً للغاية بعد يوم عملها الأول الطويل و الغريب.
استقبلت التصرفات العنصرية التي يكررها الجميع بشكلٍ ممل و كانت على وشك أن تُحرق بماءٍ مغليٍ، لكنها و بشكلٍ غريب عومِلت بطريقةٍ مختلفة عن العادة .. كانت بدايةً مشرقة بالنسبة لها لعملها مع شخصٍ مثله فمن هم على شاكلته نادرون.
و كي تتمكن من النوم البارحة فقد كان عليها المحاولة مرارًا لنزع صورته من مخيلتها لكن ذلك لم يكن سهلًا كما اعتقدت في بادئ الأمر، من الصعب إزالة صورةٍ فاتنة كتلك من الذاكرة.
سهرها البارحة جعلها تتساءل إن كان قرارها بالبقاء صحيحًا، لكنها في كل مرةً تشعر فيها بأنها قد فرضت نفسها عليه تتذكر طريقة ترحيبه اللبقة مع تسجيل قصيرٍ لصوته داخل رأسها و هو يقول : مرحبًا بكِ في الجحيم .. ڨيا.
كان يمكن لأي جحيم قد يتواجد فيه هذا الإنسان أن يتحول إلى جنةٍ بطريقةٍ أو بأخرى، إنه لبِقٌ و صبورٌ للغاية .. مراقبته و هو يعمل البارحة كان عملًا ممتعًا بالنسبة لها.
بالإضافة إلى كل هذا فهي لم تتوقع أن تنجح في جعله يناديها بذلك الاسم سريعًا هكذا، إنه يبدو كشخصٍ حازمٍ للوهلةِ الأولى و هو كذلك فعلًا إلا أن جزءًا من حزمه تلاشى لسببٍ تجهله.
و رغم أنها كانت متأخرةً هذا الصباح إلا أنها لم تمنع نفسها من تمتمة أغنيةٍ كانت تسمعها كثيرًا خلال طريق عملها، مزاجها لم يتعكر بشكلٍ غريب .. ربما لأنها كانت واثقةً من أنها ستراه هذا الصباح أيضًا؟
خلال دقائق قليلة كانت قد دخلت إلى المكان و سجلت حضورها، و بعد دخولها مباشرة بدا الجميع من حولها و كأنهم يخرمونها بنظراتهم و همساتهم القذرة.
سمعت بعض الشتائم عن لون بشرتها إلا نها لم تعبأ بذلك، وصل إلى مسامعها أيضًا البعض و هم يتحدثون عن ما حصل البارحة.
- انظروا، هذه التي ثأر والكر من أجلها.
- لديه ذوقٌ مريعٌ في السيدات، أعني إنها قبيحة للغاية، ما هذا الشعر الذي يشبه شعر الساحرات؟
- ذلك اللعين يمتلك شعبية في المكان، كما أن أي فتاة ستوافق عليه دون لحظة تفكير، لكنه في النهاية اختار هذه .. أعني انظر إليها أنت تفهم قصدي.
تمتمت محدثةً نفسها و هي تسير رافعةً رأسها لتزيد من غيظهم : لمَ يظن الجميع أننا أصبحنا مرتبطين فجأة لأنه دافع عن الجانب الصحيح؟
التقت ريثا و بيرتا في طريقها إلى مكتبه حيث حزرت أنهن يتظاهرن بحاجتهن للوقوف في هذا الممر الذي يؤدي إليه، ابتسمت بشكلٍ مستفزٍ و هي تقول : صباح الخير يا زميلتَي في العمل، آمل أن تحظيا بيومٍ سعيد.
سماع ريثا و هي تتميز من الغيظ خلف ظهرها كان منعشًا للغاية، ليذوقوا القليل من الكأس التي جرعوا وايت منها لفترةٍ طويلة، أحست لوهلةٍ أنها البطل الخارق في قصة مصورة.
عندما كانت تدير مقبض الباب فقد توقعت أن تجد وايت جالسًا على مكتبه و هو يتأمل ملفاته أو يشرب قهوة الصباح التي أرادت مشاركته إياها كما حصل البارحة.
كانت على وشك الدخول بصخبٍ و هي تقول : احزر ماذا، نحن ...
إلا أن عدم رؤيتها له في المكان قد ألجمتها و منعتها من إتمام جملتها.
تأملت المكتب للحظةٍ و هي تتذكر ما قاله المدير عنه، هو ملتزمٌ للغاية بمواعيد عمله و لم يتغيب من قبل خلال السنتين التي عمل فيها في هذا المكان.
تنهدت بعد أن عاد عقلها إلى رشده، لربما حاول عقلها إمضاء بعض الوقت بتذكر كل ما حصل منذ لحظة استيقاظها و حتى لحظتها الحالية، و لعلها أمِلت بطفوليةٍ أن يقتحم المكان بعد انتهاء ذلك الشريط.
لوهلةٍ بدا المكان موحشًا مع هذا الصمت الذي كان يعتريه، تمتمت منزعجة بعد أن ارتدت ثيابها البيضاء : هل سيترك ممرضته المستجدة في يوم عملها الثاني؟
هي تدرك في قرارة نفسها بأنها كانت مجرد حجةٍ هزيلة أرادت فيها أن تتأكد من أنه سيأتي بسببها، أو هذا ما اعتقدته.
تجاوزت الساعة العاشرة و لم يصل بعد مما أقلقها قليلًا، هو لم يتصل حتى ليقول أنه لن يحضر أو أي شيءٍ من هذا القبيل.
قررت أن تذهب إلى المدير لتخبره بذلك لأنها لم تعرف ما يجب فعله حقيقةً، البقاء دون فعل شيءٍ معين أو الحديث مع أحدهم مضجرٌ للغاية.
البارحة عادت إلى المتجر المدمر و هي تضمر نيةً لإيذاء نفسها أو أي شيءٍ من هذا القبيل، بينما اليوم فقد رجعت و هي تحمل شيئًا غريبًا قد تعاظم داخل عقلها، إلا أنه كان جيدًا لسببٍ غير مفهوم .. أو هذا ما أخبرها به قلبها لتهدئة بعض الاضطراب المتواجد داخلها.
كان الخوف يلتهم روحها البارحة، أما اليوم فطمأنينةٌ غير واضحة قد أغرقت وعيها في بحرٍ من الراحة الغريبة و اللامتناهية.
و رغم تلك الفروق الشاسعة فإن ما تشابه به ذلكما اليومان هو شيءٌ واحد .. إحساسها بالضعف تجاه أي شيءٍ و كل شيء.
عاودت النظر إلى نفسها للحظةٍ من خلال تلك المرآة ثم همست و كأنها تحاول التغلب على كل الخوف الذي زرعته أحداث الأمس داخلها : كان هذا يومًا طويلًا .. و جميلًا.
إلا أن جملتها تلك ضغطت الزناد لإطلاق دموعها بغتة محاولةً بيأسٍ قتل الحزن الذي تفشى داخلها دون إذنٍ منها حتى.
و ها هي الآن تبكي كما حصل البارحة، حتى هذا البكاء كان مختلفًا عن البارحة .. أبكمًا و صعب التفسير حتى على نفسها.
لم تعلم أي البكاءين أعظم .. هل كان ذلك الذي سببه الخوف و الضعف البارحة؟ أم أنه ذلك البكاء المبهم الذي يخرج صامتًا عكس ذاك؟
ما أراحها قليلًا كونها وحيدة بين جدران هذا المنزل الذي تأجج بالكآبة فجأة، لا بأس إن بكت عاليًا فكيلي ليست موجودةً لسماع معاناتها.
خفف الخوف الذي كان يلازمها على الدوام من وطأةِ عناقه لروحها، ما السبب؟ لكن و في المقام الأول .. مما كانت تخاف يا ترى؟
هل كانت تخاف من تلك العصابة الطماعة؟ رجال زوجها؟ زوجها بحد ذاته؟ كيلي؟ نفسها؟
هل كانت تخاف من نفسها؟ نعم .. كثيرًا .. كثيرًا جدًا .. لأنها تعلم أنها ستخذلها في لحظة حاجتها .. ستخذلها كما حصل ليلة زفافها .. و فعلت ذلك مجددًا حين فقدت صوابها أمامه و هي التي وعدت نفسها بالتجلّد أمامه، ثم أفزعت كيلي بصراخها و قصها المفاجئ لشعرها .. و ستعاود فعل ذلك مجددًا عندما تحين اللحظة لذلك.
في كل مرةٍ حاولت الإحتماء من ذلك الخوف المفزع ببناء ثقتها مستخدمةً شجاعتها المزجاة بالتردد كانت رياح الحياة العاتية مؤازرة له حتى يئست من ذلك.
إلا أنها مؤخرًا نجحت في بناء شيءٍ مشابه لذلك الحصن بمساعدة من رغبتها العارمة في حماية كيلي، هل كانت أنانية باستغلالها لكيلي يا ترى؟ هل استحقت وجود شخصٍ بريءٍ مثلها إلى جوارها؟ أمِلت أنها فعلت كل ما باستطاعتها لاستحقاق الطاقة التي كانت تمدها بها كيلي على الدوام.
هي كانت تعلم بأنها ليست جيدةً كفاية لتفعل أي شيء .. فقط ليست جيدة .. لكن جيدةً من أجل ماذا؟
من أجل حماية كيلي؟ أخذ حقها من ذلك اللعين؟ إيقاف تلك العصابة عند حدها؟ لتثق بنفسها مرةً أخرى؟ لتطرد ذلك الخوف الذي كان يقتات على روحها منذ فترةٍ طويلة؟
هل هي جيدة .. لتحب أحدهم؟ .. تساؤلها الأخير كان الضربة القاضية.
خلال كل تلك الأعاصير العاتية كانت قد نجحت في التسلل إلى فراشها رغم الثقل الذي كان يفرضه جسدها عليها.
- ما الذي أجيده غير الغرق في كل هذا؟ تساءلت للحظةٍ عندما أحست بعدم منفعتها في أي شيء.
عند تلك النقطة فقدت دموعها خاصية الصمت الفريدة تلك و بات عويلها يعلو أكثر و أكثر .. لمَ هذا يؤلم للغاية؟ أكثر من البارحة حتى.
بعد كل هذا باتت تفكر .. أيهما كان اليوم الأثقل يا ترى؟
أرادت شيئًا ليخفف عنها مهما كان، لكن لمَ ظهرت زمردتاهُ داخل رأسها فجأة؟ تلكما الزمردتان اللتان تحملان شيئًا مبهمًا اعتقدت في بعض الأحيان أنه الحزن .. لكنه في هذه الليلة كان شيئًا مختلفًا بكل تأكيد.
لمَ يستمر صوته في العبث داخل تلافيف عقلها الفوضوي هكذا؟
- لديكِ متجرٌ جميل، لستُ بطلًا يعمل بالمجان، ما الذي أصاب يدكِ؟ إنه جيدٌ جدًا، لا تعتدي بنفسكِ كثيرًا، ستدفعين من أجل هذا، لا تأخذي راحتك.
لمَ كل تلك الجمل غير المنطقية بالذات؟ كان ذلك من أجل المساعدة فقط فما الذي حدث بعدها؟ كيف تأذى بسببها؟
لم تكن متأكدةً من قبل لكنها باتت كذلك الآن .. إذًا هل ساقه القدر إليها؟ أم ساقها إليه؟ الأمر غير منطقي و لا يقبل التصديق.
هربت ضحكةٌ صغيرة و لا منطقية من بين شفتيها المرتعشتين لتهمس بعدها ببؤس : منذ متى كانت الحياة منطقية من الأساس؟
_____
- سيدي لقد جمعنا غنائم اليوم.
تحدث أحدهم بخديعةٍ موجهًا كلامهُ إلى رجلٍ قد استقر على كرسيٍ ضخمٍ بعض الشيء وسط مستودعٍ قديمٍ متهالك، كانت نوافذه محطمة و بالإضافة إلى بعض الثقوب التي لم يخلُ منها ذلك السطح المهترئ حيث تسلل بعضٌ من نور القمر ليتنصت على محادثتهم الخبيثة!
أومأ ذلك الجالس برضا ثم سأل بعد أن تذكر شيئًا : ماذا عن متجر الزهور ذاك؟
تدخل رجلٌ آخر كان واقفًا على مقربةٍ من سيده ليجيب سؤاله : بخصوص هذا فلم يرِدنا أي شيء منها .. إلا أن أحد رجالنا قد اكتشف شيئًا مثيرًا للاهتمام عن طريق الصدفة، نطق جملته الأخيرة بلهفة رجلٍ للقتل بعد سنين مديدة من السجن المرهق.
📚شطر من نور📚
الفصل ( الثالث والخمسون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- لقد نامت أخيرًا.
نطق أورفيوس بتلك الجملة بعد أن دخل إلى غرفة الجلوس التي تواجدت فيها إيرلين و هو يتنفس الصعداء، واجه مشكلةً عويصةً في جعل شعلة النشاط تلك تخلد إلى النوم في سلام.
ضحكت إيرلين بلباقةٍ على حال أورفيوس ذاك، إنه لا يطيق الأطفال فعلًا رغم أن كيلي كانت لطيفةً في كل تصرفاتها.
جلس أخيرًا إلى جوارها ثم أخذ يكمل طبق الزبادي الذي حرمته إياه تلك الطفلة، نطق بعدما ابتلع أول لقمة : إيرلين، لمَ توافقين على أمورٍ حمقاء كهذه .. أولًا تلك الرسائل و الآن هذهِ الطفلة؟ هل تحبين التورط في المشاكل إلى هذا الحد؟
حدّقت في عينيهِ البنية لوهلةٍ و هي تحمل على وجهها نظرةً ذات مغزى غريب ثم نطقت : إنها مجرد ليلةٍ صغيرةٍ و سريعة، أرادت القيام بشيءٍ مميزٍ للغاية.
تمتم أورفيوس مستنكرًا تلك الحجة الواهية : شيءٌ مميزٌ بعد الحادية عشرة، لابد أنها ذهبت إلى حانةٍ ما .. لا أصدق أنك تركتها تذهب وحدها في هذا الوقت.
كانت تدرك أن أورفيوس لا عِلم له بمكان عمل برايلين حيث أن ممرضة نايلي الخاصة قد زودتها بتلك التفاصيل المهمة شخصيًا، أخيرًا ضحكت عندما سمعت توقعه ذاك ثم قالت : أحيانًا تبهرني بذكائك.
لم يبدُ ذلك كإطراءٍ بالنسبة له من خلال نبرة صوتها إلا أنه تجاهل ذلك و سأل عندما تذكر شيئًا آخر أكثر أهمية : لكن إيرلين .. هل كان من الجيد العبث في تلك البطاقات؟ أعني أنها وصية شخصٍ ميتٍ و أنتِ تعبثين بها بقدر ما تشائين.
تعجبت من طريقة تفكيره التي ازدادت غرابة عن ما اعتادته ثم أجابت و هي تحاول منع نفسها من الضحك : هل تؤمن بالأشباح أم ماذا؟
مالت قليلًا بجسدها لتسحب فنجانها و ترتشف القليل منه بينما تفكر في ما فعلته، لم يكن بالأمر الجلل بالنسبة لها حيث كانت واثقة من خلال معرفتها بنايلي أن ما قامت به هو قمة الصواب.
بعد أن أعادت ذلك الفنجان إلى مكانه و ثبتت أنظارها عليه تابعت : طريقة سردك لما أفعله تجعلني أبدو و كأنني أختلق عباراتٍ لم تكن موجودة .. كل ما فعلته هو العبث بترتيب تلك البطاقات قليلًا.
سحبت بعض الهواء إلى رئيسها كي تتابع تفسيرها الذي تراه منطقيًا : كما أنني لم أعبث بها منذ البداية، فقط منذ أن عرف بأمر البطاقات .. بدأت تحدث أشياءٌ جديدٌ في حياته.
ألا يقال أنه يجب تنفيذ وصية الميت كما هي مدونة دون تحريف؟ تعجب من أمرها إلا أنه قرر تجاهلها لأنها بدت أكثر ثقة في فعلها مما اعتقد، تذكر أمرًا آخر ليسألها عنه فنظق مستفهمًا : و هل لهذا علاقة بإخباركِ له أن يذهب إلى متجر الزهور ذاك رغم أنكِ تعلمين أنها لم تتلقَ ظرفًا حتى؟ لقد أخبرتِه أنها قد تمتلك شيئًا، تلك السيدة المتوفاة لم تذكر شيئًا عن ذلك في رسالتها.
نظرت إليه للحظةٍ عندما أدركت أنه لم يفهم ما فعلته رغم أنه كان يقرأ تلك العبارات معها، هل يوجد شخصٌ بهذا القدر من الغباء العاطفي في هذا العالم؟
نطقت باستسلام عندما رأت انعدام الجدوى من إكمال حديثهما الغريب هذا : هل تعلم أورفيوس .. انا أسحب ما قلتهُ قبل قليل عن كونك ذكيًا .. تناول هذا الزبادي و حسب.
همهم بانزعاجٍ بعد رد فعلها الغريب ذاك دون أن يفهم سببه : ما الأمر معكِ الآن؟
تنهدت للحظةٍ و هي تفكر في الطريقة التي ستسهل عليها شرح هذا الأمر، عندما قررت ما يجب قوله نطقت لتفسير ذلك من وجهة نظرها البسيطة : لقد قمت بما اعتقدت أنه صحيح، كما أن نايلي لن تمانع .. لكن لمَ علي أن أفسر لك هذا؟ فقط انهض و تأكد من أن كيلي ما تزال نائمة بعد كل هذا الحديث غير المُجدي.
هي قد يئست من شرح الأمر له عندما لاحظت ملامح وجهه المتعجبة، لا فائدة ترجى من ذلك الشاب عندما يتعلق الأمر بالنفس البشرية و شؤونها.
انزعج من طلبها حيث أنه قد جلس قبل فترةٍ وجيزة، كما أنه لم يفهم رغبتها في التخلص من ذلك الحوار البائس، تابع تناول الزبادي الخاص به في صمت و هو يتساءل إن كانت تلك الورود التي تشتمها كل يومٍ قد أثرت على عقلها البسيط.
أخيرًا و بعد أن أنهى طبقه نهض لينفذ ما قالته على مضد، غمغمت لنفسها عندما تأكدت من خروجه و هي تحمل على وجهها ابتسامة نحيلة : على ما يبدو فهو معتلٌ عاطفيًا مثل ذلك البرايلين.
ذهب أورفيوس لتفقد كيلي فوجد أنها ما تزال على الحال الذي تركها عليه منذ فترة، بالطبع ستكون عليه فلم تمضِ ثلث ساعةٍ منذ أن تركها حتى.
عندما غادر الغرفة عائدًا من حيث أتى أحست كيلي بالراحة لأنها تمكنت من خداع ذلك الأبله بنومها المصطنع، عادةً كانت والدتها لتكتشف ذلك في لمح البصر .. لم تتوقع أن يعود ليتفقدها بهذهِ السرعة.
أوشكت لورين على قول شيءٍ أحمق كما اعتقدت، رغم أنه كان محرجًا حد الموت إلا أنه كان جميلًا بطريقة غامضة في نظرها.
اتّسعت ابتسامتها بشكلٍ ضئيل و قد لاحظ برايلين ذلك، يبدو أنها تستعيد ما حصل قبل قليلٍ داخل رأسها.
فرَك مؤخرة رأسه و هو يتساءل عن معنى كل هذا ثم همهم منزعجًا : دعنا نذهب من هنا فقط.
ابتسم وايت دون أن يعلق أكثر من ذلك، يبدو أن لدى صديقه ما يعيد التفكير فيه خصوصًا بعد أن أنهى الحوار بهذه الطريقة المبهمة.
خرج ثلاثتهم من المكان بعد أن ألقى وايت التحية على روبرت قبل خروجهم، لم يرد برايلين رؤية وجهه حتى.
وقفوا لفترةٍ من الوقت خارجًا و هم يتأملون الشارع في انتظار عربة أجرةٍ لتُقلّهم فقد تأخر الوقت فعلًا و لم يعد هناك أي عربات في الطريق.
أخيرًا لاحت عربة أجرةٍ وحيدة من نهاية الطريق فتهلل وجه وايت بينما ابتسمت لورين براحة، أما برايلين فقد تنهد لشعوره بأن هذا الوضع المزعج سينتهي قريبًا.
توقفت العربة بالقرب منهم ثم فتح وايت الباب ليدخل هو إلا أن برايلين سحبه من قميصه، تأملتهما لورين لعدة لحظاتٍ ثم دخلت هي أولًا تبعها وايت بعد أن أفلته برايلين.
التفت إليه وايت قبل أن يدخل و هو يحمل على وجهه علامات التساؤل فنطق برايلين قبل أن يقول أي شيءٍ : السيدات أولًا، هل نسيت؟
أطلق وايت ضحكةً لم يتمكن من كبحها ثم دخل و هو يهمس : منذ متى و أنت تهتم بالآداب العامة هكذا؟
فشل برايلين في منع ابتسامته من الظهور على تلك السخرية ثم رد عليه : فهمت هذا، لا داعي لنظراتك الساخرة.
فجأةً سمعا صوت ضحكةٍ خرجت من لورين التي عجزت عن منع نفسها من الضحك عليهما، هما يبدوا كشقيقين يكرهان بعضهما لكنهما يحبان بعضهما في الوقت نفسه.
أشاحت بوجهها إلى الطرف المعاكس بعد أن أحست بأن أنظارهما قد سلطت عليها، احمرّت وجنتاها لأنها شعرت بحقيقة كونها قد قامت بفعلٍ قليل التهذيب.
أغلق برايلين باب العربة ثم أعطى توجيهاته إلى السائق فانطلق متوجهًا نحو الحي الذي صرح باسمه قبل قليل.
خيّم الهدوء بينهم بعد ما قاله برايلين، لسببٍ ما كان الصمت هذه المرة أكثر إخافةً من أن يحاول أحدهم كسره بأي شيء، لذلك فضلوا جميعًا نسج أفكارهم الخاصة على إيقاعاته الهادئة و البطيئة.
تساءلت لورين عن حال كيلي في هذه الساعة حيث يفترض بها أن تكون نائمةً بالفعل، كما أنها حاولت أن تتوقع نوع الأفكار التي تجتاح عقل برايلين بعد كل ما حدث، أما ذلك الراقص الفاشل فقد شعر بأنه يترنح على حافة اليقظة بعد أن التهم التعب أطرافه منذ لحظة جلوسه.
بينما وايت فقد كان الوحيد صاحب الأفكار المتشعبة حيث أخذ يتذكر ما سمعه من لورين عند قبر والدها، التقت بمن أحبته؟
بالتأكيد قصدت برايلين بما أنه كان أول من التقته من بينهما استنادًا للقصة التي رواها صديقه قبل يومين.
كان سعيدًا بكل ما يحصل مع برايلين، انقلب حاله حرفيًا من بعد ما أدرك أن تلك البطاقات كانت لوالدته .. استرق نظرةً إلى الجالس بجانبه ليجده قد غفى على كتفه قبل بضعة دقائق.
كانت لورين تتأمله منذ فترة بالفعل دون أن يدري، تمتمت مفسرةً سبب إرهاقه الذي توقعته : لقد بذل مجهودًا كبيرًا مع كيلي .. لابد أنه متعب.
لاحظ نظراتها الحنونة التي لم تفارق وجهها منذ أن وقعت عيناها عليه .. هذا حقًا واضح .. كيف يمكن لأحدهم أن يكون بهذا الغباء لأن لا يتبين ذلك؟
بسبب تعطل أعمدة الإنارة في بعض الشوارع فقد ضل السائق عن الطريق الصحيح لفترةٍ مما جعلهم يستغرقون وقتًا أطول للوصول إلى منازلهم، من حسن حظهم أن وايت كان موجودًا حيث أن كلاهما قد غفيا على كتفيه و هو يتساءل عن سبب كل ذلك.
استرق نظرةً إلى لورين التي بدت كعاملةٍ بائسةٍ بعد نهار طويل من الخدمة، رغم أنها كانت نائمة فقد حملت شفتاها ابتسامة ملائكيةً صَعُب عليه وصفها.
ذكرته ابتسامتها بابتسامة برايلين النقية، و ليست تلك التي يرسمها للسخرية من أحدهم حيث كانت تستحل وجهه على الدوام، كادا أن يكونا متشابهين للحظة دون سبب منطقيٍ داخل رأسه.
سمعها تتمتم كما لو أنها تُحدِّث أحد سكان عالم أحلامها : آسفة .. لم أقف هناك .. برايلين.
تقف هناك؟ حيرته تلك الجملةُ كثيرًا .. هل عرفتهُ من قبل؟ بناءً على ما قالتهُ عند ذلك القبر فقد بدت كما لو أنها تعرفه فعلًا.
لم يمتلك الكثير من الوقت للتفكير في هذا الموضوع حيث وصل السائق إلى متجرها و توقف أمامه بإشارةٍ منه، أيقظها بهدوءٍ قائلًا : لورين .. لقد وصلنا إلى منزلكِ .. هيا.
أخذت تفتح عينيها الذهبيتين شيئًا فشيئًا لتدرك ما حولها أكثر، قوّمت جذعها ثم اعتذرت عن نومها المفاجئ قائلةً : آسفة، لم أشعر بنفسي.
خرجت من العربة ثم ابتسمت بلطفٍ و تابعت مودعة : شكرًا لك .. ليلةً سعيدة.
رد على تحيتها بإيماءةٍ تبعتها ابتسامة طفيفة، تأكد من أنها دخلت إلى المتجر ثم طلب من السائق أن يتابع مسيره بينما بدأ يوقظ برايلين بقوله : غوريلا .. هيا نكاد نصل .. لا تجعل لعابك يسيل علي أيها الأبله.
فهم مقصدهم فعاود النظر إليها ليجدها تضحك على بلاهتهِ في تلك اللحظة، افتعل سعالًا خفيفًا و هو ينطق بلا مبالاة : أنا أحمق .. فهمت، ثم قلبَا وضعهما في اللحظة نفسها كي يرتاحا من إزعاجهم.
أرادت أن ترد و تخبره بأنه ألطف أحمقٍ قد تقع عيناها عليه، إن كان أحمقًا كما يدّعي فتمنت لو أن جميع الحمقى يكونون مثله.
بدت عيناها الذهبيتان تتألقان كجوهرةٍ ثمينة مع تلك الدموع التي اكتنزتها داخلها، جوهرةٌ تحوي جمالًا مبهرًا و غير خاضعٍ لأي نوعٍ من التفسيرات الطبيعية.
تمتم متعجبًا من أمرها و مرتبكًا في الوقت نفسه : ما الأمر معكِ؟
لم تُجِب على تساؤلهِ بل أشاحت بوجهها عنه، ما الذي يدور داخل عقلها يا ترى؟
ظلا يرقصان على أنغام تلك الموسيقى لعدةِ دقائق بدت كساعاتٍ طوالٍ بالنسبةِ لبرايلين الذي كان يواجه صعوبةً في الحركة مع رقصاتها لجهلهِ بما يفعلهُ من الأساس.
بدا الأمر مزعجًا للغاية في بادئ الأمر .. إلا أنه شعر بعد برهةٍ بأن الأمر بدأ يصبح أسهل و أجمل بشكلٍ ضئيلٍ للغاية رغم محاولته لنكران الأمر.
عاودوا الهتاف بحماسٍ لرؤيتهما و هما يستمتعان بذلك، أطلقت لورين ضحكةً لم تتمكن من كبتها على سذاجتهم، أم أنها كانت تضحك على نفسها و سذاجتها؟ كان من الصعب تحديد أي شيءٍ خلال موجة الاضطراب تلك.
هناك شيءٌ ما يحاول التسلل إلى قلبه ليزيل بقايا الانزعاج التي كان يحملها قبل عدة دقائق، مع كل لحظةٍ يصبح الأمر أكثر غرابةً و إمتاعًا في الوقت نفسه!
أغمض عينيهِ للحظةٍ و هو يرى أيامه القليلة الماضية تمر سريعًا أمامه مُلخِّصةً كل ما حل به من بعد ما عرف أن تلك البطاقات لها، أراد أن يسألها بقوله : هل ترينني حيث أنتِ أمي؟ ابنكِ يذوق السعادة التي خلفتها من بعدك، إلا أنه في نهاية المطاف قد احتفظ بذلك السؤال لنفسه فهو يعلم أن جزءًا منها موجودٌ عميقًا في قلبه مهما كان المكان الذي قد يتواجد فيه جسدها.
لأنه أغلق عينيهِ لثوانٍ فقد قام بحركةٍ أدت إلى دعسهِ لقدم لورين، تراجع إلى الخلف فجأةً و هو لا يدري ما يجب أن يفعله فأفلتت هي يده بدورها بينما تضحك برقةٍ على تصرفه ذاك.
صفقوا جميعًا لدى انتهائهم من تلك الرقصة العجيبة فأخذ برايلين يجول بأنظاره في المكان متعجبًا من حال كل أولئك البُلهاء و هو غير مصدقٍ لكل ما حصل، هل أصابتهم بعضُ الراحة الغريبة التي أحس بها أم ماذا؟
و خلال تأمله للناس من حوله و هو يتساءل عن حقيقة كل ما حدث قبل بضعة دقائق وجد وايت واقفًا يتأمله بين الحشود!
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
📚شطر من نور📚
الفصل ( الحادي والخمسون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- أنتِ تهذين بدونه .. لا حاجة لكِ به.
أجابها على سؤالها السابق بأن تحظى بكأسٍ من الشراب معه بتلك الطريقة الصريحة لعلها ترتدع و تعود أدراجها.
خرجت ردة فعلها التي كانت معاكسةً لكل ما أراده حيث تمتمت راجيةً كما لو أنها تطلب ما هو متعلقٌ بحياتها : نصف كأسٍ فقط.
إنه يقاوم رغبته في الصراخ عليها أو حتى كسر شيءٍ ما ليخيفها فتبتعد عنه و عن هذا المكان الخطير قدر المستطاع، عاود سؤالها للمرةِ الثانية بعد أن سئم من هذا فعلًا : هل أنتِ طفلة أم ماذا؟
أطلقت همهمات تذمرٍ من رفضه المتتابع لتوسلاتها البريئة، أخيرًا نطقت بتضجرٍ كنوعٍ من الإزعاج : كان يجب ان أجلب كيلي معي حتى توافق على أي شيءٍ أريده.
حقيقة كونه قد وافق على الذهاب معها إلى الحديقة لم تعنِ أبدًا أنه سيوافق على أي شيءٍ ستطلبه منه، هو كان يَفِي بكلمةٍ قدمها لها و كان ذلك كل ما في الأمر.
نسج عقله خطةً سريعةً للتخلص منها في أسرع وقتٍ ممكن، بدأ يشعر بحاجتهِ لإيصالها للمنزل كي يتأكد من أنها بخيرٍ بعد أن تجاوز الوقت منتصف الليل بالفعل.
جال بعينيهِ بين رفوف كؤوسهِ التي حفظها عن ظهر قلبٍ حتى وقعت على ما أراده.
سحب أصغر الكؤوس المتواجدة على ذلك الرف حيث كان يصل حجم الواحد منها لنصف طول سبابته ثم وضع واحدًا أمامها بينما الآخر فقد استقر أمامه.
سحب علبةً كان يعرف أن لمحتواها تأثيرًا لا يكاد يذكر ثم سكب القليل في كل واحدٍ منهما و تحدث منتصرًا : تفضلي .. أنتِ لم تحددي حجم الكأس على أيةِ حال.
بدلت أنظارها بينه و بين تلك الكؤوس الصغيرة ثم رسمت على ثغرها ابتسامةً صغيرة، و بالرغم من أنها بدت كطفلةٍ تم خداعها بطرقٍ ملتوية نطقت و كأن خطتها نجحت : إذًا لنشرب.
تمتم ساخطًا و هو يرمق كأسه ببعض نظرات التقزز، رفع رأسه إليها ليقول موضحًا موقفه : أنا أكره هذهِ الأشياء، دعينا ننهي هذا بسرعة.
شرب كأسهُ فتسلل طعمٌ غريبٌ إلى لسانهِ جعل القشعريرة تزورهُ لأجزاءٍ من الثانية، تجرع البقية بسرعةٍ كي يتخلص من هذا الجحيم و ألقى الكأس بأقوى ما لديه على المرمر بينما ينطق آمرًا : و الآن هيا .. خارجًا.!
كانت هي الأخرى قد شربت كأسها الصغير الذي وصفته بتمتمةٍ منها كمراهقةٍ لم تنل ما أرادته بالطريقة التي فكرت بها : غشاش، هذا كأس أطفال.
لاحظ روبرت المسرحية الكوميدية التي كانت تدور بينهما حيث أولاهما اهتمامه منذ أن انسحب قبل بعضٍ من الوقت.
عندما سمع جملة برايلين الأخيرة قرر التدخل فنطق معاتبًا إياه : لا تعامل سيدةً بهذهِ الوقاحة يا فتى، أليست لديك أخلاق؟
- روبرت .. هل هذا الشيء يعمل؟
قاطعهم أحد الموجودين بكلامه و هو يشير إلى صندوق مشغل الموسيقى قديم الطراز و الذي كان موجودًا في آخر المكان.
أعطاه علامةً تدل على أنه يعمل فنهض ليضع عملةً معدنيةً داخله و يختار أغنيةً من بين الموجودات داخلها.
استقامت لورين لتغادر كما كان متفقًا بينهما فتنهد برايلين مفرجًا عن بعض الانزعاج الذي احتبسهُ صدرهُ منذ أن دخلت.
بعد أن اختار ذلك الرجل أغنيته انتشرت إيقاعاتها في المكان مكسبةً إياه القليل من البهجة الخفية.
برزت السخرية التي يحملها روبرت في صوته عندما قال موجهًا كلامه إلى ذلك الواقف الذي يتأمل أعقابها و هي مغادرة : هذهِ الموسيقى رائعةٌ للغاية برايلين .. ما رأيك أن تحظى برقصةٍ سريعةٍ مع هذهِ الآنسة؟
لم يتمكن ذلك الأخير من كبح نفسه هذه المرة فحمل كأسًا بلاستيكيًا ثم رماه عليه بينما يقول ساخطًا : إن كانت لديك أفكارٌ كهذهِ فاحتفظ بها لنفسك.
أصابت تلك الكأس الفارغة صدره إلا أنه لم يأبه له بل نهض و هو يحرك يديه في الهواء كي يُوليَهُ الجميع انتباههم و هو يقول : هل يمكنكم مساعدتي يا جماعة؟
التفت الجميع إليه ثم تابع حديثه عندما تأكد من أن انتباههم معه : هذان الاثنان يبدوان كثنائيٍ جيدٍ لكن لا أحد منهما يتحدث بشكلٍ جيد .. أشار إلى برايلين و تابع بنظراتٍ متأسفة مصطنعة : و كل ما فعله هذا الرجل متحجر القلب هو طرد هذهِ الآنسة اللطيفة من هنا .. هل يجوز هذا برأيكم؟
هتفوا جميعًا مؤيدين لما قاله رغم أن معظمهم لم يكونوا واعيين بما فيه الكفاية ليركزوا في كل ما يحدث، حفزهم بقوله و هو يعرف أنه سينال موافقتهم : دعونا نجعل ذلك العجوز منعدم الرومنسية يأخذ جولة رقصٍ سريعةً مع هذهِ السيدة اللطيفة.
حدقت لورين فيه متعجبةً بعد كل ما سمعته ثم نطقت محاولةً تفسير سوء الفهم هذا : مهلًا لابد أنك ...
لم تتمكن من إكمال جملتها حيث بدؤوا جميعًا يتهافتون من حولها و هم يقولون :
- دعيكِ منه سيدتي و ارقصي معي.
- لا يمكن لنا أن نترك آنسة جميلةً مثلكِ وحيدةً هكذا.
- ما رأيكِ أن نبقى هنا حتى شروق الشمس؟
📚شطر من نور📚
الفصل ( الخمسون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خطوةً بعد خطوة اقتربت لورين من طاولة المشرب تحت أنظار برايلين المشدوهة و عقله الذي يتساءل عن سبب وجودها هنا في مثل هذا الوقت!
أظهرت ابتسامةً جانبيةً و هي تجلس على الكرسي أمامه بينما ترد على نظراته المتعجبة تلك : ما الأمر؟ أنت تأتي إلي كل يوم، ما المانع من فعل الأمر نفسه معك؟
جفل للحظةٍ بعد أن سمع ردها ثم تذكر أمر الرجل الذي كان ينتظر طلبه منذ فترة.
فتح العلبة في يده ثم ذهب ليرد على ندائه على عجل، عاد ليقف أمامها مرةً أخرى و يؤنبها قائلًا : ما الذي تهذين به يا امرأة؟! هذا ليس كمتجر زهورك المسالم .. عليك العودة حالًا، الوقت تأخر بما فيه الكفاية.
هل سارت كل تلك المسافة إلى هنا وحدها في الليل أم أنها استقلت عربة أجرة؟ لا تهم الوسيلة التي وصلت بها بل الأهم أنها كانت لتكون في مشكلةٍ حقيقيةٍ إن صادفها أحد المجانين الذين ينتشرون في الليل!
لاحظ روبرت حديث برايلين مع سيدةٍ لم يرها من قبل، تذكر أمر باقة الورد التي رآها في منزله في ذلك اليوم فربطهما معًا، نهض ليتحدث معها و في عقلهِ خطةٌ شيطانيةٌ لن تروق لبرايلين المسكين كما اعتقد.
اقترب منهما ثم وقف على يسار لورين و هو ينطق بنبرةٍ نبيلةٍ مصطنعة : كيف لي أن أخدمكِ سيدتي؟ آمل أن عاملي الأحمق لا يقوم بإزعاجك.
رمقهُ برايلين ببعض النظرات الثاقبة إلا أن روبرت تظاهر بعدم رؤيتها و تابع كلامه : ما رأيك بتناول العشاء معي إن كنتِ لا تمانعين؟
عاود النظر إليها فلاحظ ابتسامتها المتكلفة التي بدت كدلالةٍ على أنها لم تعرف كيفية الرد على ذلك، لمح ابتسامة روبرت حيث أنها لم توحِ له بالخير فأعاد بصره إليها و هو يخاطبها ببعض الصرامة : هذا المكان مليءٌ بأناسٍ سيئين من أمثاله .. غادري فورًا.
أطلقت لورين ضحكةً صغيرةً للغاية على كل ما يدور أمامها فقال ببعض الانزعاج : هل يبدو ما أقولهُ مضحكًا؟ غادري!
هي لم تقطع كل تلك المسافة لتعود أدراجها و حسب، خططت لتناول وجبة عشاء جيدة في هذا المكان قبل أن تغادر على الأقل.
كانت قد خطرت لها فكرة القدوم إلى هذا المكان بعد أن تخطت الساعة الحادية عشرة، و لتُلبيَ رغبتها فقد اتجهت إلى منزل السيدة إيرلين و الذي يقع بالقرب من مخبزها لتسلمها باقة الورد التي صنعتها من أجل الغد و جلبت معها كيلي.
أخبرتها بأنها تريد زيارة المكان الذي يعمل فيه برايلين فقدمت لها التفاصيل عن موقع المكان برحابة صدر، كما أنها قبلت و بكل سرورٍ أن تعتني بكيلي من أجلها حتى الصباح.
التفتت لورين إلى روبرت بعد لحظاتٍ قليلة ثم تكلمت مع ابتسامةٍ بريئة قد رسمت على شفتيها : أفترض أنه لا بأس بتناول العشاء مع كأسٍ من العصير.
انحنى لها كرجلٍ نبيلٍ فيما يتحدث بنبرةٍ لم تخلُ من السخرية : كما تأمرين سيدتي.
اتجه إلى باب المطبخ ثم غمز لبرايلين قبل أن يدخل و هو يقول بنبرةٍ لم يفهم مغزاها : اعتني بها جيدًا.
تمتم برايلين ساخطًا على فعله السخيف هذا : ما الذي يتحدث عنه هذا المجنون!
قرر أن يلتفت إلى عملهِ مرةً أخرى فأخذ يلمع الكؤوس التي غسلها قبل قليل، تذكُّره لحقيقة أنها جالسة على مقربةٍ منه أزعجه إلى حدٍ ما.
رفع رأسه نحوها للحظةٍ كي يؤكد لها ما ستفعله لاحقًا : ستغادرين فور أن تنتهي من طعامك .. هل تفهمين؟
اتّكأت بمرفقيها على المرمر و استند رأسها على راحتي يدها بدوره فيما تقول بنبرةٍ حَوَت بعض التهكم : لمَ؟ هل أبدو كطفلة؟
بدت و كأنها تستمتع بمعاندة برايلين رغم جديته، تمتم ساخطًا و هو يعاود النظر إلى الكأس الذي كان بين يديه : اللعنة على عقلك المتحجر.
بعد سماعه لكلمة طفلة تخرج من فمها عادت كيلي إلى ذهنه، نطق بانفعالٍ عندما تذكر إهمالها في ذلك الوقت و تركها لها في عربة الأجرة وحيدة : ماذا عن كيلي؟ لا يعقل أنكِ مجنونةٌ لترك طفلةٍ ...
صمت قبل أن ينجرف في كلامه حيث أن ابتسامة الثقة التي كانت ترتديها في تلك اللحظة عنَت أنها قد تدبرت أمرها.
تمتمت و هي تعبث بأظافرها و كأنها كانت تنتظر ذلك السؤال لتظهر تجهيزها لأي شيء : طلبتُ من السيدة إيرلين أن تعتنيَ بها، بدت سعيدةً للغاية برؤية كيلي.
بعد تلك المحادثة البسيطة مضت دقائق استولى الصمت فيها على الساحة بينهما، لم تملك لورين أي شيءٍ لقوله فقررت أن تتأمل الناس الذين كانوا موجودين من حولها متعجبةً من وجود أنواعٍ غريبة لم ترَ مثلها من قبل.
لاحظ تحديقها المطول في الزبائن من حولها، خشيَ أن تلفت الأنظار لكونها وحيدةً فتمتم بلهجةٍ آمرة : لا تحدقي في الناس، هل أنتِ طفلة أم ماذا؟
التفتت نحوه بعد أن سمعت كلامه ثم نظرت إلى عينيهِ الخضراوين مباشرةً و هي تنطق بابتسامة تحدي : إذًا هل تريد مني أن أحدق بك؟
بدت صورةً مثاليةً للغاية مع ابتسامتيهما البريئة، قدمها إلى لورين لتراها ثم نطقت و هي تشيد بجمالها : إنها جميلةٌ للغاية كيلي.
كان عقل كيلي قد انشغل بمخططٍ آخر حيث نطقت على عجلٍ و هي تخشى من أن يعيد برايلين الكاميرا إلى والدتها : مهلًا، لنأخذ صورةً أخرى مع برايلين أمي!
التفتت لورين إلى برايلين الذي أظهر ملامح التعجب للحظة فأيّدت اقتراحها قائلةً بابتهاج : نعم، سيكون ذلك تخليدًا جميلًا لهذا اليوم.
حدّقت فيه لبضع ثوانٍ و هي تنتظر إجابته التي ستحسم الأمر، اعتقد أنها ستكون صورةً لطيفًا حقًا لذلك أومأ لها و هو يمنع نفسه من الضحك لسببٍ يجهله.
بعد قراره ذاك سأل كيلي قائلًا : و أين يجب أن أقف الآن كي أتمكن من أخذ الصورة؟
عاودت لورين الانحناء لتصبح في طول كيلي بينما أجابته صغيرتها و هي تشير له بيدها اليسرى : إلى جانبي، تعال إلى هنا!
اقترب منها ثم ثنى ركبتيه كما فعلت لورين قبل قليل، رفع يده التي كانت تحمل الكاميرا عاليًا و هو يقول : اتخذا وضعيةً ما لأن يدي لن تبقى ممدودةً للأبد.
فجأةً أحس بيد كيلي تحيط عنقه و تشده نحوها، كذلك الأمر كان مع لورين و التي تفاجأت هي أيضًا.
هتفت كيلي سريعًا ليستجيبا لها تحت تأثير صدمتهما : و الآن هيا ابتسما!
حاولت لورين أن تبتسم بشكلٍ طبيعيٍ و كذلك فعل برايلين الذي التقط الصورة بعد كلامها لأن يده لن تبقى ممدودةً لأكثر من ذلك.
أفلتته كيلي و هي تمنع نفسها من الضحك على ما حصل بينما نطقت لورين بانزعاجٍ طفيف : لقد أفزعتي ماما يا صغيرتي، لا تقومي بحركاتٍ مفاجئةٍ هكذا من فضلك.
أمسك هو الصورة التي خرجت من آلة التصوير ثم نظر إليه بعد أن بدأت ملامحها تتضح أكثر.
لقد بدت أكثر جمالًا مما توقعه حتى، لم يمنع نفسه من أن يرسم ابتسامة باهتةً على شفتيه فيما يتساءل إن كانت تراقبه من السماء و هو يستعيد نفسه شيئًا فشيئًا .. كيف حدث كل هذا؟
مرر الصورة إلى لورين لتهتف ببهجةٍ بعد أن نالت تلك الصورة إعجابها : كالعادة كيلي، أفكاركِ هي الأروع.
أعاد الكاميرا إلى يدها أيضًا ثم نظر إلى كيلي و نطق مقترحًا : ما رأيكِ أن تبدلي ملابسكِ كيلي؟ لابد أن هذا الفستان بدأ يزعجكِ.
صاحت كيلي كاستجابةٍ لما قاله و هي تضع يدها بالقرب من رأسها كما يفعل الجنود : حاضر سيدي القبطان!
ثم سارت ناحية الدرج و هي تهمهم بلحنٍ جميلٍ كانت تحفظه.
عاودت لورين النظر إلى برايلين عندما صعدت كيلي تمامًا إلى الأعلى ثم همت لتسأل بتعجب : هذا ليس من ...
قاطع برايلين كلامها و هو يستفسر بنبرةٍ بدت غير مألوفةٍ بالنسبة لها : ما الذي أصاب يدكِ؟
بدت الصرامة واضحةً للغاية على ملامح وجهها لسببٍ ما، هل حاول أحدهم أذيتها أثناء غيابهما؟
وضعت يدها خلف ظهرها و هي تعض شفتها السفلى، تحاشت النظر إليه محاولةً الهرب من الإجابة على ذلك السؤال الذي تمنت لو أنه نسيه بعد الصخب الذي أحدثته كيلي.
استشعر أنها لن تجيب على سؤاله البسيط ذاك بطريقةٍ سلسة فتساءل لبرهة .. لمَ سأل في المقام الأول؟
تمتم و هو يحدثها ببرودٍ مخيفٍ لم تألفه هي : هل تعلمين؟ تجاهلي ذلك السؤال و حسب.
بعد أن أنهى جملته غادر المكان دون أي تبريراتٍ أو حتى شروح .. لن تفهم لورين ما جال في باله أبدًا لأنه لم يفهمه هو نفسه حتى!
سألت نفسها إن كان صمتها هو القرار الصائب لاتخاذه في مثل ذلك الموقف، أما كان عليها أن تخبره فعلًا؟
أمسكت لورين رسغها ثم عاد لذاكرتها ما حدث قبل ساعةٍ على الأقل من الآن!
___
- أرى أنكِ أعدتِ فتح هذهِ الخردة مرةً أخرى.
سمعت صوتًا خشنًا و خبيثًا يتحدث من خلفها أثناء عملها على باقةٍ من الزهور لأجل السيدة إيرلين حيث أنها لم تغيرها منذ يومين.
التفتت لتجد الرجل ذاته مع عصابتهِ القذرة و هم يحدقون في المكان و أعينهم تقدح خبثًا و دناءة .. أحست بأنهم لا ينوون خيرًا هذه المرة!
ارتعدت للحظةٍ إلا أنها لم تسمح لذلك الخوف بأن يتسلل إلى ملامح وجهها، أيظهر هؤلاء ليزيدوا الطين بلة بعد كل ما فعله جرايدُن اللعين معها؟
تابع زعيمهم الحديث و هو يقترب منها أكثر و أكثر : ألم نتفق على أنكِ ستدفعين؟ صبري لن يتحمل حتى شهرٍ لذلك لا أنصحكِ بتجربته صدقيني.
ردّت عليه و هي تنظر إلى عينيهِ بتحدٍ بينما تأمل في أن تصل يدها إلى الهاتف لتتمكن من الاتصال بالشرطة : اخرج من هنا من فضلك .. ستفزع الزبائن.
رغبت في أن يحضر شرطيٌ ما فجأةً من العدم ليوقف هذه المهزلة إلا أن الشرطة لم تتمكن من القبض عليهم سابقًا، هل ستتمكن من فعل ذلك من أجلها يا ترى؟
أمسك يدها اليمنى بقسوةٍ والتي كانت تحمل وردةً فيها حتى أسقطتها من شدة ألمها، نطق بمكرٍ محاولًا زرع أكبر كميةٍ ممكنة من الخوف في قلبها المرهق : إذًا هذهِ هي اليد التي تنسق الزهور .. أتساءل ما الذي قد يحصل إن كُسِرت؟
تمتم أحد الموجدين معه عندما أحس أن سيده سيُفرط في حماسه في الوقت الخطأ : سيدي .. نحن في وضَح النهار و قد تأتي الشرطة .. لنؤجل هذا.
ضحك للحظةٍ و هو يتذكر الموقف الذي اعتقد فيه أحدهم أنه و لورين متزوجان، تمنى أن تصبح تلك النكتة حقيقةً من أجل ذلك الصديق الأحمق.
__
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
في العادة هي تتولى أمر الدفاع عن نفسها و لطالما نجحت في ذلك، لمَ هو يتدخل هكذا و يسبب لنفسه مزيدًا من المشاكل و صداعًا طويلًا آخر بعد أن تخلص من سابقه بصعوبة كما رأت؟
رمقها المدير بنظراتٍ دونيةٍ و كأنه لا يعترف بها كجزء من البشر و انتشرت حبال الصمت بينهم بعد أن أحكم الوجوم على ملامحهم جميعًا!
نطقت هي أخيرًا ممزقةً شباك الصمت التي نُسِجت بين خمستهم : لم أكن لأتغاضى عن ما حدث اليوم أبدًا .. لكن لدي فكرةٌ أفضل.
التفت إليها وايت و هو يشعر بأنها ستتنازل عن حقها فتابعت كما لو أنها سمعت أفكاره : أنا لا أخطط لتجاهل ما حدث، إليكم شروطي لننهي هذا الأمر بودية .. أولًا يجب تعيينيَ كممرضةٍ أساسيةٍ للسيد والكر بدلًا عن الممرضة المتغيبة، و ثانيًا.
صمتت للحظةٍ حيث حركت بصرها لتلتقيَ عيناها بعيني الواقفتين في الطرف الآخر من الحجرة و تابعت : عليهما أن يُوقعا على إقرارٍ يفيد بطردهما من المكان إن تعرضا لي أو للسيد والكر مرةً أخرى بشيءٍ خارجٍ عن إطار العمل، و يخصم راتبها لهذا الشهر إلى النصف.
شهقت ريثا عندما سمعت شرط فولڨيا الأخير فابتسمت تلك المنتصرة لتُغيظها أكثر، إنها تستمتع برؤيتهما و هما يتميزان من الغيظ بعد أن أهينت كرامتهما في الأرض أمام محبوبهما كما ادّعتا، و لو فكرتا ببعض المنطق لعرفتا أنهما من لفّا هذه الحبال حول أعناقهما منذ اللحظة التي خططتا فيها لكل ذلك.
أومأ السيد دالفون للحظةٍ ثم أطرق برأسه برهةً ليفكر في عرضها، كان وايت يعرف أنه لا يمتلك خيارًا آخر سوى الموافقة عليه كي لا تصل أمور هذا المستشفى العريق إلى الشرطة بسبب أمرٍ تافهٍ كهذا.
رفع رأسه أخيرًا ثم نطق بصوته الخشن بعد أن حسم أمره : أعتقد أنني سأوافق على شروطكِ آنسة نايبُرس، سأُعِد الإقرار الذي ستوقعان عليه و أرسل لكِ نسخةً منه.
حرّك أنظاره لتستقر على وايت ثم تابع حديثه : بالنسبة لك سيد والكر، تذكر أن مناوبة الطوارئ عليك أيضًا هذه المرة، تستطيع الانصراف الآن، و كذلك أنتِ آنسة نايبُرس .. عودي إلى المنزل إن أردتِ نيل قسطٍ من الراحة.
خرج الاثنان من الغرفة بهدوءٍ بينما تكتم فولڨيا ضحكاتها على ما فعلته بهما، لقد استمتعت أكثر مما توقعت بملامحهما القلقة من الانفراد بمديرهم المخيف.
اتجه وايت إلى مكتبه فتبعته فولڨيا و هي متعجبة من أمر صمته، توقعت أن يعلق على فعلها ذاك بالاستحسان بعد أن ضاق ذرعًا بهن كما أحست.
دخل إلى المكتب في هدوءٍ ثم جلس على كرسيهِ المعتاد كما لو أنه يلقي بجثةٍ هامدة عليه.
لم يعتقد أن بلاهتهن ستدفعهن ليقُمن بأمرٍ جنونيٍ كسكب الماء المغلي على أحدهم، كان يمكن لها أن تصاب بحروقٍ خطيرةٍ حقًا إن لم يتمكن من اللحاق بها!
اعتقدت للحظةٍ أن صمته هذا كان دلالةً على انزعاجهِ من تهورها هناك، لربما هو لم يردها أن تكون ممرضته من الأساس؟
كادت أن تهم بالحديث لولا أنه سبقها بقوله الذي حمل بعضًا من الصرامة : فولڨيا، من الأفضل أن تعودي إلى المنزل، لن يكون من الجيد بقاؤكِ هنا.
في الواقع هو لم يصُغ أفكاره بشكلٍ جيد، لم يُرِد لها أن تتعرض للمزيد من نظراتهم القاتلة، بل تمنى حتى أن تتركه لتكون ممرضةً في مكانٍ أفضل و أكثر عقلانيةً من كل ذلك الجنون الذي يحدث حوله.
هزّت رأسها كإجابةٍ على طلبه لها بالعودة ثم أجابت بثقةٍ و هي تلوّح بسبابتها في الهواء كما لو أنه تعلمه درسًا ما : أنا ممرضتك الأساسية من الآن و صاعدًا، يجب أن أكون موجودةً معك على الدوام.
حدّق في أعينها العسلية و لاحظ إصرارها على ذلك، سحب بعضًا من الهواء إلى جسده المنهك ليقول : أليس من الأفضل لكِ أن تتركي هذا المكان المجنون فقط؟ سيكون لدي مناوباتٌ متأخرة كثيرة .. أن تكوني ممرضة طبيبٍ للطوارئ ليست مهمة سهلة.
حرّكت كتفيها بلا مبالاةٍ لتجيب على سؤاله : أنا لم أدرس لأربع سنواتٍ كي أنال وظيفةً سهلةً على أية حال، سيكون الأمر مملًا إن عدت إلى المنزل مبكرًا.
لسببٍ ما ابتسامتها تلك لم تتلاشَ و لو للحظةٍ خلال حديثها، أم أنه كان يُهيَّأ له و حسب؟
ابتسم هو الآخر حيث أنه أحس بفرحةٍ ضئيلةٍ في إحدى زوايا قلبه لثباتها على رأيها رغم كل شيء، نطق أخيرًا مرحبًا بها بابتسامةٍ عريضة : إذًا .. أهلًا بكِ في الجحيم .. ڨيا.
هل تتخيل أم أن ابتسامته أصبحت أجمل و أكثر تألقًا؟ كان من الصعب تحديد ذلك بسبب الاضطراب الذي عانى منه عقلها لشدة جمال ما رأته.
للحظةٍ فهمت ما عنته تلك الممرضة البلهاء، لكنها في الوقت نفسه لم تبرر لهن فعلهن الطائش ذاك حيث أنهن إن كن يحببنه حقًا لتركنه يتصرف كما يشاء .. و ليس مطاردته كمهووساتٍ لا يملكن ذرة إحساس!
استندت بذراعيها على السرير من خلفها ثم نظرت إليه مستقبلةً تلك التحية بقولها الساخر : يبدو أن لدينا ليلةً طويلةً لنقضيها هنا.
ضحكت ڨيا بعد ذلك عندما أحست نفسها في مسرحيةٍ مبتذلة، نطقت من بين ضحكاته بعد لحظة : أعتقد أن نصوصنا المسرحية قد انتهت عند هذه النقطة.
اعتقدت أنها بالغت في الأمر قليلًا عندما تذكرت أنها طلبت منهن الابتعاد عنه، كان يجب أن تأمرهم بالابتعاد عنها .. استشعرت أن قولها لتلك الجملة سيزيد من هذه المشاكل السخيفة.
في الخارج و تحديدًا في غرفةٍ خُصِّصت لاستراحة الممرضات دخلت إحداهن الغرفة و هي تلهث جراء الركض لتقول بعد أن التقطت أنفاسها : إن تلك المجنونة خارجة عن السيطرة! هل كان ما سمعته صحيحًا؟
تحدثت ريثا كردٍ عليها و هي تهز قدميها في توتر : تقريبًا نعم، لا أذكر أن وايت قد ابتسم في حضور أحدهم عدا المرضى، إنه مُتجهمٌ أغلب الوقت!
أخرجت إحداهن بعض الأصوات الساخرة ثم نطقت : بل و يضحكان أيضًا، سيُجن جنون هِلاني عندما تسمع بهذا!
تمتمت ريثا بمكرٍ كما لو أن الشيطان قد همس لها بفكرةٍ خبيثة لتوه : إذًا دعونا نلقنها درسًا في يومها الأول، لا أحد يعبث معنا و ينجوا بفعلته!
بعد ساعتين قد انقضيتا في صمتٍ مطبق قرر وايت أن يطمئن على مريضه الذي دخل إلى الطوارئ قبل بعضٍ من الوقت.
لحقت بهِ فولڨيا كما هو مفترضٌ بها و هي تتأمل الأجواء من حولها، لم ترَ أن إحداهن قد عاودت الاقتراب للتنصت.
اطمأنت عندما زال شعور المراقبة ذاك فعاودت النظر إلى ظهر وايت الذي كان أمامها، بدا كطبيبٍ متمرسٍ للحظة بتلك المشية الواثقة و أكتافه العريضة المرفوعة.
افتعلت سعالًا خفيفًا قبل أن يدخلا إلى غرفة المريض فالتفت إليها و هو يتساءل عن سبب ذلك، نطقت و هي تحملق في عينيه البنيتين : نسيت أن أخبرك .. تستطيع مناداتي بڨيا من الآن و صاعدًا، اسمي طويلٌ للغاية.
استدار نحوها بشكلٍ كاملٍ بعد أن كان قد التفت برأسه فقط ثم أجاب على سؤالها بقوله : ألن يكون ذلك نوعًا من قلة التهذيب؟ أعني أننا لم نكمل يومنا الأول حتى.
بجملته الأخيرة كان قد ترجم فيها إحساسه بأنها ستترك العمل معه بعد ما حصل، إنه يسبب المشاكل بالفعل لمن حوله.
نفَت ذلك بتلويحها بيدها في الهواء و هي تقول : لا تقل هذا، و الآن هيا لا بد أنه ينتظرنا.
دخل وايت إلى الغرفة و عقله يعتقد أن اسم "ڨيا" له رنةُ جميلةٌ على الأذن.
تبادل القليل من الأحاديث الودية مع مريضه الذي كان مستيقظًا لحظة دخولهما بينما كانت فولڨيا تراقبه بصمتٍ من الخلف.
كانت ستهتف بكونه "محتالًا"، فهو يتحدث مع ذلك الرجل بكل سلاسةٍ كما لو أنه صديق قديم، لقد أجبرها على البقاء في صمتٍ لفترةٍ طويلة و لم تعرف أن مهاراته في الحوار تختلف باختلاف الجالس أمامه.
عندما شعر بأن دوره قد انتهى طلب منها أخيرًا أن تذهب لتجلب علبة محلولٍ أخرى بدلًا عن تلك المعلقة الفارغة فخرجت ملبيةً طلبه.
حلّ الصمت بينه و بين مريضه بعد ذلك لفترةٍ لم تتجاوز الدقائق حتى نطق الأخير طالبًا منه بعضًا من الماء.
خرج هو الآخر من الغرفة ليذهب إلى الكافيتيريا فوجد ريثا واقفةً من بعيدٍ كما لو أنها تراقب شيئًا ما مع ابتسامةٍ خبيثة على وجهها.
لم يسترح لهذا فاتجه إليها و هو يملك نية لسؤالها عن ما يحدث.
- ريثا، ما الذي تفعلينه في هذا المكان؟ و ما بال هذه النظرة على وجهك؟
نطق بصرامةٍ فارتعدت للحظة و التفتت إليه لتجيب بلعثمة واضحة : لا شيء .. سيد والكر، لا .. لا تشغل بالك.
غيابهم عنهما طوال ذلك الوقت لم يُرِحه، أحس كما لو أن مكيدةً ما تُحاك من قبلهم فركض بحثًا عن فولڨيا التي شعر بنوعٍ من الخطر المحدق حولها!
__
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
📚شطر من نور📚
الفصل ( السابع والأربعون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- أحسنتِ عملًا.
نطق وايت بجملته السابقة و هو يحدث فولڨيا التي وقفت بقربهِ تراقب مريضهما الممدد على السرير.
كانا قد تلقيا هذه الحالة منذ أكثر من ساعتين، المصاب في الحادث كان سائق أجرةٍ انقلبت عربته دون معرفة السبب وراء ذلك، تمكن أحد المُشاةِ من إخراجه من تلك العربة قبل أن يتأذى أكثر.
نطقت فولڨيا بنبرةٍ رسمية و هي تسرد الحقائق المكتوبة على أوراقها : الكثير من الجروح و الرضوض في جميع أنحاء الجسد، كسرٌ في اليدين، صدمة قوية على الرأس أدت إلى النزيف تم إيقافه .. عدا كل ذلك سيكون بخير.
تنهد وايت بعد أن أحس أن مهمته قد انتهت، كان ذلك الرجل قد نزف كثيرًا لحظة وصوله حتى احتاجوا لنقل الدم له في أسرع وقتٍ ممكن، وجود فولڨيا أثناء كل ذلك كان بأهميةٍ توازي وجوده.
نظر إليها ليعطيها تعليماته التالية قائلًا حيث أنها أبلت بلاءً حسنًا في ذلك رغم أنه يومها الأول : تستطيعين الذهاب إلى مكتبي لنيل قسطٍ من الراحة، سأتفقد بعض المرضى و ألحق بكِ.
أومأت متفهمةً ما قاله ثم اتجهت نحو الباب لتخرج و هي تحدثه ببعض السخرية بعد أن تذكرت كل ما يحصل معه من سخافة : توخى الحذر منهن.
تمتم بينما ينظر إلى ابتسامتها الضئيلة تلك : من الأفضل أن تفعلي ذلك أنتِ.
تمنى للحظةٍ أن ترى هِلاني ما تفعله الممرضة التي اعتقدت أنها ستزعجه كانتقامٍ لها، أخذ يتخيل ملامح وجهها و هي تشتعل غيظًا فأطلق ضحكةً خفيفة على بلاهتها.
- أين أنا؟
سمع وايت صوت مريضه الذي اختلجه الألم فالتفت نحوه ليجد أن شفاه الرجل قد عادت للحركة حيث قال : هل أنا ميت؟
استحس وايت نبضات قلبه و هو يرد على سؤاله الساذج برسميتهِ المعتادة : كلا سيدي أنت لست ميتًا.
تابع ذلك الرجل الحديث و هو يتأمل وجه وايت الخالي من أي تعابير محددة ثم نطق مبهورًا : إذًا أنت لست ملاكًا؟
أبعد وايت سماعته عن أذنيه و أزالها من على صدر مريضه بينما يرسم ابتسامة ضئيلة ليرد عليه : كلا سيدي لست كذلك، استرِح من فضلك.
خرج وايت من الغرفة بعد أن تأكد من أن نبضات قلبه طبيعيةٌ إلى حدٍ ما ثم مر على بعض المرضى، من بينهم كانت سيدةً قد بُتِرت ساقها بسبب الغرغرينا و رجلٌ عجوزٌ تعلق قلبه بالأجهزة ليبقى حيًا.
رغم أنه ليس المسؤول عن حالاتهم إلا أنه كان يمر عليهم في بعض الأحيان ليتفقدهم، يعرفه معظم مرضى المستشفى بما أن نوباته المتأخرة و المتكررة تجعله يبقى مع الجميع.
قرر أن يعود إلى مكتبه بعد أن أحس بأن دوره قد انتهى حتى الآن، لابد من أن فولڨيا قد انتظرته وحدها لفترة طويلة.
فكّر بأن تركها وحيدةً في أول يومِ عملٍ لها كان نوعًا من قلة التهذيب، لكنها ستكون بخيرٍ إن لم تحتك بأولئك المزعجات.
وصل أخيرًا إلى الممر الذي يقع فيه مكتبه بعد أن أخذ منعطفًا ليصل إليه، لاحظ أن بابه كان مواربًا و سمع صوتًا مرتفعًا بعض الشيء حيث بدا لأنثى تقول : ماذا تظنين نفسكِ فاعلة؟!
تنهد و هو يشعر بأن القادم لا يبشر بالخير، لم يُرد التدخل في البداية و فضل المراقبة على ذلك، لتلك الآنسة شخصيةٌ قوية و إن ركلتهم بنفسها فلن يعودوا لها على عكس ما يحدث معه لأنهم لا يمتلكون ما يفعلونه معها.
ألقى نظرةً على المكان من الداخل ليجد فولڨيا واقفةً أمام السرير الذي اعتقد أنها كانت جالسة عليه سابقًا، كان هناك حشدٌ من خمس أو ست ممرضاتٍ قد وقفت أمامها إلا أنه لم يتعرف عليهن لأنه لم يرَ شيئًا غير ظهورهن.
ردت فولڨيا عليهن بنظراتٍ محشوةٍ بالاحتقار كادت أن تلتهمهن : أنا أؤدي عملي هنا كما ترون و ليس على عكس البعض هنا.
بدت كما لو أن الواقفة أمامها قد استشاطت غضبًا من الطريقة المستفزة التي تحدثت بها فولڨيا فصرخت بغضب : ما الذي تعرفينه أيتها الحشرة السوداء؟ أنتِ هنا لتنفيذ ما قالته هِلاني.
عرف صاحبة ذلك الصوت الثقيل، كانت تلك ريثا و التي هي أقرب صديقةٍ لهِلاني، و كصديقةٍ لها فهي تشاركها أفعالها البلهاء غالبًا محتميةً بنفوذ صديقتها.
قهقهت فولڨيا بسخريةٍ كما لو أنها لا تعبأ بنيران الغضب التي اشتعلت في محدثتها ثم ردت عليها بلا مبالاة : هكذا إذًا .. وظيفةٌ شاغرةٌ في هكذا مستشفى ليست بالأمر السهل على أية حال.
بعد ذلك بلحظة اقتربت منها فولڨيا خلال أجزاءٍ من الثانية لتشدها من معطفها الأبيض الذي ارتدته و تقول بنظرةٍ مخيفة : أرى أن لديكِ اعتراضًا على لون بشرتي، سوداء؟ هل من مشكلةٍ في هذا؟ على الأقل لدي بعض الكرامة على عكسكن.
أفلتتها بعنفٍ لترد إحدى الواقفات بالنيابة عن ريثا التي فقدت اتزانها : من تحسبين نفسكِ أيتها القذرة؟ سنتأكد من أنكِ لن تبقي معه على أية حال!
صعدت سريعًا على السلالم دون أن تأبه بكيلي التي كانت تسترق السمع إلى كل ما ورد في الأسفل بحماسِ الأطفال الذي لم تستطع مقاومته.
دخلت لورين إلى غرفتها ثم أغلقت الباب من خلفها، سحبت أقرب وسادةٍ إلى وجهها ثم صرخت بأقوى ما تملكه!
أرهفت كيلي السمع لكل ما فعلته والدتها حتى الآن في حيرة و تعجب، لم تفهم أيًا مما يحصل إلا أنها تساءلت .. هل تعرفه والدتها؟
دخولها بهذه الطريقة جعلها تشعر بأن أمرًا جللًا قد حدث مع والدتها فقررت السير بهدوءٍ حتى تصل إلى باب غرفتها حيث كانت تلك الصغيرة تعرف عن عادةِ والدتها المتمثلة في إمساك صورة جدها و التحدث إليه كما لو أنه حيٌ في أهم لحظات حياتها .. أخبرتها أنها فعلت ذلك في الليلة التي قابلت فيه والدها أول مرة .. و كذلك حين قررت فرض طلاقها .. و في الليلة التي قررت فتح فيها المتجر أيضًا.
أطلعتها من قبل على هذا الفعل و أن هذهِ الحركة تفيدها نوعًا ما و تشعرها بتحسنٍ غريب، لم تفهم كيلي ذلك يومًا لكنها لم تهتم بما أن هذا الفعل يجعل والدتها مرتاحةً و سعيدة.
سمعتها تُحدث الصورة كما توقعت : أبي .. لقد حدث شيءٌ رائعٌ في حياة ابنتك البائسة.
هل تذكر قصص الأميرات التي كنت تحكيها لي؟ تلك القصص التي تتزوج فيها الأميرة من البطل رغم من كل شيء؟ أنا على وشك لقاء بطلي!
___
قفزت كيلي للمرةِ العاشرة و هي تستعيد تلك المحادثة، شعرت بأن دورها قد آتى ثماره.
أحست أنها تشبه الأقزام السبعة في قصة سنوايت أو أدوات القصر المهجور في قصة الجميلة و الوحش، هي تلعب دور الشخصية المساندة للأميرة و عليها أن تقوم بعملها على أكمل وجه!
كانت تساند والدتها على الدوام .. هي وصفته بالبطل إذًا فلابد أنه كذلك .. و لكي تكون أكثر صدقًا فقد كان بطلًا عدة مرات .. عندما أنجدها قبل أن تخطف و لا يمكن لها أن تنسى دعمهُ لها أمام مجموعة الحمقى تلك.
هي باتت تسميه بطلًا لأنه باتأثبح كذلك بالنسبة لها بعد كل ما فعله، بطلها الدافئ الذي يحمل نبرة الحزن بين طيات صوته رغم كل شيء .. هل ستستطيع إزالة تلك النبرة إن حاولت كردٍ على كل ما فعله من أجلها؟
و هل يعقل أن يكون هو البطل الذي سيخلصها من كل هذا البؤس الذي حاول والدها إغراقها فيه منذ الأزل؟
___
- تبًا .. لمَ هي الثالثة فجرًا؟
تمتم برايلين بتلك الجملة بعد أن استرق نظرةً إلى ساعةٍ كانت موجودةً بالقرب من سريره، لقد استيقظ منذ قليلٍ و هو عاجزٌ عن النوم مرةً أخرى.
كل ما تذكره كونه قد عاد إلى هنا مع وايت و هو يعاني من إعياءٍ جسيم، ثم وجد نفسه فجأةً يغطس في سريرهِ ليغرق في سباتٍ عميق.
اعتقدَ أنه لن يستيقظ حتى ظهيرة الغد مع حجم الوهن الذي كان يفتك بأجزاء جسده قبل أن ينام، لكن ها هو الآن مستيقظٌ و غير قادرٍ على النوم حتى، إنه يتقلب في سريره منذ فترةٍ دون أن يكون لهذا أي نتيجة .. لمَ؟
أخيرًا قرر الجلوس على سريره عندما يئس من كل ذلك، يبدو أنه لن يعود إلى النوم قريبًا على أية حال.
- ما الأمر؟ أنت تأتي إلي كل يوم، ما المانع من فعل الأمر نفسه معك؟
صدح صوتها داخل رأسه فجأة سامحًا لنهرٍ من الذكريات بالتدفق إلى خلايا عقله بسرعةٍ مخيفة.
أشاح وجهه في غضبٍ ثم همهم بعد أن تذكر كل ما حصل مع وجنتين عجز عن منع احمرارهما : تبًا لهم.
تنهد بانزعاجٍ رغم كل شيء إلا أنه كان سعيدًا لأن ذلك الموقف المحرج قد انتهى، إنها الثالثة فجرًا .. ما الذي يجب أن يفعله؟
مبدئيًا قرر أن ينهض من على سريره ليتفقد الأبله وايت، لطالما عرف أنه يحارب شيئًا ما خلال نومه و دومًا ما ينتهي بغطائه المسكين مرميًا على الأرض.
عندما خرج إلى غرفة المعيشة وجده كما توقع تمامًا، انحنى ليلتقط ذلك الغطاء ثم مده عليه مرةً أخرى و هو يتمتم : أخرق.
لم يسبق له و أن سمع وايت و هو يتكلم في نومه، أنصت إلى همهمته بصوته اللا واعي : ڨيا .. أنتِ هنا.
منع نفسه من الضحك على ما سمعه، يبدو أن شيئًا ما قد استجد في حياة صديقه، في الواقع .. شيءٌ ما بدأ يستجد في حياته أيضًا لكن يصعب تحديده على وجه الدقة.
التفت إلى الطرف المقابل كي يغادر فوجد الطاولة التي تتوسط الغرفة أمامه و كذلك باقة الزهور الموجودة عليها.
لاحظ أن تلك الباقة بدأت تذبل، كان من الطبيعي أن تفعل ذلك فقد مر عليها أربعة أيامٍ على أقل تقدير.
امتدت يده لتسحب زهرة من زهور دوار الشمس التي بدت أنها ما تزال تحمل بعضًا من حيويتها ثم اتجه إلى باب منزله بلا وعيٍ منه.
وقف للحظةٍ و هو يتأمل الباب بينما يتساءل عن سبب وقوفه، ما الذي يريد أن يفعله في الثالثة صباحًا يا ترى؟
سابقًا كان إذا استيقظ باكرًا هكذا فهو يطمئن على والدته أولًا ثم ينتهي به الأمر نائمًا على أرضية غرفتها، هناك نوعٌ من المنوم في المكان و كان تفسيره الخيالي هذا يضحكها على الدوام.
ارتدى حذاءه أخيرًا ثم تسلل بهدوءٍ خارج المبنى حتى وصل إلى الشارع، خيّم الهدوء على المكان بشكلٍ مروع حيث أنه شعر بأن شيئًا ما سيقفز عليه من الظلام في أي لحظة.
أفسحت لها المجال لتدخل بينما تقول بصوتٍ دافئٍ و مُرحِّب : تفضلي بالدخول، أصبحت أتأخر عليكِ هذه الأيام فأرجو أن تعذريني .. سأعد باقة اليوم.
ولجت إيرلين إلى الداخل بكل سرورٍ و هي تتأمل الزهور من حولها، هي لم تدخل المتجر منذ أول مرةٍ دخلت فيها إليه فقد كانت لورين غالبًا ما تجلب لها الزهور إلى المتجر أو أنها ترسل أورفيوس إليها.
جلست حيث رأت كرسيين توسطتهما طاولةٌ دائريةٌ صغيرة قد وضع عليها بعض البسكويت المغطى بغلافٍ بلاستيكيٍ شفاف.
سكبت لورين بعضًا من الماء في إبريق شايها ثم وضعته على الفرن لتغلي المياه بينما تضع كوب الشاي الخاص بإريلين أمامها بالإضافة إلى ظرف الشاي نفسه.
أثناء كل ذلك كانت كيلي قد وقفت أمام السلالم و هي تستمع إلى كل ما جرى بين والدتها و تلك العجوز الطيبة، أحست بأن شيئًا ما قد تغير في نبرة صوت والدتها .. كان ذلك التغيير جيدًا بكل تأكيد.
عندما سمعت منها أن الأمور قد سارت على ما يرام فقد أيقنت بأنها اعتذرت بالنيابة عنها، و رغم ذلك أحس هي بأهمية تقديم ذلك الاعتذار بنفسها .. فقط حالما يصل برايلين!
وقفت لورين أمام منضدة زهورها بعد أن طلبت من كيلي أن تصعد لتبدل ملابسها، نطقت محاولة فتح حديثٍ ما بدلًا من هذا الصمت الذي يصعُب التحرك فيه : آمل أن كيلي لم تسبب لكِ المتاعب، أشكركِ حقًا لقبولكِ كل هذا فجأةً.
باتت إيرلين تتابع حركاتها بعينيها و هي مبهورةٌ بها، كانت تعرف أنها ماهرة حيث أنها تتأكد من ذلك مرةً بعد مرة من خلال باقات الزهور الفاتنة تلك، ردت عليها بعد هنيهة بصوتٍ هادئ و وقور : لقد كانت كيلي فتاةً مطيعةً لغاية .. أنتِ محظوظةٌ بها.
كانت كيلي قد صعدت إلى الأعلى منذ فترة كي تبدل ملابسها كما طلبت والدتها، استرقت لورين نظرةً نحو السلالم ثم عاودت النظر إلى إيرلين كي تجيبها على تعليقها السابق : نعم .. محظوظةٌ جدًا.
بوجود كيلي فقد كانت أكثر امرأةٍ محظوظةٍ رغم كل شيء، للحظ مقاييس مختلفة بين الناس .. هي اعتبرت طفلتها تميمة للحظ و القوة بينما يعتقد ذلك اللعين أن وجود ماله هو الحظ بعينه.
أما كيلي فقد كانت تقفز فرحًا في غرفتها بعد كل ما سمعته، كل شيءٍ كان يسير كما هو مخططٌ له حتى مع غلطتها الفادحة تلك.
أخذت تبدل ملابسها و هي تتذكر محادثةً كانت قد سمعتها قبل ثلاثة أسابيع من الآن!
___
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
استقبلها المدير بنظراته الغريبة من رؤيتها مرةً أخرى و ظنت أنه يعتقد أنها موجودة من أجل ريثا و بيرتا، ما زالت تشعر باشمئزازهِ منها إلا أنها تجاهلت هذه النقطة.
بعد أن رتبت حوارها بدأت حديثها بنبرةٍ لبقةٍ بعض الشيء إلا أنها لم تتجه إلى المقدمات لأنها فاشلة بها، بدأت بثبات : أعتذر عن الإزعاج سيدي لكن السيد والكر لم يحضر حتى الآن، هل هناك خطبٌ ما به؟ ربما وصلك اتصالٌ هاتفيٌ أو رسالة بشأنه؟
أدام النظر فيها لوهلةٍ ثم أشاح بوجهه عنها كي يمسد صدغيه و هو يتذكر تأخر وايت المتكرر عن العمل مؤخرًا، نطق موضحًا لها : أحيانًا يتأخر قائلًا أن لديه أسبابه الخاصة لذلك فأنا أتخطى الأمر من أجل السيدة، لكن عادةً ما يرسل جليندا لتخبرنا بأنه سيتأخر، ألم يصلكِ خبرٌ من تلك الممرضة؟
أومأت برأسها نافيةً بينما هي شاردةٌ تفكر بتعجبٍ عن حقيقة وجود ممرضةٍ تتصرف بطبيعيةٍ معه و هو الذي كان يشتكي من معاملة الممرضات المزعجة له.
أحست بأنها قد تسببت بالمتاعب لحضورها إلى هنا و إبلاغه بتأخر وايت، لم تعرف كيف تخرج من هذا الموقف الذي لا تحسد عليه.
تنهد المدير دالفون ثم قال أخيرًا و هو يبدو غير راضٍ عن ما يحدث : إنه يتأخر كثيرًا مؤخرًا لكن تركَكِ هكذا .. على أيةِ حال تستطيعين المغادرة الآن حتى يصل هو، لا تقلقي لن يكون لديكِ الكثير من العمل.
أومأت بتفهمٍ ثم خرجت من المكان و هي تتساءل عن سبب تغيبه، عندما ابتعدت عن مكتب المدير قليلًا وجدت جزءًا من مجموعة الممرضات اللاتي كُنّ موجوداتٍ في الغرفة البارحة و هن يتهامسن كما لو أنهن يردن منها أن تسمع ذلك.
- لابد أنها قامت بشيءٍ سيءٍ له.
- حسنًا هي حشرة سمراء أولًا و أخيرًا لابد أنها تمارس نوعًا من السحر.
- هل هذا يعني أننا سنُلعن بهذا السحر إن تعاملنا معها؟ أشعر بالأسى على السيد والكر لأنه سيضطر للتعامل معها.
- عزيزي وايت المسكين .. كيف سيمضي يومي بدون رؤية وجهه الفاتن يا ترى؟
أحست برغبةٍ في التقيؤ على كل ذلك الكلام المقزز و المملوء بمبالغات النساء المقرفة، هنّ يُثِرن اشمئزازها لذلك فستسعى لإغاظتهن بقدر استطاعتها إلى أن يتوقفن عن كل هذه الترهات التي لا جدوى منها.
قررت أن تمضي وقتها في جولةٍ لتفقد المرضى الذين سبق و أن رأتهم البارحة فتتأكد من أن أمورهم بخير و لتشغل عقلها قليلًا، البقاء في تلك الغرفة لفترة أطول دون فعل شيء قد يتسبب لها بالجنون.
أزمعت أيضًا على أن تؤجل كوب القهوة ذاك إلى أن يصل، لن يكون ممتعًا شربه وحيدةً بعد أن حصلت على زميلٍ جيدٍ أخيرًا.
كانت جولة مملوءة بالصمت نوعًا ما، لم تتمكن من الحديث مع المرضى كما كان يفعل وايت حيث فشلت في إدراك الطريقة الصحيحة لبدء محادثةٍ ما معهم.
بعدما أنهت جولتها و التي لم تعرف كم دامت من الوقت فقد اعتزمت على العودة إلى مكتبه مرةً أخرى و هي تأمل في أن يكون موجودًا .. إلا أنه لم يكن.
سئمت من كل هذا فجلست على كرسي مكتبه الدوار لتأخذ نصف دورة حتى تصل إلى الهاتف المجاور له.
لاحظت وجود بطاقةٍ ملصقةٍ بالقرب من الهاتف قرأت عليها :
"المنزل ١
المنزل ٢"
حيث تبِع كل عنوانٍ منهما رقم مختلف، تساءلت إن كان والداه منفصلين حتى يمتلك منزلين مختلفين.
عندما جربت أول رقم "منزل ١" فقد اتضح أنه كان لهاتفٍ قد قطعت خدمته لعدم سداد صاحبه قيمة فاتورته.
دعت الرب بأن يجيب الرقم الثاني إلا أن الهاتف قد استمر في الرنين بيأسٍ صارخًا لعل أحدهم يعفو عنه و يرفع هذه السماعة لإيقاف ذلك الضجيج، لكن هذا كان بلا فائدة أيضًا .. كيف ستصل إليه الآن؟
اقتحمت ريثا المكتب دون أن تقرع الباب مما أرعد فولڨيا، إلا أن ذلك قد أعطاها ذرة أملٍ ضئيلة ليكون الداخل هو وايت حيث أن ظهرها كان مقابلًا للباب.
لكن ذرة الأمل تلك قد تبخرت في أجزاء من الثانية و هي تتذكر أن ذلك الهادئ و المسالم لن يدخل هكذا إلى المكان حتى و إن كان مكتبه.
عندما الفتت نحو الباب فقد فوجئت بصاحبة الأعين الزرقاء الخببيثة ريثا و هي تنظر إليها بنظرة الكاسر الذي وقع على فريسته البائسة، قالت لها بخبث : يريدونكِ في مكتب المدير دالفون.
تمتمت فولڨيا متعجبةً من طريقة الحديث : يريدونني؟
ردت و هي تشدد على كلماتها : المدير و هِلاني، ثم غيرت نبرة صوتها و هي تنطق باسم صديقتها كما لو أنها ورقتها الرابحة في معركتهما المؤجلة.
ازدردت ريقها عندما تذكرت ما قاله وايت عن هِلاني تلك : إنها تزعجني كثيرًا.
حسنًا، يبدو أنها ستزعجها من الآن و صاعدًا، لم تشعر بأن القادم سيكون جيدًا، إلا أنها حملت ابتسامة تحدٍ و هي تشعر بالحماسة لما سيحدث.
نهضت من على الكرسي ثم اجتازتها خارجةً عبر الباب و هي تقول بنبرةٍ مستفزة تعمدتها : دعونا نرى ما لديكم.
___
- أنا أعدكِ.
انتفضت لورين بفزعٍ من سريرها بعد أن أحست بأن أحدهم قد همس بتلك الجملة في أذنها.
التفتت يمنةً و يسرة ثم أدركت أن لا أحد بالقرب منها، يبدو أنها بدأت تهلوس بعد كل ما مرت به ليلة البارحة.
اتكأ بيدهِ على ذراع الكرسي بينما يحاول أن يحزر هذا الأمر المثير ليقول بعدها بتساؤلٍ ماكر : آمل أنه يستحق اللهفة التي أظرهتها كارلو، هذا ليس من عادتك.
انحنى قليلًا بالقرب من سيدهِ كدلالةٍ على اعتذراهِ ثم تابع و أعينه الزرقاء تقدح بما لا يريح : تلك الحقيرة تكون زوجة ذلك اللعين سيدي.
همهم متعجبًا من تلك الحقيقة : جرايدُن؟
لم يكن ما سمعه أمرًا قابلًا للتصديق من الوهلة الأولى، فذلك المتعجرف لن يقلل من قيمة نفسه ليسكن في حيٍ بسيطٍ كهذا .. لابد أن هناك تتمةً للقصة.
التفت نحوه باهتمامٍ كإشارة لرغبته في معرفة المزيد، تابع الرجل بعد أن أحس بالفرحة لجذبه انتباه سيده الموقر : أو لأكون أكثر دقة .. زوجته السابقة، لديها ابنةٌ أيضًا.
تذكر رؤيتهُ لطفلةٍ صغيرة خلال مرات تردادهِ المعدودة على ذلك المكان حيث كانت تلك السيدة تبقيها بعيدةً قدر المستطاع عنها عندما يصلون إلى المكان.
تمتم بدهاءٍ و هو يتذكر تفاصيل وجه تلك السيدة العنيدة : ستكون ورقةً رابحةً إن أردنا الانتقام من ذلك اللعين جرايدُن، إنه يزعج أعمالنا منذ فترة طويلة.
تحمس ذلك الواقف لكلام سيدهِ فسأل بلهفة : ما الذي تريد منا فعله سيدي؟ يمكننا تدمير ذلك المتجر خلال دقائق قليلة بإشارةٍ منك، لا حاجة لجمع رجالٍ آخرين من المنطقة فالموجودون كافون .. إنه متجرٌ غبي.
أشار إلى ذلك الذي كان واقفًا أمامه منذ فترة لينصرف بينما نهض من على كرسيه.
وقف أمام مجموعةٍ من الجثث المكدسة تحت ضوء القمر ثم تأمل تلك الوجوه الشاخصة للحظة و قال باتزان محاولًا منع نوبة جنونٍ كانت قد حاولت مباغتته قبل لحظة : أقدر حماسك كارلو فأنت تذكرني بنفسي، إلا أنني سأكون صبورًا قليلًا من أجل تسديد ضربة قاضية و أكثر إيلامًا مما تتصور.
تابع حديثه بعد أن أشعل عود ثقابٍ كان قد أخرجه قبل لحظات ثم رماه على تلك الكومة : بدأت الرائحة تصبح مزعجة، إنهم عفنون كسيدهم ،كان بإمكاننا العبث معهم أكثر لكن ذلك الأحمق جرايدُن يرسل الضعفاء على الدوام.
أخذ يراقب ألسنة اللهب و هي تتفشى في تلك الأجساد الهالكة رويدًا رويدًا و هو يحمل على وجهه ابتسامةً كانت لتخيف الشيطان بحد ذاته، همس أخيرًا : خروجها من تحت سلطته يعني شيئًا واحدًا .. تلك السيدة مجنونة .. مجنونة بطريقة تعجبني.
___
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
فشلت في استحضار النوم بعد أن كانت متعبةً في السابق بسبب يومها الطويل و الممتع، كل تلك السعادة التي حصدتها في هذا اليوم المميز قد انهارت في لحظةٍ عندما سمعت منهما عن طريق الصدفة بأن والدة برايلين متوفاة!
أخفقت في إمساك دموعها و منعها من الانسياب على خطئها المشين، لابد أنه تألم للغايةِ بسبب كلامها ذاك .. لقد تحدثت عنها كما لو أنها حية معه الآن، بالتأكيد هي ذكرته بها و هو يفتقدها الآن أكثر من ذي قبل.
ما الذي قد يحدث لها لو أنها كانت في موقفه نفسه؟ كانت لتنهار باكيةً على أقل تقدير .. مجرد تخيل الأمر يجعل قلبها يرتجف خوفًا فكيف ستتصرف إن كان حقيقيًا؟
لابد أن برايلين كان يشعر بالأسى و هي زادته بكلامها اللامبالي ذاك .. لكن كيف لها أن تنسى ذلك و هي قد حضرت تلك الجنازة مع والدتها؟ ولمَ لم تربطهما سويًا حتى و إن لم تعرف اسم عائلته؟ كيف نسيت تلك المحادثة الواضحة مثل الشمس؟ أرادت ضرب نفسها للحظةٍ على هذه الغلطة الفادحة.
نعتت نفسها بالغبية بينما تشعر بألمٍ عظيمٍ يجتاح قلبها، لقد فعل لها كل تلك الأشياء الجيدة بينما هي قامت بغرسِ سكينٍ حاد داخل جرحه الذي كان على الأرجح على وشك أن يشفى.
عرفت سبب ثقل الجو بعد كلماتها تلك و أحست بذنبٍ أكبر، أدركت أيضًا أن والدتها قد عجزت عن تصحيح خطئها في ذلك الحين .. كان ذلك سيزيد الطين بلةً على أيةِ حال.
ترى هل هو بخيرٍ الآن؟ أسيكون كذلك؟ لقد سمعت أن والدتها ذاهبةٌ إليه لذا لابد أنها قد انطلقت لتعتذر أو شيء من هذا القبيل .. لطالما كانت والدتها موجودةً لتصحح ما تفعله بحماقتها المعتادة.
كانت خائفةً من ألا يأتيَ الغد حتى تعتذر له بنفسها، لوهلةٍ بدا النوم في تلك اللحظة مخيفًا إلى حد الموت.
لم تعتقد أن دموعها ستسمح لها بذلك على أية حال، يبدو أنها لن تنال نومًا هانئًا لليلةٍ أخرى.
___
دخلت إلى المتجر بتوانٍ بعد أن أقلّها وايت و برايلين إليه، لم تعلم سبب تملُّك النعاس لها خلال تلك الفترة القصيرة في حين أنها تعجز عن النوم في منزلها في بعض الأحيان.
قررت ألا تشعل أنوار الطابق الأرضي بل اعتمدت على نور الممر الصادر من الطابق العلوي و الذي كان يتسرب بوفرةٍ إلى الأسفل معطيًا إياها المقدرة على إبصار ما حولها بشكلٍ مقبول.
صعدت السلالم بتثاقلٍ بينما تتساءل عن ما سيفلعه أولئك الاثنان الآن، ما الذي كانت ستفعله هي بدورها يا ترى؟ عقلها كان يكافح شيئًا ما جعله مرهقًا للغاية إلا أنها لم تتمكن من إدراك ماهيته.
همهمت لنفسها بعد أن وصلت إلى الدور العلوي : يبدو أن هذا هو النعاس و حسب، أمِلت ذلك للحظة إلا أن قلبها قد نُخِز بسبب شيءٍ مجهول آخر .. هل هذه طريقته في إخبارها أن ذلك ليس نعاسًا سخيفًا؟
سارت حتى وصلت إلى غرفة كيلي ليطمئن قلبها برؤيتها قبل نومها كما هي معتادة لتتفاجأ بأن الغرفة خالية مما أرعد فرائصها للحظة!
لاحظت وجود ورقة ملاحظات قد عُلِقت على الباب فأمسكت بها لتقرأ بيدين مرتجفتين :
" كيلي ما تزال في منزل السيدة إيرلين لذلك لا تهلعي يا أنا .. يبدو أنكِ غير واعيةٍ تمامًا بما أنكِ نسيتِ ذلك، هل كانت تلك الليلة جيدةً إلى هذا الحد؟ من الجيد أنني عبقرية و فكرت في ترك هذه الملاحظة، علينا أن نجد حلًا لهذا النسيان في وقتٍ لاحق "
أطلقت ضحكةً خفيفةً على تلك المحادثة البسيطة و السخيفة في الآن نفسه ثم تذكرت أنها كتبتها قبل مغادرتها، تلك ليست مرتها الأولى في ترك ملاحظةٍ كهذه قبل مغادرتها للمنزل، لسببٍ ما تتوه ذكرياتها عندما تخرج من المنزل خصوصًا و أن الوقت قد تأخر.
دخلت إلى غرفتها ثم استبدلت ملابسها ببيجامة نومٍ زرقاء بسيطة، أخرجت خصل شعرها المنسدلة من تحت قبّتها لتحرك رقبتها بأريحية.
جلست على كرسيٍ صغيرٍ كان موجودًا أمام تسريحتها الخاصة التي حملت مرآةً فوقها، نظرت إلى نفسها للحظةٍ كما لو أنها لم ترها لفترةٍ طويلة.
بعض الهالات السوداء قد تشكلت تحت عينيها أو هكذا خُيِّل لها، إلا أن بشرتها كانت شاحبة بشكل لم تعتَده، شعرها غير كثيفٍ كما كان سابقًا .. أحست بأنها قبيحة بشكلٍ لم تتصوره من قبل.
حرّكت عينيها قليلًا و هي تشعر بالانزعاج دون أن تفهم تصرفاتها السابقة، وقعت أنظارها على المنضدة أمامها فرأت تلك الصور التي التقطتها معهما قبل عدة ساعات.
كانت صورتها مع كيلي قد علَت تلك التي احتوت برايلين فيها، مدت يدها بترددٍ ثم حركت الصورة من فوقها لتظهر صورتهم معًا.
بدت الصورة أجمل مما كانت تتذكره حتى و لكنها دفعت دموعها للاحتشاد دون سببٍ منطقي، شيءٌ ما يتعارك مع كل شيءٍ فيها مسببًا فوضى غير مسبوقة لنبضات قلبها البائسة، تمتمت أخيرًا محدثةً نفسها : ما الذي يحدث معكِ؟
فجأةً باتت تتذكر ما حدث البارحة و من ثم ما حدث اليوم، يومان متناقضان بشكلٍ كلي للغاية.
أراد لكل تلك السخرية أن توقظه بشكلٍ خفيف، رويدًا رويدًا أخذ بريلين يفتح عينيهِ على كل ذلك الإزعاج، ألقى بنظرةٍ سريعةٍ على المكان من حوله ثم تمتم : هل تختطفونني أم ماذا؟
ساعده وايت على الاعتدال قليلًا بينما يرد على سؤاله الأخرق : من يريد أن يختطف شخصًا مفلسًا مثلك؟ و مديونًا أيضًا؟ لربما يضعونك بين يدَي دائنيك.
بدأ في استيعاب ما يحدث حوله بشكلٍ أكبر بعد كل ما سمعه، نظر إلى وايت بأعينٍ شبه مفتوحة و هو ينطق هازئًا : هل بدأت تطور حس دعابتك من وراء ظهري أم ماذا؟
لاحظ وايت أن السائق قد اقترب من المبنى الذي يحوي شقة برايلين في داخله فأمره بالتوقف ثم قال لصديقه و هو يفتح الباب : هيا انزل و حسب قبل أن أريك ما كنت أطوره فعلًا.
دفع وايت مستحقات السائق ثم سار نحو المبنى و هو يراقب خطوات برايلين غير المتزنة، بدا متعبًا أكثر من أي وقتٍ مضى فتساءل عن كل ما قام به اليوم، على ما يبدو فإنه لم يكن الوحيد الذي عانى من يومٍ طويلٍ و صعب.
وصلا إلى الطابق الأول حيث تقبع شقته ثم فتح وايت الباب لأنه أدرك أن برايلين بالكاد كان واقفًا على قدميه.
دخل برايلين مباشرةً متجهًا إلى سريرهِ دون أن ينطق بأي شيء ثم ألقى بجسده المنهك عليه، اعتقد أنه لن يصل إلى ذلك المكان أبدًا.
كان واقفًا على قدميه أغلب الوقت و لم يكن ذلك يتعبه إلى هذا الحد لكنه و فورما جلس في تلك العربة فقد شعر بأمواج الإرهاق تتدفق داخل أنحاء جسده.
لحقه وايت و هو يحاول أن يحزر نوع المجهود الذي قام به هذا المجنون القابع أمامه، هل كان مُرهِقًا أكثر من أعماله السابقة مجتمعة؟
دخل إلى الغرفة من بعده ثم ألقى عليه غطاءً و هو يسأل بتعجب : هل شققت نفقًا في جبلٍ أم ماذا؟
سؤاله ذاك جعله يعيد تذكر كل ما فعله حيث كاد أن ينسى ما حدث فعلًا لطول هذا اليوم.
أعاد ترتيب المنزل صباحًا كما أنه ساعد لورين في تنظيف المتجر و إعادتهِ إلى ما كان عليه سابقًا.
بذل مجهودًا كبيرًا في الحديقة مع كيلي و كل الألعاب التي قام بها معها رغم بساطتها بالإضافة إلى حاجته الدائمة لإبقاء صوته مبتهجًا قدر المستطاع.
عمل في الحانة حتى وقتٍ متأخرٍ كعادته و تلك الرقصة التي استنزفت ما تبقى من طاقته بشكلٍ لم يتصوره، كما أنه لا يستطيع أن ينسى المرار الذي خلّفهُ طعم الشراب القذر ذاك.
لم تحدث أمورٌ كهذه قبل أسبوعٍ من الآن، بل و حتى قبل شهور .. منذ أن توفيت والدته .. منذ أن عرف حقيقة تلك الزهور، لمَ كل تلك الأشياء تبدو مترابطةً إلا أنها عكس ذلك تمامًا؟
لم يكن بالإمكان التكهن بذهابهِ إلى لورين أو حتى بقائه معها لفترة من الزمن، هو نفسه لم يخطر على باله أمرٌ كهذا.
تكدست الأفكار فوق رأسه متناسيًا أمر وايت الذي كان واقفًا ينتظر إجابة ما، إلا أن ذلك الواقف قد عرف أن ما مر به أكثر من أن يضعه في كلمات .. و لو فكر في الأمر فإن صياغة يومه بالكلمات لن تكون سهلة هي الأخرى.
أفترت شفتاه عن ابتسامةٍ لم يلمحها ذلك الممدد ثم نطق مودعًا : أحلامًا سعيدةً أيها الأمير.
َود لو أنه يلقي بشيءٍ ما على وايت إلا أنه فشل في جمع الطاقة الكافية لفعل ذلك، اكتفى بتنهيدةٍ سريعة قبل أن يعاود النوم اختطاف وعيه إلى عالم لم يدرك أبعاده بعد.
أراد وايت أن يحدث برايلين عن كل ما مر به في يومه إلا أن رؤيته مرهقًا بهذا الشكل دفعته لتركه ينال قسطًا من الراحة، لم يعلم أن برايلين كان يتوق للحديث معه هو الآخر لولا الإرهاق الذي ألم به فجأة.
تشابكت مشاعرهما دون أن يدريا بذلك و حملا أفكارًا مؤرقة كانت تراودهما للمرة الأولى في حياتيهما!
____
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
📚شطر من نور📚
الفصل ( الثاني والخمسون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- ما الذي يفعله أولئك المجانين حتى هذه الساعة؟
تمتم وايت بتلك الجملة بعد أن وقعت عيناه على أبواب حانة روبرت التي كانت موجودةً في الطرف المقابل للرصيف الواقف عليه.
بالإضافة إلى أعمدة إنارة الشارع فقد كان المكان الوحيد الذي ما يزال مفتوحًا رغم هذه الساعة المتأخرة.
اجتاز الطريق بعدما تأكد من خلوّه من العربات، مع كل خطوة كان يقترب فيها من المكان كانت الضوضاء تعلو أكثر و أكثر فتساءل عن سبب هذه الضجة غير المعهودة.
وقف أمام أبواب المكان و هو يلمح ظلالهم الكثيرة من خلال ذلك الزجاج المموّه، هل هناك احتفالٌ من نوعٍ ما؟
دفع الباب فاقتحمت الضوضاء أذنيهِ دون إذنٍ حتى مما دفعه لإغماض عينيه لأجزاء من الثانية.
رفع رأسه ليرى سبب تجمعهم على شكل دائرةٍ فوجد برايلين و لورين و هما يحظيان برقصةٍ سيئة جدًا استنادًا إلى مهارات برايلين في الرقص، من الواضح أنها كانت تجاريه كشفقةٍ على حال صديقه.
ترى ما الذي دفعهما لفعل هذا في المقام الأول؟ رنّ ذلك السؤال في ذهنه حيث كان هو أكثر من يعرف بتحفّظ صديقه العنيد.
منع نفسه من الضحك على حال برايلين كي لا يفسد هذه اللقطة النادرة، و تمنى للحظة لو أنه كان يحمل أي شيءٍ قد يُوثّق هذا الحدث.
بعد هنيهةٍ تذكر ما أحس به خلال اليومين المنصرمين تجاه تلك السيدة، هل أحس بأنه أحبها؟ ربما، لكن هل أحس بأنه يحبهما سويةً؟ كان ذلك سؤالًا لا يحتمل سوى إجابة واحدة مفادها الإيجاب.
و رغم أنها بدت معلقةً مع شخصٍ آخر إلا أن لديها ابتسامةً لطيفةً و كان عليه الاعتراف بذلك، لسببٍ ما خُيِّل له أن فولڨيا تقف في الطرف الآخر من ذلك الحشد و هي تراقبه .. تلك الشابة التي قررت أن تمكث معه رغم محاولة أولئك الحمقاوات لإيذائها بسببه.
في الغالب كان يمكن لها أن تغضب و تطلب منهم نقلها إلى مكانٍ آخر بعيدًا عن تلك المهزلة الجنونية، شك في قدراتها العقلية للحظة إلا أن قرارها في البقاء قد فرض عليه رسم ابتسامةٍ لا إرادية على تصرفها الجريء ذاك.
تلاشى خيال تلك السمراء الفاتنة من أمام عينيه كما لو أنه قد أنجز مهمته بتذكريهِ بها، يبدو أنها استحلت جزءًا أكبر من أن يتوقعه داخل قلبه بفعلها ذاك.
لحظةً بعد أخرى كان يدرك ماهية ما أحس به تجاه لورين، مجرد لحظةٍ جوفاء كان فيها على حافة الانهيار بعد أن سئم من كل ما يصيبه في المستشفى .. يبدو أن عقله البائس بات يعتقد أن أي تصرف لطيف يبدو كدلالةٍ على الحب، و لم تخرج الابتسامة من دائرة تلك الظنون الحمقاء.
تناسى أمر كل تلك الأفكار بعد أن حل عقدتها التي كانت تؤرقه ليركز على ما يحدث أمامه، من حسن حظه أن برايلين كان قد وضع الباب خلف ظهره خلال حركاته مما منعه من أن يكتشف أمره بسرعة، إلا أن ذلك الأخير سرعان ما ارتكب خطأً دفعه للابتعاد عن لورين فجأةً ثم بدأ يستدير من حوله و هو يحملق في الناس دون سببٍ وجيه حتى رآه.
جمد جسدهُ للحظةٍ عندما رأى وايت ينظر إليه، كان مرتكزًا بجسدهِ على طرف الباب و هو يحمل على وجهه ابتسامة غريبة إلا أنها لم تكن توحي بالسخرية .. بدا كما لو أنه يرى حلمًا أو شيئًا من هذا القبيل.
لاحظ روبرت جمود برايلين فصفق بديهِ معلنًا نهاية ما بدأه و هو ينطق شاكرًا الموجودين : شكرًا لكم .. تمنوا لهذا الثنائي السعادة من فضلكم.
انفض تجمعهم الصغير و عاد أغلبهم إلى ما كانوا يفعلونه، و فورما رأى برايلين أن الطريق سالكٌ نحو روبرت فهو لم يفوت فرصة الاقتراب منه و تسديد لكمة إلى ابتسامته المستفزة، تكلم و هو يحرك أصابعه في الهواء لإراحتها بعد كل ذلك : لا تربط الأمور من رأسك .. كم مرةً يجب أن أكرر هذا؟
تمتم روبرت و هو يضع يده على وجهه ليتحسس مكان اللكمة و هو يقول : حسنًا حسنًا .. لا أصدق أن هذا الجسد الهزيل يضرب جيدًا .. ابنكِ مخيفٌ للغاية نايلي، نطق جملته الأخيرة بعد أن نظر إلى السقف للحظةٍ.
أطلق برايلين تنهيدةً سريعة ثم أشاح بوجهه عنه، إنه معتوهٌ و سيتسبب بمقتل نفسه على يديه ذات يومٍ لشدة غبائه.
لاحظ روبرت أن وايت كان يقترب منهم فالتفّ منسحبًا إلى أصدقائه بينما يقول و هو يلوح بيده من خلفه : هيا عد أيها الأمير.
كانت لورين تراقب كل ذلك في صمتٍ مع ابتسامةٍ خفيفة على محياها، شعرت بأن روبرت يسعى لحفر قبره بنفسه في كل مرة يحاول فيها استفزاز برايلين الذي لا يتوانى عن الرد عليه.
سمعت صوت تصفيقٍ من خلفها فالتفتت نحو مصدره لترى الطبيب صديق برايلين و هو يحمل على وجهه نظرات السخرية، نطق هازئًا : روميو و جولييت، كان هذا عملًا عظيمًا.
رمقه برايلين بنظرات انزعاجٍ و هو يتذكر الدقائق القليلة المنصرمة ثم تمتم ساخطًا : صدقني لست في حاجةٍ لسخرياتك.
أخذت تعتذر بأدبها المعتاد و هي تحرك رأسها لتنقل أسفها الشديد عن عدم قدرتها على المكوث لوقتٍ أطول.
استشاط برايلين غضبًا من ذلك التصرف الطفولي الذي قام به روبرت، لو أن تلك الحمقاء استجابت له منذ البداية لما حدث كل هذا أيضًا!
خرج من خلف مرمر المشرب و اتجه نحوه و هو يحمل نية لضربه بشكلٍ يخفف حرارة الدم في عروقه وسط تهليلات أولئك السُّذج ليستحثوه على فعل ما اقترحه ذلك المجنون، كان واثقًا من حقيقة كونهم غير مدركين لكل ما يحدث بل يتبعون كلمات روبرت الحمقاء!
لم يكن وقتًا مناسبًا لهذا العبث! لقد وضعه في موقفٍ محرجٍ مع هذهِ السيدة التي أتت إلى هنا بسببه و هو بالكاد يعرفها، تمتم ساخطًا : تبًا له!
كان تقدُّم أولئك الرجال نحو لورين قد دفعها إلى أن تتراجع مبتعدةً عنهم ساعين بذلك إلى اجترارها إلى منتصف الحانة التي كان يسير إليها برايلين.
أحاطهم الجميع ثم باتوا يهتفون محاولين إقناعهما : هيا .. هيا .. هيا!
نظرا إلى بعضهما ثم أشاح كل واحدٍ منهما بوجهه عن الآخر في هذا الموقف الغريب و المحرج، أخيرًا تمتم برايلين بحنقٍ و هو يشد زمام قبضته : سأوسعهم ضربًا و ننتهي من هذا الأمر السخيف.
كانت وجنتا لورين قد اصطبغتا بالكثير من الحمرة جراء غرابة الموقف، هي لم تخطط لأن يحدث كل هذا عندما قررت الزيارة، و في الوقت نفسه فقد كانت تتساءل .. لربما مجرد رقصةٍ صغيرة لن تضر؟
تمتمت محاولةً تهدئته و إيصال فكرتها تلك رغم شعورها بأنه سيرفضها دون أن يفكر حتى : ألا تظن أن علينا مجاراتهم و حسب؟ هم بُلهاء و سنستطيع خداعهم و هم في هذه الحالة.
أجابها و علامات الرفض القاطع قد توسدت وجهه بينما يحاول ألا يأبه بهتافهم المزعج : لا أهتم لما ...
ثم شعر بها تندفع إليه فجأةً جراء دفع أحدهم لها من خلفها!
زجرهم غاضبًا بعد أن اصطدمت بصدره : أيها اللعناء ...
كانت لورين قد بقيت بقربهِ لعدة لحظاتٍ حتى أدرك المسافة بينهما، أمسك أكتافها ليبعدها عنه ظنًا منه أن شيئًا ما أصابها إلا أنه وجد عينيها تحملان لمعة الدموع فجأةً دون أن يفهم سبب ذلك.
سألها متفاجئًا و قلقًا في الوقت نفسه : ما الأمر .. هل آلمتك تلك الدفعة أم ماذا؟
ابتعدت قليلًا و هي تتحدث باضطرابٍ قد تجلى في ملامحها : كلا .. لا أعلم .. لربما هذا تأثير ما جعلتني أشربه.
لم يكن ما أعطاها إياه شيئًا يذكر مع تلك الكمية الضئيلة التي أجبرها على تناولها، هل تعاني من حساسية تجاه شيءٍ ما؟ أو أن لديها مرضًا قد أخفته طوال الوقت؟ من الصعب تحديد أي شيءٍ من خلال سحنة وجهها المثيرة للقلق.
تمتمت بعد أن أطرقت برأسها في الأرض قبل دقيقةٍ و هي تفكر : و لربما ما سأفعلهُ تاليًا قد يكون بسببهِ أيضًا؟
أمسكت يده اليمنى بيسراها ثم وضعت يدها الأخرى على كتفهِ و هي تقول ببعض الحزم : هيا جارِني في هذا.
صرخ عقله للحظةٍ و هو يحدق مشدوهًا فيها : هل تخطط هذهِ المجنونة للرقص و إذلال نفسها علنًا؟!
أراد أن يبتعد عنها إلا أنها قد زادت من قوة قبضتها على يده بمقدارٍ ضئيل ليعلم أنها تريد منه الاستمرار بهذا، همست له لتطمئنه بعد أن أحست بأنهم باتوا يهدؤون : سينسَون كل هذا بكل تأكيد، إن استثنينا روبرت.
استرق نظرةً إلى روبرت ليشعر بأنه الوحيد الواعي من بين مجموعة السكارى تلك و هو يبدو مستمتعًا حقًا بما يشاهده، أطبق أسنانه في غضبٍ و عاود النظر إليها.
بالكاد تمكن من مجاراةِ حركاتها فهو أكثر من يعلم بمهاراتهِ المنعدمة في الرقص، شعر بأن الإيقاع الهادئ لهذه الأغنية قد قدم له بعض العون في حركاته بعد أن أشفق على حاله.
ما هذا الجنون الذي أقدم على فعلهِ في هذهِ اللحظة؟ كيف حصل كل هذا فجأةً؟ لمَ هو يتماشى مع كل هذا فقط في حين أنه يستطيع إيساعهم ضربًا و حسب؟ هي أرادت أن تسلك الطريق السهل بدلًا من إرهاقه أم ماذا؟ ما خطبها؟
هدأت هتافات الجمهور أكثر عندما رأوهم قد استجابوا لهم حيث بدؤوا يتهامسون فيما بينهم عن جمال هذا الثنائي.
أدرك أن يده الأخرى كانت حرةً بشكلٍ خاطئ فجعلها تستقر على كتفها الأيمن كما كانت يدها الأخرى، تمتمت هي بعدما رسمت ابتسامة لم يفهمها على فعله ذاك : ألا تعلم أين يجب أن تكون هذهِ اليد؟
مرر عينيهِ عليها و هو يتمتم ساخطًا : فقط دعينا ننتهي من هذا، ثم أخذ ينظر إلى ما فوقها لقِصَر قامتها مقارنةً به، أو لأنه أراد أن يتجنب أي اتصال أعينٍ قد يقومان به .. لم يتمكن من تحديد موقفه في تلك اللحظة.
أحس بأنها سحبت نفسًا عميقًا و كأنها تستعد لأداء مهمة تحتاج الكثير من العزم، حركت يدها من أعلى كتفهِ لتضعها على خصرهِ فجأةً فسرت القشعريرة في جسده لهذا الفعل الغريب!
هتف الموجودون محتجين على ما حصل قبل لحظات :
- أيها الأحمق تبادلا الأدوار.
- ألم ترى هذا في التلفاز أم ماذا؟
برزت عيناها الذهبيتان بعد أن فتحت جفنيها على مصراعيهما، اعتقد للحظةٍ أنها اختزلت نور الشمس داخل محجريها فأشاح بوجهه قبل أن يطيل التحديق كما كانت تفعل هي.
أطلق همهماتٍ متذمرة عندما أحس بأنها لن تنصت له مهما حاول و نطق بلا مبالاة بعدها : افعلي ما تشائين.
لم تتمكن من منع نفسها من إطلاق ضحكةٍ صغيرةٍ على منظره الذي بدا طفوليًا بالنسبةِ لها رغم جديتهِ التامة.
انقضت دقائق قليلةٌ أخرى حتى عاد روبرت مع الطبق الذي حضره و هو ينطق بفخر : هذا أفضل طبقٍ تقدمه حانتنا .. اطلبي ما تشائين آنستي فكل شيءٍ على حساب هذا الشاب، ثم ضرب كتفه بعدما أتم جملته لتعزيزها.
التفت برايلين إليه حيث تبدلت ملامح وجهه إلى الانزعاج ثم حدثه قائلًا : لا دخل لي في كل هذا، ليس و كأنني أحتاج إلى أي مصاريف إضافية.
أخذت لورين لقمةً من طبقها بشوكتها و هي تراقبهما ثم أحست بنكهةٍ لذيذةٍ تدغدغ حلمات تذوقها، نطقت شاكرةً كما لو أنها لم تسمع كل ما قاله : إنه حقًا لذيذ، شكرًا لك على هذا الاختيار سيدي.
عندما أدرك عقلها ما قاله برايلين تساءلت عن سبب قوله لذلك فقررت أن تستفسر قائلةً : و لمَ؟ هل أحوالك المادية ليست جيدة؟
أخذ روبرت يفرك رأسه و هو يقول موضحًا لها : يبدو أنه لم يخبركِ، لكن هذا الشقي يدينُ بمبلغٍ لم يعلموني إياه في المدرسة لذلك الرجل المدعو بجرايدُن.
شَرِقت لورين عندما سمعت الاسم فتأكد برايلين من شكوكه بعد ردة الفعل تلك، هي زوجته .. أو كانت كذلك على أقل تقدير.
تساءل عن حجم الشجاعة التي احتاجتها لتتخطى ذلك الرجل المخيف كما عُرِف عنه، في تلك اللحظة لم تبدُ له كامرأةٍ بلهاء تفعل ما يحلو لها .. بل شيئًا أكبر من ذلك كان يصعب عليه إيجاد اسم له.
بدأت تسعل قليلًا جراء تلك اللقمة التي التصقت في حلقها بشكلٍ مزعج فقدّم لها كوبًا من الماء بينما ينطق بنبرةٍ غريبةٍ اعتقدت بسببها أنه كشف سرها : ما الأمر؟ يبدو كما لو أنكِ رأيتِ الشيطان للتو.
نظرت إلى يدهِ التي حملت الكأس لبرهةٍ ثم رفعت بصرها نحو برايلين حيث اكتست نظراته ببرودٍ غريبٍ لم تألفه سابقًا مع ابتسامة غريبة عجزت عن فهم مغزاها.
أخذت الكأس منه ثم تمتمت بتلعثمٍ لم تدرك سببه : شكرًا.
شعر روبرت بأن الجو قد توتر فجأةً لذكره اسم جرايدُن، هل تسرّع بقوله لكل ذاك أم ماذا؟
قرر الانسحاب كي يعطيهما بعض الوقت ليتحدثا بحريةٍ أكبر فقال مودعًا : استمتعا بليلتكما.
رد برايلين ساخطًا عندما أحس بأن روبرت يرسم أمورًا خياليةً لا أصل لها داخل جمجمته : لا تربط الأمور من رأسك، هل ترغب في المكوث في المستشفى؟
بعد ذلك باتت لورين تأكل طبقها و هي ناكسة الرأس محاولةً الاتقاء من زوبعة الأفكار التي كانت تتسارع داخل رأسها، برايلين له علاقةٌ بجرايدُن و كان هذا ما لا تريده!
تساءلت كيف ستكون ردة فعلهِ عندما يعرف أنها زوجته .. زوجها اللعين كما تصفهُ معروفٌ بابتزازهِ المستمر للدائنين منه .. ربطت تلك الكدمات التي رأتها على وجهه في أول يومٍ رأته فيه إلى عصابة جرايدُن اللعينة .. ليس و كأن المكان ينقصه عصاباتٌ في المكان حتى.
هل كان يحتاج إلى هذا بعد وفاة والدته؟ أحست بأن نصف ثقل العالم قد وضع على كاهليه .. هل ستُنصِفه الحياة في نهاية المطاف؟
بعد أن أنهت طبقها باتت تراقب برايلين و هو يتحرك برشاقةٍ من طاولةٍ إلى أخرى، هل كانت تبالغ في تأملها أم أن هناك شيئًا ما بعينيها؟
بعد أن عاود الوقوف أمامها دفعت الصحن الفارغ إليه و هي تقول : شكرًا على هذهِ الوجبة .. هلّا جلبت لي كأسًا من الشراب؟
رمقها بنظراتٍ ساخطة ثم زجرها قائلًا : لا يوجد لدي ما تشربينه، اخرجي من هنا.
أخذ الصحن من أمامها ثم غسلهُ و أعادهُ إلى مكانهِ فيما تزال جالسةً تلاحقه بنظراتها كطفلةٍ فضوليةٍ و عنيدة، كلما مكثت هنا أكثر كان ذلك أسوأ فالوقت يتأخر أكثر، أخيرًا قرر أن يسألها باستسلامٍ رغم الحنق المختبئ بين طيات كلماته : ما الذي تريدينه بحق الإله كي تغادري هذا المكان اللعين؟!
ارتسمت ابتسامةُ ثقةٍ على شفتيها لم ترق له، تمتمت كما لو أنها السيدة الشريرة التي تتفاوض مع البطل في قصةِ غموض : كأسا شراب .. لك و لي.
__
ماذا تتوقعون هدف لورين من هذه الحركات ؟؟ وهل سيتجاوب معها برايلين؟؟
شاركونا توقعاتكم لأحداث الفصل القادم🌹🔥
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
التفت إلى ذلك الرجل الذي أظهر ملامح الخوف على الفور بعد أن رأى سيده غاضبًا بسبب تلك المقاطعة.
أفلت يدها بعنفٍ فسحبتها سريعًا، أخذت تحاول مسحها بيدها الأخرى لتخفف عنها هول الألم الذي أحست به خلال تلك الثواني المعدودة.
عاد أدراجه مع رجاله ثم فتح الباب و التفت إليها لينطق محذرًا إياها بخبث : ما زلت بانتظار مال التأمين أيتها الفاتنة!
___
عاودت النظر إلى يدها اليمنى ثم ضمتها إلى صدرها لتهدئ نفسها، فكرت في أهمية عدم اقحام برايلين في كل هذا .. اعتقدت أن لديهِ ما يكفيه بالفعل.
توسلت إلى الرب أن لا يتورط في أيٍ من مشاكلها المستقبلية، لا يجب على الأبرياء أن يتأذوا بسببها.!
____
- أولئك اللعناء!
تمتم برايلين بسخطٍ لم يستطع إخفاءهُ و هو يسير متوجهًا إلى الحانة كما هو مفترضٍ منه.
توقع أن الرجال الذين أوقفهم وايت من قبل هم وراء تلك الكدمة على يدها، سبق و أن مزقوا بعضًا من خصل شعرها أما زوجها فلم يلمسها حتى حين سمحت له الفرصة بذلك.
إنهم يستبدونها لحقيقة عدم وجود رجلٍ يوقفهم عند حدهم، و زوجها اللعين الذي من المفترض أن يحميها يحاول إيذاءها بطرقٍ أبشع حتى .. ما الذي حل بهذا العالم يا قوم؟
الأمور تسير بطريقةٍ خاطئة و هو يكرهُ هذهِ الحقيقة التي لا سيطرة له عليها.
لربما كان هذا سببه في اعتزال الناس في المقام الأول؟ الأشياء السيئة تحدث و لا أحد يصححها .. لذلك فمن الأفضل عدم رؤية الناس و أفعالهم الخاطئة.
أخيرًا وصل إلى الحانةِ في موعده المحدد حيث أن الشمس قد تلاشت خلف ستارٍ من الليل القاتم.
دخل إلى المكان ليجد روبرت قد بدأ بالشرب بالفعل قبل أن يصل، نظر الآخر نحوه ثم حياه بحبور : أهلًا أهلًا بالبطل المغوار.
سبق و أن حدّثه وايت عن ما حصل معه لأن برايلين قد تغيب ليلة البارحة عن المكان بسبب كل ما أصاب وجهه، أسعدته رؤية برايلين بصحةٍ و عافيةٍ رغم الضمادات التي أحاطت بعضًا من أجزاء جسده.
سحب مئزرهُ من على الشماعة متجاهلًا النظر إليه فيما نطق ببعض الحنق : كرر هذا مرةً أخرى و سأتأكد من أن تفقد أحد أسنانك، لا تزعجني من فضلك.
سخر روبرت من الانزعاج الذي بدا جليًا على وجهه بقوله و هو يعتدل في جلسته : انظروا انظروا إلى برايلين الصغير و هو يهدد عمه الشرير .. هذا سيء سيء.
تكراره للكلمات بطريقةٍ لا منطقية قد استفزهُ بعض الشيء لكنه فضل الصمت على إظهار ذلك كي لا يستغل الأمر ضده.
وقف أمام حوض الغسيل حيث وجد أن الصحون كانت بانتظاره كالعادة ليغسلها و يعيدها لرونقها الذي كانت عليه سابقًا.
أنهى ذلك بسرعةٍ و بشكلٍ غير متوقع ثم أخذ يلبي طلبات الزبائن الذين بدوا أكثر من العادة اليوم.
الوقت ينقضي ببطءٍ شديد لسببٍ يجهله، أراد أن يتحدث مع وايت ليفرج عن البعض من أفكاره المزعجة إلا أن فعل ذلك بدا أمرًا مستبعدًا في الوقت الراهن.
اقتربت الساعة من الثانية عشرة و ما يزال المكان مكتظًا بالمجانين كما يسميهم، و رغم كل شيء فقد كان سعيدًا بأن وقت عمله قد شارف على الانتهاء!
ذهب إلى المخزن لجلب بعض القناني التي طلبوها حيث أنهم قد أفرغوا كل ما كان موجودًا بالفعل.
وضعهم على المرمر الذي كان أمامه قبل أن تسقط إحداها منه، و عندما كان مشغولًا بإزالةِ سداداتها سمع صوت جرس الباب فتعجب من دخول أحدهم في هذا الوقت المتأخر، رفع رأسهُ ليجد لورين تدخل إلى المكان بخطواتٍ مملوءةٍ بالتردد!
___
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
📚شطر من نور📚
الفصل ( التاسع والأربعون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- لقد عدنا!
هتفت كيلي بسعادةٍ بعد أن فتح لها برايلين الباب ليدخلا إلى المكان.
كانت لورين قد أعطت ظهرها للباب فالتفتت على عجلٍ لحظة سماعها لصوت صغيرتها.
سارت نحوها و هي تحمل ابتسامةً جميلةً لتقول مُرحِّبةً بها : ها قد عادت الأميرة إلى قصرها .. كيف كانت المملكة اليوم؟
انحنت حتى تصل إلى مستوها ثم جذبتها بخفةٍ لتعانقها، أجابت كيلي بفرحٍ و هي تحكم يديها على ظهر والدتها : ممتعةً للغاية!
استقامت مرةً أخرى بعد أن أمسكت يدها ثم نظرت نحو برايلين الذي حمل على وجهه ابتسامةً باهتة قد مسحت لحظة نهوضها إلا أنها تمكنت من لمحها.
تزينت شفتاها الورديتان بابتسامةٍ عريضةٍ ساحرة و نطقت بعدها بامتنانٍ لم تتمكن من وصفه : شكرًا لك برايلين .. كان هذا لطفًا بالغًا منك.
استرق نظرةً إلى كيلي ثم رد عليها و هو يعاود النظر إليها : لطف؟ اتفقت مع كيلي على أنها ستدفع لي من أجل هذا، أنا لست بطلًا يعمل بالمجان على أيةِ حال.
تذكرت كيلي كلام برايلين عن أن المساء قد حل فقررت أن تسأله عن شيءٍ قد خطر في بالها للتو : ماما .. ألن تقلق والدةُ برايلين عليه بما أن المساء قد حل؟
اتّسعت عينا لورين و جف حلقها بعد سماعها لما نطقتهُ صغيرتها، كيف يجب أن تتصرف في موقفٍ كهذا؟ أحست بأن كل ما عرفته عن الحياة سابقًا لم يُفدها في تلك اللحظة مقدار أنملة!
بسؤالها ذاك أعادت غرس السكين داخل جرحه الغض، لقد غرستِه عميقًا كيلي .. ود لو أنه تمتم بتلك الجملة إلا أنه فضل التفكير بشيءٍ آخر لا يهدم سعادتها الهشة و المؤقتة تلك.
كان يعلم أنها لم تقصد، تذكر في الوقت نفسهِ تلك السيدة و أطواق الورود، تمتم أخيرًا و هو يحمل ابتسامةً باهتة للتصادف الساخر هذا : لا بأس .. هي تعلم بأنني سأعود قريبًا.
هتفت كيلي بفرحٍ عندما اطمأنت عليه : هذا رائع، لا يجب أن تتأخر كثيرًا في العمل أيضًا لأنها قد تقلق!
عضّت لورين شفتها السفلى من التوتر الذي اعتراها فجأةً، كيف تغير مجرى الحوار المؤلم هذا؟ و هل سيتصرف برايلين وكأن شيئًا لم يكن بعد كل ذلك؟
تصادمت أفكارها مع بعضها البعض عندما أحست بكيلي تجذب يدها اليمنى كإشارةٍ منها تطلب فيها أن تنحني إليها.
تحدثت كيلي بعد أن أحست بأن الجو بات ثقيلًا لكلامها السابق رغم أنها لم تفهم سببه : هل ترين أطواق الزهور التي على رأسي؟
تمتمت بإعجابٍ و هي تتأملهم ثم أجابتها دون أن تفهم سبب كل هذا فجأةً : نعم .. ما بها؟
هتفت كيلي بحماسةٍ عندما أحست بأن مخططها في طور النجاح : الطوق الأبيض لكِ و الأحمر لي .. دعينا نأخذ صورة!
صُدِمت لورين من طلبها، صغيرتها لا تأبه بأمر الصور عادةً لكونها لا تراها كما أنها لا تذكر أمرها كثيرًا أمامها.
كانت قد تذكرت الصورة التي أخذتها مع برايلين و قد أرادت أن تأخذ واحدةً مع والدتها، رغبت في أن تتذكر هذهِ اللحظة بالنيابةِ عنها بهذه الصورة.
أزالت لورين الطوق الأبيض بهدوءٍ كي لا يتفتت ثم وضعته على شعرها، التفتت نحو برايلين و هي تحاول تعديله دون تمزيقه لتستفسر : كيف يبدو؟
هتفت كيلي بحماسها المعتاد كردٍ عليها : بالطبع جميلٌ للغاية .. لا أحتاج إلى أن أرى هذا حتى!
سرح برايلين للحظةٍ قبل أن يتمتم مجيبًا على سؤالها بشرودٍ واضح : جيد .. جدًا.
أطلقت ضحكةً صغيرةً على رده ذاك حيث أن تعابير وجهه أشعرتها كما لو أن شكلها كان كارثيًا، هي لم تعلم أنها بدت كالملاك بطوقها الأبيض و شعرها الحريري المتدلي خلفها رغم قِصَره.
التفّت لتجلب الكاميرا من خزانةٍ كانت موجودةً بالقرب من منصة الزهور ثم مدت يدها لتقدمها له و هي تنطق : هلا قدمت لنا خدمة و أخذت لنا الصورة؟
بسط يده ليلتقطها من يدها ثم تجمدت ذراعه و هو يمسك بالكاميرا التي ما تزال في يدها الممدودة.
لاحظ آثار أصابعٍ ضخمة قد تركت علاماتٍ حمراء على معصمها، كاد يقسم بأنها لم تكن موجودةً هذا الصباح!
قرر أن لا يتحدث عن هذا الأمر أمام كيلي في الوقت الحالي فسحب الكاميرا من يدها على عجلٍ ثم نطق ببعض الجمود الغريب : هيا اقتربا من بعضكما البعض.
أحست كيلي بأن شيئًا ما قد تغير في نبرة صوتهِ خلال تلك الثواني الضئيلة إلا أنها لك تفهم سبب ذلك مرةً أخرى .. هل قامت بشيءٍ سيء يا ترى؟
انحنت لورين لتصبح موازيةً لكيلي ثم تحدثت و هي ترسم ابتسامةً فاتنة على محياها البسيط : هيا ابتسمي كيلي.
حاولت كيلي أن لا تتأثر بإحساسها القوي ذاك و ابتسمت بسعادةٍ كما قالت والدتها ثم نقر برايلين على زر الكاميرا الفورية لتلتقط الصورة.
خرجت بطاقةٌ بيضاء اللون ثم أمسكها و أخذ يهزها مرارًا و تكرارًا حتى بدأت تظهر معالم الصورة.
أطلق هو الآخر ضحكةً صغيرة لرؤيتها تضحك ثم وقعت أنظاره على صورته مع برايلين التي كانت موجودة على مكتبه.
تحولت تلك الضحكة إلى ابتسامة عريضة و هو يتمتم محدثًا نفسه : لا تفسد الأمور معها أيها الأبله.
لسببٍ ما شعر كما لو أنه حلّ جزءًا من أفكاره المتشابكة دون أن يشعر، حقيقة أن برايلين يقضي الوقت مع لورين تعتبر دليلًا على كونها شخصًا جيدًا .. هو لا يقضي الوقت مع أيٍ كان في نهاية المطاف.
لربما هو أحس بما أحس به سابقًا لأنه يشعر بنوعٍ من الفراغ و اليأس من كل ما يصيبه في المستشفى؟ و إلا لما كان شعر بأضعاف ذلك الشعور أمام هذه المرأة .. الأمر يبدو معقدًا و بسيطًا في الآن نفسه لكنه بدأ يصل إلى نوعٍ من السلام داخل قلبه .. هل ستكون هذه الماثلة أمامه شخصًا يستحق هذه الأحاسيس؟
بعد ما رآه اليوم فقد اعتقد أنها شخصٌ جيدٌ إلى حدٍ ما إن تجاهلنا متعتها في استفزاز الواقف أمامها، إنها تستحق فرصة بعد أن تخطت كل تلك الحماقات بنجاح.
- وايت؟
نادته ڨيا عندما لاحظت أنه يتأمل صورةً ما على مكتبه منذ فترة.
رفع رأسه نحوها ثم قال بوجهٍ مُتسائل : هل كنتِ تقولين شيئًا؟
هزت رأسها نافيةً إلا أنها نطقت بسخرية كدلالةٍ على أن ما حدث كان العكس : إطلاقًا .. إن كنت لا تعتبر "هيا لنعد إلى لعمل" جزءًا من الكلمات.
نهض من على مكتبه ثم اتجه نحو الباب لتلحق به، رد عليها قبل أن يفتحه و هو يتأمل عينيها العسلية : تلك نكتةٌ سيئة للغاية، لكنني سأقبلها من أجل ... كاد أن يتفوّه بشيءٍ متهورٍ جدًا فالتفت مباشرةً و تابع سيره إلى الأمام ليُداريَ أي شيءٍ قد يظهر على وجهه.
بعد ذلك قضيا يومهما في التنقل بين غرف المرضى و تلبية احتياجاتهم، لم يتوقع أن يُظهِر بعضهم تلك المعاملة العنصرية التي رآها سابقًا رغم أن ڨيا كانت تساعدهم دون تذمر.
أخبرته لاحقًا أن كل ما تفعله هو من أجلها، كي تكون راضيةً عن نفسها أولًا و أخيرًا .. أما كلماتهم فلم تعد تؤثر بها منذ زمنٍ بعيد.
هي لم تخبره أنها قررت البقاء معه لفترةٍ أطول لأنها لم ترَ تلك المعاملة منه، أرادت أن تتأكد من الشكوك التي باتت تراود قلبها منذ فترة ضئيلة.
انقضى النهار سريعًا معها بعد أن كان يسير بطيئًا بشكلٍ مخيف مع هِلاني المجنونة، كان شعور الراحة تجاهها يتعاظم مع كل لحظة يقضيانها مهما كان ما يفعلانه.
أما ڨيا فقد كانت تستمتع بعملها فعلًا، صحيحٌ أن بعض المرضى قد جلدوها بسياط ألسنتهم إلا أن بعضهم قد ربّتوا على كتفها كمواساةٍ لها بابتساماتهم، كانت تتمايز الآراء عنها في كل غرفةٍ احتوت مريضين فأكثر.
كان يومها الأول مميزًا فعلًا، حظيت بزميلٍ جيدٍ و الكثير من المديح من قبل المرضى .. هل الحظ يقف في صفها فجأةً بعد أن اعتادت على مجابهته؟
لاحظت هي أن نظرات الأطباء نحوها هي و وايت كانت مخيفةً بعض الشيء، يبدو أن شعبيته بين الممرضات معاكسةٌ لما يدور بينه و بين الأطباء.
تأخر الوقت كثيرًا حيث أن أغلبهم قد عادوا إلى بيوتهم و بقيت هي معه بالإضافة إلى طبيبين آخرين و عمال الاستقبال.
خلع معطفه الأبيض و ألقى به على كرسيه الدوار بينما علّقت هي ثيابها على المشجب الذي كان موجودًا بالقرب من الباب.
خرجا معًا من الغرفة في صمت، لم يكن لدى أي واحدٍ منهما ما يقوله فلكلٍ منهما أفكاره الخاصة التي كانت تغرقه.
تخطت الساعة الحادية عشرة و كان الهدوء يخيم على الشارع حيث وقفا، شهق وايت كما لو أنه تذكر شيئًا ما ثم التفت إليها و نطق : لم ألاحظ ذلك لأن سائق هِلاني يكون في انتظارها عادةً في هذه الساعة المتأخرة، كيف ستعودين إلى منزلك في مثل هذا الوقت؟
أشارت إلى الشارع من الطرف الأيمن و هي تقول : منزلي قريبٌ من هنا، سأحتاج إلى عشر دقائق حتى أصل إليه سيرًا على الأقدام.
تابع حديثه و هو يسير في الاتجاه الذي أشارت إليه : إذًا هيا بنا.
سار عدة خطواتٍ ثم التفت إليها عندما لاحظ أنها ما تزال واقفةً ثم نطق متسائلًا : ما الأمر؟ سيتأخر الوقت أكثر إن بقيتِ هنا.
تأملت الأرضية لعدة ثوانٍ كي تخفي ابتسامتها ثم رفعت رأسها و سارت سريعًا لتلحق به و هي تقول : ستتأخر على منزلك أيضًا أيها السيد المحترم.
رد عليها فيما يحافظ على أنظاره مستقيمة على الطريق : أعتقد أن سير رجلٍ وحده في الشارع أمرٌ مألوفٌ أكثر من سير آنسة جميلة مثلكِ في المكان.
ثم سعل بعد ذلك دون أن تعلم أنه سعالٌ مفتعل، فضّلت أن تبتسم على أن ترد عليه كي لا تأخذ هذه المحادثة منحنى آخر لم تكن مستعدةً له.
وصلا إلى المبنى الذي احتوى شقتها ثم نطقت و هي تتجه نحو المدخل : فلتحظَ بقسطٍ من الراحة بعد هذا اليوم الشاق.
أومأ لها ثم دخلت إلى المبنى حتى اختفت عن مدى نظره، همهم لنفسه و هو يسير عائدًا للشارع الرئيسي : حان الوقت لنرى ما فعله برايلين لهذا اليوم، أشعر أنه كان يومًا حافلًا لكلينا.
📚شطر من نور📚
الفصل ( الثامن والأربعون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نزل بعض السلالم حيث عرف أنها قد اتجهت إلى مكتبه لجلب ما طلبه، رفع رأسه ليلقيَ نظرةً على الممر فوجدها في نهايته حيث عليها أن تنعطف هنا لتذهب إلى مكتبه، لمح ظلًا لأحد واقفٍ في الطرف الآخر لذلك المنعطف .. هناك خطبٌ ما بالتأكيد!
نادى اسمها بصوتٍ طبيعيٍ كي لا يُقلقها إلا أنها لم تستمع له، صرخ باسمها عاليًا بعد أن نال منه القلق : ڨيا!
التفتت إليه أخيرًا فتعجبت من حاله و هو يسير بسرعةٍ نحوها، نطقت موضحة و هي تلوح له : انتظرني سأحضره الآن، عاودت الالتفاف لتسير إلا أنه بات يركض أسرع حتى أمسك يدها بعنفٍ قبل أن تخطو خطوتها الأخيرة لتنعطف.
نطق ببعض الحنق و هو ينظر إليها بعد أن ارتعدت من إمساكه لها : ألم يبدو علي أنني أريد منكِ أن تتوقفي أم ماذا؟
عبر هو للطرف الآخر بيرتا و هي تتراجع بهدوء، أمسكها من كتفها كي تلتفت إليه و يرى ما تحمله حيث كان إناءً حوى ماءً مغليًا كما اعتقد!
حدّثها بغضبٍ لم يتمكن من كبته عندما أدرك ما كانوا يحاولون فعله : لا تعتقدوا للحظةٍ أنني سأترك هذا يمضي دون عقابٍ مثل تلك المرة!
تذكر ما حل بمريضةٍ كان يحدثها كثيرًا حتى شعرن بالغيرة منها و تسببن بكسرٍ لها في إحدى أقدامها، تمكنّ من النجاة بفعلتهن لأنهن دفعن لها مبلغًا من المال لتبقى صامتة.
ارتعدت بيرتا ثم استرقت نظرةً إلى فولڨيا التي كانت تتفقد ذراعها حيث أن إمساك وايت لها آلمها فعلًا.
نطقت فولڨيا أخيرًا بدهشةٍ و هي تنظر إلى هذا الموقف الغريب : هل أنتن مجنوناتٌ إلى هذا الحد؟
نالت غصة البكاء من تلك القابعة تحت أنظار وايت الغاضبة ثم نطقت باستسلام : أنا لا أفهمك سيد والكر، أنت لطيفٌ مع المرضى بلا استثناء إلا أنك لا تضحك مع أحدهم إلا نادرًا، تبدو مغرورًا لبقية الأطباء الموجودين هنا، تحتقر الممرضات جميعهن حتى أن وجهك يصبح مخيفًا معهن، لكن هي .. تلك السوداء الحقيرة لا تستحق أن تراك تبتسم حتى!
لم تتمكن من إكمال جملتها حيث تلقت صفعةً منه على كلماتها الأخيرة، لقد ضاق ذرعًا بذلك حقًا و كان ذلك رده عليها!
وضح لها بعد ذلك و هو يحاول أن يمنع لسانه من أن يزل بشيءٍ قد يندم عليه : أنا لا آبَه بما تظنونه، و ليس أمرًا مهمًا أن تفهموني من الأساس .. نحن هنا لنعمل و لا شيء آخر!
بدأت فولڨيا تستوعب أكثر الموقف الذي هي فيه، الماء المغلي الذي كانت تحمله و لهفة وايت لإمساكها قبل أن تعبر .. كانت على وشك أن تحرق من قبل أولئك المجانين!
تابع وايت حديثه بهدوءٍ أكبر و هو يشير إلى فولڨيا المذهولة : لربما عليكن أن تبدأن بالتصرف مثلها كي أنظر إليكن حتى، إنها لا تهتم بالمظاهر المبهرجة مثلكن.
تذكر في تلك اللحظة رغبتها في رؤية شريكٍ مبتسمٍ في يوم عملها الأول، يبدو أنه قد فشل في تحقيق شيءٍ بسيط كهذا.
تنهد بعد لحظةٍ و هو يقول بلكنةٍ صارمة : إلى مكتب المدير فورًا، سأجلب ريثا و ألحق بكِ .. و تخلصي من هذا القدر اللعين من فضلك.
بدّلت أنظارها بين وايت و فولڨيا لعدة ثوانٍ ثم انصاعت لما قاله بعد أن تمتمت : حسنًا، سأكون هناك.
سارت مبتعدةً عنهما فالتفت وايت إلى فولڨيا و هو يتذكر حجم القوة التي وضعها في يدها كي يمسكها، تكلم أخيرًا : أنا آسفٌ لهذا حقًا، يبدو أن قبضتي قد آلمتكِ.
كانت مشدوهةً للحظةٍ تحت وطأةِ ما قاله سابقًا، لم يكن من المعتاد بالنسبة لها ألّا تجد شخصًا يتصرف بعنصريةٍ تجاه لون بشرتها الذي لم يكن لها يد فيه.
و حتى عندما وجدت من يعاملها بشكلٍ طبيعيٍ في السابق فقد كان يملك مصلحةً ما أو نية سيئة و إن لم يظهرها، كانت تستشعر تلك الأشياء بعد سلسلةٍ من التجارب الطويلة و المتكررة.
أومأت في صمتٍ لتنفيَ ما قاله حيث أن ذلك الألم الضئيل قد تلاشى بالفعل، كان جسدها قد استبدله بألمٍ من نوعٍ آخر لكن في مكانٍ غريب، لا يفترض بأي شيءٍ أن يصل إلى ذلك الجزء المخبأ خلف قفصها الصدري!
طلب منها أن تتبعه في تحركاته كي تتجنبهن فجلب علبة المحلول التي احتاجها المريض بالإضافة إلى المياه التي طلبها ثم اجتر ريثا إلى غرفة المدير بعد أن أظهرت علامات الاستياء لعدم نجاح خطتها!
___
- أنا لن أسكت عن هذه الحماقات لأكثر من هذا!
نطق وايت محتجًا بعد أن أخبره المدير أن بإمكانه حل الأمر باعتذارٍ بسيط كما لو أنه لا يأبه بحقيقة أن فولڨيا كانت على وشك أن تتأذى!
عاود الحديث مرّةً أخرى و هو يحاول إقناعه بينما يشير إليها : هناك شخصٌ كان سيتضرر فعلًا بسبب أفعالهن، تستطيع أن تشتكي عليكم لدى الشرطة إن لم تكن تعلم!
لسبب ما كانت فولڨيا هادئة بشكلٍ أخافه للحظة، هل كان فعلهم سيئًا للغاية حتى على نفسها قبل جسدها؟
تنهد وايت و هو يضرب جبينه بباطن كفه الأيسر، تساءل عن كمية الحماقة التي يمكن لبعض البشر الوصول إليها، كيف سمح ذلك المدير الصارم بكل هذا التسيُّب؟
كان على وشكِ الدخول إلا أنه سمعها تقول بزهو : و ماذا إن أراد هو أن أبقى .. ما الذي ستفعلنه بعد ذلك أيتها المتبجحات؟
سارت حتى اقتربت كثيرًا من تلك التي حدثتها حتى تصبح المسافة بين أعينهما إنشاتٍ ضئيلة ثم نطقت بنبرةٍ جعلت القشعريرة تصيب جسد الواقفة أمامها : إن فكّرتن في الاقتراب منه مرةً أخرى فسأتأكد من تطبيق بعض اللكمات التي تعلمتها عليكن .. و لا أمانع بطردي معكم أيضًا أيتها المدللات.
كانت تلك المرتعشة هي بيرتا حيث تعرف عليها من خلال شعرها القصير جدًا و صوتها الطفولي الغريب.
خرج صوت خشنٌ جديدٌ من بينهن حيث قالت : أنتِ لستِ سوى امرأةٍ سوداء حقيرة .. سيرفضكِ وايت بعد فترةٍ قصيرة و سترين.
- أعتقد أن هذا يكفي!
دخل وايت إلى الغرفة بعد أن تحدث بصوتٍ حازم قاطعًا الترهات التي كانوا يتفوّهون بها، لم يخطر في باله أبدًا أن يكون ما حدث في الكافيتيريا له علاقةً بلون بشرتها .. هل هم يحتقرونها فعلًا من أجل شيءٍ سخيفٍ كهذا؟
كتّف يديه بعدم رضا ثم قال أخيرًا و هو يلقي نظرةً على وجوه الوقفات ليتعرف عليهن جميعًا : أنا لن أقول أي شيءٍ لأنني سئمت من كل هذا، لكنني أظن أنكم تدينون لفولڨيا باعتذارٍ عن كل ما قلتموه لها.
مرت دقيقةٌ من الصمت بعدها حاولت إحداهن تبرير فعلهن المنطقي في نظرها حيث نطقت بتردد : لكن، سيد والكر ...
قاطعها وايت مرةً أخرى بصوتٍ حازمٍ و هو يدّعي بعض الغضب : لا شيء يبرر فعلكن! و الآن هيا ففولڨيا تنتظر.
التفتن إليها و هي تحمل على وجهها نظرات السخرية التي لم تسهل عليهن فكرة الاعتذار الثقيلة تلك، كانت تستمتع برؤيتهن في موقفٍ سيءٍ بسبب تصرفاتهن التي لم تحوِ ذرةً من المنطق.
سكن الصمت بينهم فترةً كانت فيها نظرات وايت المنزعجة كالشوك الذي يغرز في جلودهن مرارًا، همست إحداهن باستسلامٍ معتذرةً ثم انسحبت من الغرفة مباشرة بعد هذا الموقف المحرج للغاية، ثم أخذن يفعلن ذلك واحدةً بعد الأخرى حتى بقيت ريثا التي كادت أن تأكل فولڨيا بنظراتها.
نطقت باعتذارها على مضدٍ و هي تتوعدها في سريرةِ نفسها بعقابٍ مُذِلٍ من أجل هذه الإهانة التي تلقتها اليوم.
بعد أن غادرن جميعًا اقترب وايت من باب الغرفة ثم أحكم إغلاقه بهدوءٍ كي يمنع دخول أي أحمقٍ آخر قد ينجذب إلى أصواتهم التي كانت عالية سابقًا.
نظر إلى فولڨيا التي كانت تحمل على وجهها ابتسامةً واسعة لا تشابه تلك الابتسامة الساخرة التي كان يرتديها وجهها قبل قليل.
في البداية اعتقدت أنه ليس سوى طبيبٍ عادي و قد وضعت في الحسبان أنها ستتلقى المعاملة العنصرية ذاتها التي تلقتها من مديره عندما دخلت إليه سابقًا.
طوال النهار لاحظت نظرات الاستقذار التي كانت تتلقاها من كل حدبٍ و صوب، لم يكن ذلك جديدًا عليها على أية حال.
تعامله الطبيعي معها بل و اللطيف في أوقاتٍ أخرى جعلها تشك في أمره، لربما هو رجلٌ لعوبٌ لا تدرك تلك الحمقاوات حقيقته المخفية عنهن؟
هي لم تكن في حاجةٍ لإنقاذٍ أو شيءٍ من هذا القبيل قبل عدة لحظات، بدت معركتها معهن كقتالٍ من جانبٍ واحدٍ فقط.
ما بال هذه الابتسامة التي أظهرها هو الآخر؟ تساءلت للحظةٍ عن ذلك فسمعته ينطق و هو يعود إلى كرسيه : أرى أنكِ تستطيعين الابتسام بشكلٍ طبيعي من وقتٍ لآخر.
لمَ يرونها قبيحة؟ اعتقدَ أنها جميلةٌ جدًا بلون بشرتها الذي تناسق مع تفاصيلها .. حتى أن ابتسامتها تلك كانت أجمل من أولئك الحمقاوات اللاتي يضعن أطنانًا من مستحضرات التجميل على وجوههن.
لاحظت أمر ابتسامتها التي طال ارتداؤها لها فتلونت ملامح وجهها بشيءٍ يصعب تفسيره ثم نطقت ببعض الخشونة المصطنعة : ما الذي..؟ تبًا لك.
ضحك وايت على رد فعلها اللامنطقي ذاك فتابع حديثه : لم أعنِ ذلك تمامًا .. لديكِ ابتسامةٌ جيدة في النهاية.
قلبت عينيها في سخريةٍ لترد عليه بعدها : إن سمعنك أولئك الحمقاوات لحفرن قبرًا لي بالفعل.
في الواقع هي ظنت أنه يسخر منها للحظة إلا أن ملامحه لم تدعم تلك الفرضية تمامًا، قطّبت حاجبيها و هي تفكر في كل ما حصل معها حتى الآن.
اعتقد وايت أنها ستكون غاضبةً بعد كل ما فعلته تلك الممرضات معها، لم يرد لها أن ترحل كي تعود هِلاني لنخر رأسه بصوتها المستفز.
كونها لم تهتم لمظهره أعطاهُ شعورًا عميقًا بأنها شخصٌ جيدٌ منذ اللحظة الأولى، رُسِمت صورة لورين خلال ثانية داخل مخيلته بعد ذلك فتساءل عن ما يحدث دخل قلبه الأحمق .. عليه التوقف عن المبالغة جراء كل فعل هكذا.
في المقابل كانت فولڨيا تتأمل الأرضية و هي تفكر في أن طلبهُ منهن ليعتذرن لها كان فعلًا غير ضروري .. لربما يظن نفسه قد جرّ لها المشاكل بسبب وجودها معه؟
- هذا يؤلم.
أطلقت لورين تأوهًا خفيفًا و هي تنظر إلى الدم الذي انساب من جرحها الصغير الذي سببه مقص الزهور، ذلك الألم الخفيف أخرجها من تلك الذكرى التي عادت إلى ذهنها عندما لمحت المقص على الطاولة كما كان في ذلك الوقت.
لقد مضت أربع سنواتٍ بالفعل، تحسست خصلات شعرها التي عادت إلى طبيعتها بعد ذلك الحادث بعدة أشهر، لم تجعله يعود إلى الطول ذاته لأنها أحبته فعلًا و هو يتدلى على أكتافها.
- سررتُ بمعرفتك سيد براي، هل أستطيع مناداتك هكذا؟ ما الأمر أمي هل هو أصم؟
- أولًا كلا لست أصمًا .. و ثانيًا لا يمكنك مناداتي بهذا الاسم.
رن صوتهما داخل رأسها فجأةً فضحكت على تلك المحادثة البسيطة، كان تذكرهما مع ابتسامتيهما كافيًا بالنسبةِ لها لتركل الحزن بعيدًا، بدأ الحظ يبتسم لها أخيرًا!
____
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐