399
قناة متخصصة بنشر القصص الطويلة والقصيرة بمختلف الأنواع .. أنشئت القناة بتاريخ 2020/9/2م
أول منشور على القناة يصل إلى ألف مشاهدة..🔥
شكرا لكم ..
استمتعوا بالروايات الموجودة حاليا على القناة فجميعها مختارة بعناية شديدة ومتأكد بأنها ستنال إعجابكم..
وانتظروا مفاجأة سنعلن عنها قريبا جدا ومتحمس لها من فترة .. وإن شاء الله أعلنها قريبا على القناة هنا وستكونون سعداء جدا بها... وعد🔥🔥❤️
استقام متوجهًا نحو حقيبتهِ التي كانت موجودةً في غرفة برايلين بينما تحسس الآخر عنقهُ متذكرًا ما حدث، هل تعرض للأذى من أجل أحدهم؟ منذ متى و هو يفعل ذلك على أية حال؟
عاد وايت بعد ثوانٍ و هو يحملها ثم وقف بالقرب منه، باشر في إخراج ما يحتاجه منها، أثناء فعله لذلك وقعت عيناه مصادفةً على الصورةِ التي كان يحملها.
شرع يقوم بعملهِ المتمثل في دهن عنقه بمرهمٍ خاصٍ بينما يحدثه : تلك الصورة، إنها تلك التي التقطتها معها البارحة؟
هز رأسه مبينًا صحةَ ما قاله و سحبها من على الطاولة بعد أن رماها قبل بضع دقائق ثم رفعها إلى مستوى بصره، بدت تلك الصورة كما لو أنها تشع لطافةً و بهجةً في الآن ذاته .. دفعته إلى الابتسام بشكلٍ تلقائي ففهم ما جال في بال صاحبه عندما كان يطيل النظر إليها.
تمتم وايت دون تركيزٍ و هو يسحب الضمادات كي ينهيَ بها مهمته : إنها تبدو جميلةً حقًا.
رد عليهِ بريلين ببعض السخرية المريرة بعد أن طعنتهُ حقيقةُ كونها غير قادرةٍ على إبصار أي شيءٍ من هذا العالم : ليتها ترى هذا الجمال.
تذكر وايت ما قاله برايلين عنها آن ذاك، ضريرةٌ منذ أن ولدت .. مجرد التفكير في الأمر جعل جسدهُ يقشعر لوهلة، لم يسبق له و أن فكر في حجم الصعوبات التي يمكن لشخصٍ مثلها أن يعاني منها .. لابد أن الاعتناء بها يحتاج قوةً عظيمة، هل كانت لورين بهذه القوة يا ترى رغم كل ما يصيبها من قبل طليقها؟
- هل وجدت حلًا؟ لفظ برايلين فجأةً مما جعل وايت يجفل للحظة.
كان قلقًا بشأنه فالبقاء مشتتًا لم يكن من عادات وايت على الإطلاق .. هو يفهم مشاعر البشر لكن ماذا عن نفسه؟
صحيحٌ أن برايلين عاجزٌ عن فهمه على الدوام إلا أنه يبذل مجهوده في الوقت الحاضر، فكر بشيءٍ غريبٍ فنطق بهدوء : ما رأيك بأن تسألها؟
بعد سؤالهِ مباشرةً شعر بأن تلك الضمادات التي تُلَف حول عنقه قد ضاقت فجأةً، تمتم وايت بنظرةٍ مخيفة إلا أنها أضحكت برايلين أثناء حديثه : جرب أن تقول ذلك مرةً أخرى فقط، لمَ قررت مناقشتك حتى؟
عدّل الضمادات كي يتكلم برايلين بانزعاجٍ طفيفٍ لعدم فهمه سبب تصرف وايت السابق : لمَ أنت غاضب؟ اسألها إن كانت معجبةً بك كما أنت معجبٌ بها.
- تبًا لك، لا تقلها بهذا الشكل!
زجره وايت بوجنتين قد توردتا بشكلٍ تلقائي، لمَ استشار هذا الجاهل من الأساس؟ لكن كلمة معجب قد تصف وضعه الحالي .. لعنهُ مرةً أخرى بينما بقيَ برايلين صامتًا يراقب انفعالات ملامحه المضحكة.
أنهى عملهُ أخيرًا ثم تمتم باستياءٍ تحت أنظار برايلين الساخرة من حاله : لمَ اخترت أفشل شخصٍ في التعامل مع مشاعر أحدهم؟
هزّ برايلين كتفيه كإجابةٍ على سؤالهِ ثم همّ لينطق إلا أن ذبذبات صوت الجرس كانت قد سبقت صوته في الانتشار.
تبدل حالهما في لحظة ثم نظر كل واحدٍ منهما نحو الآخر و هما يحملان نظرات الذهول و الدهشة، من قد يأتي في مثل هذا الوقت دون موعدٍ مسبق؟
___
- لمَ المكانُ بعيدٌ هكذا؟
تمتمت ڨيا بتلك الجملة و هي تتأمل الطرقات من خلال نافذة عربةِ الأجرةِ التي استقلتها بعد أن نزلت من محطة القطار آنفًا.
طلبت من السائق أن يدعها تنزل فورما لمحت عنوان الحي الذي دوّنته الممرضة جليندا على الورقة التي أحكمت قبضتها عليها خوفًا من أن تطير بفعل أي شيءٍ غير متوقع.
بعد أن قدمت للرجل مستحقاته غادر مبتعدًا و هو يمسح يدهُ في ملابسه حيث احتكّت يده عن طريق الصدفة بيدها، كان ذلك وقحًا حتى أنها أرادت صفعه على ذلك الفعل المتخلف.
سحبت بعض الهواء لتعيد الاستقرار إلى نفسها ثم همست محدثةً نفسها : سترينهُ بعد قليلٍ لذلك لا بأس.
لمَ أمْنَت نفسها بأنها ستراه؟ كان بإمكانها القول بأنها ستُلقّن هِلاني و جماعته درسًا لن ينسوه .. هذا غريب.
التفتت للحظةٍ فوجدت مخبزًا كان موجودًا بالقرب من لافتة عنوان الحي، لاحظت باقة وردٍ ملفتةً للانتباه قد توسطت واجهته.
احتوت تلك الباقة على زهور فريزيا البيضاء التي تمازجت مع ورود تيفاني ذات اللون المائل للبرتقالي و الزهور المخملية المصبوغة باللون الليموني الآسر.
بالإضافة إلى كل ذلك فقد توزعت بعض الأعشاب البرية و الزهور ذات الحجم الصغير في الفراغات بينها جاعلةً منها لوحةً ساحرةً للألباب.
توسدت تلك الباقة بطاقةٌ ذات حجمٍ متوسط كتب عليها بحروفٍ منمقة :
" ما ذبُل على يدي إنسانٍ سيُزهر على يدي إنسانٍ آخر .. لا تحزن "
ابتسمت لوهلةٍ دون أن تفهم سبب ذلك، هل تذكرت قبل لحظةٍ كل ما حاول الآخرون صنعه بها؟ و كيف أنها رغم أنوفهم تستمر في النهوض و البقاء؟
أكانت تلك إشارةً من نوعٍ ما لتساعدها على فك شفرةِ ما تشعر بهِ عندما تفكر بأمر وايت، هل ستزهر على يديهِ أم أنها محض خيالاتٍ جامحةٍ لا أساس لها؟
لم تكن في حاجةٍ لمن يجعلها تزهر، لكن وجود شخصٍ يدعمك على الدوام سيكون أمرًا مثيرًا بالنسبة لها .. أرادت لذلك أن يتحقق في بعض الأحيان و لكن مع الشخص الصحيح.
تذكر وايت حقيقة كون برايلين لم يكمل دراسته الثانوية حتى، أظهر ابتسامةً معوجة لأنه لم يعرف كيف يعلق على هذا حيث كان يتساءل عن ما يدور في خلد الجالس إلى جواره .. هل هو بخير؟ هل تحسن وضعه بعد أن تغلب على هذهِ الغرفةِ و أشباحها؟ من الصعب تحديد أي شيءٍ فملامحه مبهةٌ إلى حدٍ ما.
نهض هذا الصديق فجأةً مما أرعد وايت لأجزاءٍ من الثانية، ناداه مطالبًا بتفسيرٍ لفعله الغريب هذا إلا أنه أخفى بعض القلق بين طياتها كلماته : ما الذي حدث؟ هل كل شيءٍ بخير؟
غادر الغرفة على عجلٍ بينما بقيَ وايت في مكانه مشدوهًا مما حصل، هل قُرِع جرس الباب دون أن يسمعه أم ماذا؟
بعد دقائق قليلة عاد برايلين إليه مرةً أخرى و هو يحملق فيه بتساؤلٍ حيث تكلم : لمَ ما زلت جالسًا هنا؟ لقد انتهينا.
تعجّب من حاله إلا أنه نهض متجهًا إلى الباب كي يفهم سبب نهوضه المفاجئ، التفت ملقيًا نظرةً أخيرةً على الغرفة ثم سمع جملةً لم يسمعها منذ زمنٍ طويل : أنت شابٌ صالحٌ وايت، اعتنيا ببعضكما.
أغمض عينيهِ بشدةٍ و من ثم فتحهما عدة مراتٍ ليتحقق من إن كان ذلك الوجه الذي رآه قبل لحظة حقيقيًا أم لا، هل تخيل سرابًا للتو؟ لم يحدث من قبل!
تساءل إن كان برايلين يرى هذا النوع من الأشياء أيضًا، هل كان سبب شحوب وجهه على الدوام رؤيته لهذه الأمور؟
_____
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
فتح الباب على مصراعه فتطايرت بعضٌ من ذرات الغبار في المكان، كان الفاتح لذلك الباب يحفظ تفاصيل هذه الغرفة عن ظهر قلب، لكن و على عكسه فقد كانت بالنسبة للواقف إلى جواره مكانًا جديدًا تمامًا.
تكونت الغرفة من سريرٍ بسيطٍ و خزانةٍ طويلةٍ على الطرف الأيمن له، العطور التي كانت تستخدمها و مستلزماتها الخاصة ما تزال موجودةً على تسريحتها الخشبية العتيقة كما لو أنها استخدمتهم البارحة و حسب.
كانت شمس الظهيرة بأشعتها الضئيلة قد سبقتهم في الدخول إلى الغرفة عبر نافذةٍ وقعت فوق السرير، توغلت تلك الأشعة في المكان مُكسبةً إياه رونقًا دافئًا و غامضًا في الوقت نفسه.
خطا برايلين خطوتهُ الأولى إلى المكان ثم تبعهُ وايت في صمت، كان الصديق فخورًا بحقيقة بدء صديقه في تخطي الأمر و لو قليلًا .. إنه يرى أخيرًا ثمرة جهوده لثلاثة أسابيع متتالية.
- براي؟ لمَ أنت هنا؟ هل أنت جائع؟ .. لا تنظر إلي هكذا و تعال اجلس بجانبي .. ألا يجب أن تكون نائمًا في هذا الوقت؟ .. كيف كان العمل؟
شنّت كل تلك الجمل هجومًا مباغتًا على عقله فعجز هذا المسكين عن التصدي لها، نكس رأسهُ بوجعٍ و أشاح ببصره كي يلملم شتات ما تفتفت من قوته بعد أن بعثرته نبرة صوتها الدافئة.
وقف مراتٍ كثيرةً أمام هذا الباب مع مشاعر متباينة على الدوام، إلا أنها كانت تستقبله برحابة الصدر ذاتها في كل مرة .. بالتفكير في الأمر، كيف كانت تفعل ذلك يا ترى؟
هُيئ له أنه يراها جالسةً على سريرها و هي تشير إلى المكان المجاور لها كي يجلس عليه كما اعتاد من قبل، تمتم مكسورًا و هو يعض شفته السفلى بأسى : دعنا ننهي هذا سريعًا، من فضلك.
التفت وايت مغادرًا ليجلب أدوات التنظيف التي استخدمها آنفًا بينما وقف برايلين وسط تلك الغرفة وحيدًا مرةً أخرى.
نظر إلى الجانب الأيسر من الغرفة لتقع عيناه على المرآة الخاصة بتسريحتها، لمح انعكاس ابتسامتها هناك و اخترقت همساتها أذنه قائلةً : لقد كبر ابني و بات رجلًا!
- برايلين!
ناداه وايت بحزمٍ عندما أحس بأنه على حافة الغرق في أمورٍ خياليةٍ لا يمكن لعقله رؤيتها .. أفصحت قسمات وجهه عن ذلك بطريقةٍ غريبة و لكنها واضحة.
تقاسما الأدوات و المهام خلال دقائق، فأخذ وايت يزيل الغبار عن عن تلك الخزانة و محتوياتها بينما اتجه برايلين ليخوض معركةً ملحميةً مع تسريحتها التي سببت له نوعًا من الاضطراب بعد أن وقف أمامها.
استخدم منفضة الغبار ليطرد ذرات الغبار التي تطفلت على قوارير العطر الخاصة بها، سحب علبةً كان على علمٍ بأن رائحتها هي المفضلة لديها لأن هذا النوع كان هديةً من والده.
اشتم رأس تلك العلبة دون أن يطلق بعضًا من الرذاذ حيث اقتحمت ابتسامة تعجبٍ شفتيه، كيف لا يبتسم و ذكراهما معًا قد تركز القليل منها في قنينة العطر البسيطة هذه؟
لم تدم تلك الابتسامة لفترةٍ طويلة حيث أنه أعاد العطر إلى مكانهِ قبل أن تؤدي حساسيتهُ المفرطة و المفاجئة إلى أمطارٍ مفاجئة لم يكن مستعدًا لها.
خلال تأكدهِ من أن الأدراج لا تحتوي على أي شيءٍ قابلٍ للتعفن تحسس بيديهِ شيئًا ما فتوقع أنه صندوق مجوهراتها الصغير، لم يقاوم فكرة فتحه ليختلس نظرةً إليه.
سبق و أن طلبت منه بيعها ليغطيَ بعضًا من تكاليف علاجها إلا أنه رفض بشكلٍ قاطعٍ فعل ذلك، لم تكن مجوهراتها بالكثيرة في المقام الأول.
فتحهُ بتأنٍ ليجد الطقم اللؤلؤي الذي قدمه لها والده ليلة زفافهما بالإضافة إلى خاتم خطبتها، لم يتوقع أكثر من ذلك .. لم تكن والدته من محبي المجوهرات على أية حال.
حمل خاتم الخطبةِ الذهبي ثم وضع العلبة جانبًا كي يضعه وسط راحةِ يدهِ متأملًا إياه، سبق و أن أضاعت هذا الخاتم إلا أنه أمضى يومه آن ذاك في البحث عنه حتى وجده.
لم تمضِ ثوانٍ حتى خيلت لهُ يدٌ بيضاء كما الثلج حَفَرت التجاعيد تفاصيلها و قد استقرت فوق راحة يدهِ بالإضافة إلى ذلك الخاتم داخل بنصرها.
ذُعِر لظهور ذلك فجأةً فسحب يده متناسيًا أمر ذلك الخاتم، تلاشى كل شيءٍ بعدما سمع صوت ارتطامه بالأرضية الخشبية .. سيصبح مختلًا عقليًا إن لم يتوقف دماغه عن اختلاق كل هذه الأمور قريبًا .. لمَ يعذبه عقله بهذه الطريقة يا ترى؟ ألم يصدق بعد حقيقة كونها رحلت عن هذا العالم أم ماذا؟
التفت وايت نحوه ليجده يحدق في الأرضية بعد أن لفت انتباهه صوت الارتطام ذاك، تمتم بهدوءٍ و دهشة : هل كل شيءٍ بخير؟
غطى برايلين وجهه بيدهِ اليسرى و هو يسحب بعض الأنفاس العميقة كي يتخلص من كل تلك الفوضى داخله و يحاول أن يتمالك نفسه قليلًا، رتّب كلماته بصعوبة كي يرد عليه قائلًا : نعم، لا بأس.
التفت وايت ليعود إلى عمله دون أن يضيف كلمةً أخرى، من الواضح أنه يخوض حربه الخاصة خلال هذه اللحظات .. كيف يمكن لأي شخصٍ تخطي حقيقة موت شخصٍ عاشره حتى أمسى يحفظ أبسط تفاصيله؟
انحنى برايلين ليلتقط الخاتم ثم أعاده إلى العلبة مرةً أخرى، ما كان عليه فتحها منذ البداية إن كان سيتصرف كطفلٍ جبانٍ هكذا.
عاد برايلين إلى الغرفة مرةً أخرى ثم ألقى إليه بالتفاحة التي غسلها كي تستقر بين راحتيه التي جمعهما في لحظة، نظر إليها ثم نظر إلى برايلين الحامل لعصير البرتقال و قال بتعجب : هذا غريب .. هل أنت متأكدٌ من أنهم لم يغسلوا دماغك؟ كل ما فعلته بالأمس و الآن هذا؟ هل تريد الذهاب معي إلى المستشفى لنقوم ببعض الفحوص؟
- اصمت أيها الوغد.
كان برايلين فارجًا ما بين ساقيه ثم أسند مرفقيه عليهما كي يرتكز جسده بأكلمه عليهما و ينظر إلى حيث كانت علبة العصير .. توردت وجنتاهُ بشكلٍ ضئيلٍ للغاية و هو يعاود التذكر بينما يلعن روبرت و أفكاره الخسيسة .. كيف يمكن له أن يراها مرةً أخرى دون أن يسيطر صمتٌ ثقيلٌ على الأجواء كما حصل البارحة؟
لم يرد أن يغادر المنزل .. إلا أنه أراد أن يرى ردة فعلها .. ما هذا التناقض؟ شتم نفسه للحظةٍ و تساءل عن ما يجب أن يفعله لبقية النهار .. لم تتخطَ الساعة الواحدة ظهرًا حتى.
لوهلةٍ سمع صوتها مرةً أخرى و هي تقول : منزلنا الجديد رائع، هذهِ ستكون غرفتي!
هل هذه الجملة التي قالتها عندما دخلا إلى هذا المنزل قبل عشر سنوات .. حسنًا .. اللعنة على هذه الذاكرة.
رفع رأسه قليلًا لينظر إلى وايت الذي كان يأكل التفاحة فجمد الآخر في مكانهِ متعجبًا من النظرة التي عجز عن تفسيرها و قد اعتلت وجه برايلين، همهم مستسلمًا : اخرِج ذلك المفتاح وايت و اتبعني!
___
- إن كان لديك شيءٌ آخر غير هذا الكلام الفارغ فتفضل بقوله، و إلا فأنا مضطرة لأطلب منك مغادرة المكان.
كانت لورين واقفةً بالقرب من طاولتها حيث استندت عليها أثناء قولها لكل ذلك، كيف له أن يتفوّه بكل تلك الترهات؟
نظر إليها و هو يمنع نفسها من الضحك بينما يقول بنبرةٍ لم تخلُ من الدناءة و الخبث : لمَ ترفضين عرضي؟ إن تزوجتني فلن أسمح لجرايدُن بلمسكِ مرةً اخرى كما أنكِ ستُعفين من دفع تلك الضرائب التي فرضتها، أليس ذلك عرضًا عادلًا لكلا الطرفين؟
ضيقت حدقتي عينيها كدلالةٍ على اشمئزازها من هذا القابع أمامها ثم خاطبته بلهجةٍ صارمة : أخبرتك بأنني أرفض عرضك، هل أحتاج إلى تكرار ذلك مرة أخرى؟
تغيرت ملامح وجهه ثم رمقها بنظرةٍ استحست فيها نوعًا من الشفقة بينما يهمس بنبرةِ أسى بدت مصطنعةً تمامًا : لا أستطيع قبول هذهِ الإجابة الفورية يا عزيزتي، لابد أن عقلكِ المسكين يعاني من صدمةٍ نفسية تجعلكِ ترفضين أي رجلٍ بعد كل ما فعله جرايدُن .. خذي وقتكِ في التفكير.
- صدقني سأكون مختلةً إن وافقت على عرضك في المقام الاول، أعتقد أنك تعرف أن يتواجد الباب أليس كذلك؟
من أين اكتسبت كل تلك الشجاعة للتفوه بكل ما نطقته قبل بضعة لحظات، جن جنون قلبها و انتفض عدة مراتٍ حتى ظنت أنه سيكسر أضلاعها بعد قليل .. المزيد من القوة .. قليلًا منها فقط إلى حين مغادرته و من ثم يمكن لكل شيءٍ فيها أم ينهار وحده كما يشاء.
مريضة؟ نفسية؟ هل خلّف فيها جرايدُن هذا؟ بالطبع كلا .. حاولت أن تآمن بذلك .. هي تعاني من اضطرابٍ في ذاتها من قبله لكنه ضاعف من ذلك .. لكنها الآن أوشكت على التخلص من كل شيء .. ستهرب من تلك الشباك مهما كلف الأمر!
- إذًا .. لا تعتمدي على الشهر الذي قدمته لكِ عزيزتي .. تعلمين أنني أستطيع الدخول إلى المكان و الاستيلاء عليه و عليكِ دفعةً واحدة.
نطق بعدما نهض و هو يوجه إليها نظرات محشوةً بالخبث و الشر، اتجه إلى الباب مغادرًا إلا أنه نطق قبل أن يقفل الباب من خلفه : بالمناسبة .. لديكِ ابنةٌ جيدة .. من المؤسف أنها بلا فائدة، ثم غادر تاركًا إياها و هي تكز على أسنانها غضبًا.
لعنته في سرها آلاف المرات و تناست الخوف الذي تلبسها قبل لحظات، كيف يجرؤ على إهانة صغيرتها الوحيدة؟ تمنت لو أن سيلًا من الرصاص يستقر في جسده هو و ذلك اللعين.
انتبهت إلى نفسها للحظةٍ ثم خطت هطوةً إلى الوراء و استندت بيدها إلى المرمر الذي تعمل عليه بعد أن غطت بعضًا من وجهها بيدها الأخرى، ما الذي يحصل الآن؟ هل سيقوم ذلك المجنون بشيءٍ آخر؟
ما الذي عناهُ بكلامه عن كيلي؟ هل عرف بما فعله جرايدُن؟ هل ينوي أن يفعل الشيء ذاته؟ باتت محتارةً أكثر و عاود الخوف التسلل إلى قلبها مرةً أخرى .. ألن يُكتَب لها الشعور بالأمان و لو لفترةٍ قصيرة تليق بصبر هذهِ البائسة؟
_____
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
- كيلي، اصعدي إلى غرفتكِ حالًا!
هتفت لورين بصرامةٍ شديدةٍ حيث أن الموقف لم يحتمل أقل من ذلك، رئيس عصابة الأوغاد تلك قد دخل إلى متجرها وحيدًا .. لن يكون هذا مطمئنًا لأي سيدةٍ عادية!
لبّت كيلي نداء والدتها فنهضت و أطاعتها مباشرةً دون أن تنبس ببنت شفة، حمدت الرب لأن لديها ابنةً ذكيةً مثلها.
رمقت هذا الداخل بنظرةٍ فاحصةٍ كما لو أنها تراه لأول مرة، بشرةٌ قد لفحها الشمس قليلًا مكسبةً إياه سمرةً تكاد تكون ملحوظة، أعينهُ التي صُبِغت بالبني و الحاملة لنظرةٍ خبيثة أرعدت فرائصها لبرهةٍ إلا أنها سيطرت على كل جزءٍ فيها و هي تتأمله أثناء اقترابه من الكرسي المجاور لطاولة الشاي خاصتها.
جلس بهدوءٍ و من ثم نظر إليها مع ابتسامةٍ ضئيلة كان الهدف منها إشعارها ببعض الراحة إلا أنها فشلت في مهمتها حيث أن ملامح لورين قد فضحت عدم ارتياحها لكل ما يحدث، أُعِجب بقدرتها على ضبط الخوف الذي جعل يدها ترتعش للحظةٍ تمكن من لمحها قبل أن تقبض عليها بشدة.
بادرت هيَ بالحديث كي تُخلِّص الموقف من ذلك الصمت البارد الذي كان سيُطِيل من فترة مكوثه هنا : عفوًا؟
أسند ذراعه الأيمن على الطاولة المجاورةِ له كي يتكئ بشكلٍ جيدٍ و هو ينظر إليها ليكرر ما سبق و أدلى به : أنها هنا من أجل صفقة .. ألا تريدين سماعها؟
- و هل لدي الخيار لأرفض؟
نبست بإجابتها و هي تضع الإصيص الذي كان بحوزتها جانبًا بينما تحافظ على مقصها في يدها .. الوضع ضدها مئة في المئة أثناء هذه اللحظة .. هي وحيدةٌ في هذا المكان و لا أحد سيأتي قريبًا فالجميع متواجدون في أعمالهم .. يستطيع أن يفعل ما يحلو له إن أراد ذلك، لكن إن حانت تلك اللحظة فهي لن تستسلم بسهولة و حسب.
أظهر ابتسامةً تدل على إعجابهِ بمنطق جوابها و رد عليها بهدف طمأنتها : إجابةٌ ذكية، مع تلك الملامح و هذهِ النبرة كنتِ لتنفعي كممثلةِ في مكانٍ ما .. أسبق و أخبركِ أحدهم أنكِ جميلة؟
قلبت عينيها باستياءٍ واضح و هي تهمهم كي لا يسمعها : هذا الحديث السخيف مجددًا، نظرت إليه مرةً أخرى بعد أجزاءٍ من الثانية بأعينٍ تتطاير منها الثقة، نطقت بثباتٍ مخفيةً رعشتها الداخلية : أتذكر بوضوحٍ أن الوقت المتبقي لي هو شهر .. هل انتهى أم ماذا؟ كن واضحًا من فضلك.
مال برأسهِ قليلًا إلى جانبه الأيسر ليقول مع ابتسامةٍ مجنونةٍ جعلت أطرافها تتجمد للحظة : أنا هنا .. لأنالكِ أيتها الجميلة.
كبحت أي رد فعلٍ خارجيٍ قد يوضح عباءة الفزع التي ألقيت عليها إلا أنها تراجعت إلى الخلف خطوةً بعد أن عجزت عن السيطرة على نبضات قلبها التي انتفضت للحظةٍ و تداخلت بشكلٍ مؤلمٍ لها.
رمقته بنظرةِ شكٍ توضح أفكارها بشكلٍ بحت، تابع هو الحديث قبل أن تعبر هي عن ما جال في بالها : قبل أن تلوحي بمقصكِ اللطيف هذا فأنا أقترح عليكِ الاستماع لتتمةِ كلامي، إن كنتِ ظننتِ أنني أقصد امرًا آخر لكنت فعلت ذلك منذ زمن .. ما أريده أكثر إمتاعًا.
لم ترُق لها النبرةُ التي نطق بها كل تلك الجمل بلسانهِ القذر إلا أنها لم تؤمن بكونها قادةً على طردهِ من المكان بسهولة، و بسبب كومة المعطيات هذه فقد قررت مجاراتهُ لترى إن كان سيصل إلى شيءٍ يهمها أم لا.
عباءة الصلابةِ المهترئة التي حاولت ارتداءها كانت تروق لهُ جدًا، إنه يفهم الآن سبب اختيار جرايدُن لها و متابعته لها من وقتٍ لآخر .. لديها تلك التعابير المسلية فعلًا.
حاول أن يظهر نبرةً محببةً قدر الإمكان فخاطبها و هو يلوح بيديهِ في الهواء كدلالةٍ على انزعاجه : هل ستتركينني أتحدث دون كوبٍ من الشاي؟ أعني أين هي أخلاقكِ؟ هذا لن يرضيَ زوجكِ المحبوب أبدًا.
تمكن من إفساد طلبهِ بنجاحٍ عندما انسلّت تلك الجملة من بين شفتيه حاملةً أكبر قدرٍ ممكنٍ من الاستهزاء و السخرية الخبيثة.
ما يزال ذكر اسمه يجلعها ترتعد بشكلٍ خارجٍ عن سيطرتها رغم أنها كانت تتدرب على عدم التأثر به، لكن قوله كل ذلك و بتلك اللكنة المخيفة فقد سمح للرعب بأن يغرز مخالبه في قلبها للحظة .. ما الذي ينوي عليه هذا الجالس أمامها يا ترى؟
ردت عليهِ أخيرًا بكبرياءٍ تشبثت بهِ بعنف رغم الزوابع التي نشأت داخلها خلال دقائق قليلة : نفِد الشاي .. هل أتيت لإضاعة وقتي أم ماذا؟
هي أرادت التخلص منه بأسرع وقتٍ ممكن فالوضع لم يعد مريحًا أبدًا، ردها الوقح ذاك جعله يُبرِز ابتسامةً أكثر مكرًا أثناء حديثه : هل هكذا تتحدثين إلى من يريد تخليصكِ من جرايدُن اللعين؟
هذه المرة أخفقت في إخفاء ملامح الدهشة التي استحلّت وجهها فجأة بعدما ما قاله، يُخلصها منه؟ كيف؟ لكن السؤال الذي اعتلى المقام الأول كان .. لماذا؟
أحس بنجاحهِ في اجتذاب انتباهها إليهِ فأردف قائلًا بنبرةٍ لها مغزى غير واضح : أما زلتِ غير راغبةٍ في إعداد بعض الشاي؟ لدينا حديثٌ طويلٌ لنخوضه!
___
- إنها مجنونةٌ كليًا.
همس برايلين بتلك الجملة عدة مراتٍ منذ أن دخلت فولڨيا ساحة القصة التي كان يرويها وايت.
جزءٌ منها أراد رفض ذلك، كل ما تفعله مبالغةٌ كبيرةٌ من أجل مشاعر تكاد تكون لحظيةً و حسب، لكن الجزء الأكبر منها قد تطلع إلى الذهاب و بشدة أيضًا .. فبالإضافة إلى مشاعرها المضطربة لابد أن الأمر سيكون مثيرًا للغاية .. لربما يحصل ما هو ممتعٌ أيضًا و تتمكن من تسديد نقطةٍ أخرى أمام أولئك البلهاوات بعد أن عقدت العزم على رد كيدهن عليهن.
لكن ماذا إن اعتقد وايت أنها امرأةٌ مبتذلة تحشر أنفها في ما لا يخصها؟ كان هذا يؤرقها بشكلٍ ضئيل إلا أن له تأثيرًا لا بأس به على قلبها المحتار.
- إذًا، ما جوابكِ؟ نطقت جليندا مذكرةً ڨيا بحقيقة انتظارها هنا.
في الواقع هي خاضت الكثير من التجارب، ما المانع في خوض هذه أيضًا؟ حتى و إن فشلت و انتهى الأمر بها مكروهةً من قبل وايت فهي على الأقل تمكنت من إرضاء ذاتها .. حاولت إقناع ذاتها بذلك بعد أن أومأت و أبدت ملامح وجهها الموافقة و الاستعداد لكل ما هو آتٍ!
___
- لورين، عرفتُ اسمكِ الجميل هذا منذ فترةٍ قصيرة .. على كلٍ لدي عرضٌ لكِ، أتريدين الاستماع إليه؟
سرت قشعريرةٌ موجعةٌ في أطراف كيلي بعد سماعها لتلك النبرة الباردة و المفزعة إلا أنها سرعان ما سمعت صوت والدتها و هي تأمرها بالتوجه إلى غرفتها فورًا، فما كان منها إلا الانصياع لها و هي تدعو الرب بأن ينتهي هذا على خير.
هذا الصوت المألوف ذكرها بأولئك الذين اقتحموا المكان ليلًا منذ فترة، تلك العصابة اللعينة التي تطالب والدتها بالمال منذ أشهر.
لكن هذه المرة كان وقع الأقدام يدل على أن الداخل كان شخصًا واحدًا، هل أتى أحدهم دون إرادة رئيسه أم ماذا؟ تساءلت للحظةٍ أثناء دخولها إلى الغرفة إلا أن أفكارها الطفولية تلك لن تساعد والدتها في ذلك الموقف قدر أنملة!
___
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
الآن ما الذي يجب أن تفعله؟ لقد قامت بكل شيءٍ ممكنٍ لإضاعة الوقت حتى نفدت خياراتها .. كان من المستحيل عليها الذهاب إلى غرفة الممرضات فرؤيتها لهن تعني أن حربًا طاحنةً على وشك أن تقام، في الوقت الحالي قررت العودة إلى مكتبهِ آملةً أنه قد وصل إلى هناك بطريقةٍ ما أو أن أحدهم ترك شيئًا ما ليدل على ما حل به.
لمَ أرادت مقابلته باستماتةٍ هكذا؟ كان من الطبيعي أن تسأل نفسها هذا السؤال إلا أنها فشلت في إيجاد إجابةٍ له .. لم تُرِد أن تتسرع في حكمها على كل ما يحدث داخلها إلا أنها كانت مستمتعةً نوعًا ما بكل ما يحدث.
لقد اعتادت على إهانة كل من يفكر بالسخريةِ منها حتى باتت رؤية وجوههم المحرجة و الغاضبة في الوقت نفسه أمرًا مملًا بالنسبة لها .. كان عليها أن تشكر الرب من أجل كل هذهِ الإثارة.
عندما أصبحت تسير في الممر المطل على مكتبه لاحظت أن الباب كان مفتوحًا فرفرف قلبها للحظةٍ إلا أنها عاودت ضبط نفسها رغم الابتسامةِ العريضة التي استولت على وجهها، عجزت عن إزالتها عندما تذكرت أن تلك المدعوة هِلاني ستذهب إليه كما زعمت لكنه الآن ها هنا موجودٌ على بعد بضعة خطوات.
وقفت أمام الباب أخيرًا لتجد امرأةً قصيرةً بعض الشيء و هي تلف شعرها الأسود على هيئة كعكةٍ حيث كان الشيء الوحيد المميز في ظهرها المواجه للباب.
التفتت هذهِ الواقفة لتنظر إلى فولڨيا بنظراتٍ رتيبةٍ تكاد تكون أقرب للبرود، تفحصتها بأنظارها بينما كانت تحت تأثير تحطم خيالاتها عن كونه موجودًا، نطقت هذهِ الغامضة أخيرًا : عذرًا على القدوم بهذهِ الطريقة، أردت أن أرى إن كان السيد والكر قد حضر أم لا لكن يبدو أنه لم يفعل، و الآن علي العودة لعملي، آسفة لهذا مرةً أخرى.
انسحبت هذهِ الغريبة في لحظة فلم تتمكن ڨيا من قول شيءٍ ما، لم تعرف بالضبط ما يجب قوله خلال تلك الأثناء حيث أنها لم تشعر بالتقزز منها كما يحدث مع أولئك الحمقاوات، هل هي شخصٌ طبيعيٌ مثلها؟
لم تنتبه إلى الاسم الذي كان مدونًا على بطاقتها التعريفية مما جعلها تشعر بالاستياء لخسارتها فرصة الحديث مع أحدهم، البقاء دون فعل شيءٍ محدد كان أمرًا مزعجًا بالنسبةِ لها.
سبق و أن أخبرتها تلك المدعوة بهِلاني أنها ستذهب لزيارته، لكن أين بالضبط؟ لا يمكن أن يكون في ذلك المنزل الذي احتوى خط هاتفٍ مقطوعًا فهو لا يمكن له أن يسمح بتسيبٍ كهذا حيث بدا حازمًا للغايةِ بالنسبة لها.
أما المنزل الثاني فلا يمكنه سماع الهاتف يرن و من ثم يتجاهله مقررًا عدم الإجابة فهو طبيبٌ في نهاية المطاف حيث يمكن للمتصل أن يكون مريضًا يعرفه .. إذًا إلى أين ذهبت؟
أرادت أن تعرف ذلك بشدة لكن مصادرها المحدودة لم تمكنها من المساعدة، خطر في بالها أحد الأطباء الذي كان أخذ مناوبةً ليليةً معه ليلة البارحة، في أغلب الأحيان كانا يقفان سويةً كما رأت في الجدول البارحة فقررت الذهاب لسؤاله.
قابلها ذلك الرجل بنظرات القرف نفسها و هو يخبرها بأنه لا يهتم بمكان زير نساءٍ مثل ذلك الطبيب المتعجرف، لقد بدا مكروهًا لكنها لم تتوقع هذا الحد من الكره.
زير نساء؟ هل تم نبذه فقط لأنهن يحُمن حوله كالذباب المزعج؟ كانت هذه حماقةً كبيرة منهم إلا أنها لم تملك مم أمرها شيئًا سوى المغادرة.
انسحبت من عند ذلك الطبيب لتمر في أثناء سيرها بغرفةٍ اجتمع فيها بعض الأطباء و قد بدوا كما لو أنهم يتسامرون دون أن يمتلكوا أي مهام، حذفت فكرة الحديث إليهم من رأسها عندما رأت ملامح وجوههم و كيف تغيرت لمجرد مرورها من أمام بابهم المفتوح .. بدا الجميع متناغمين سويةً لكن طبيبها كان الوحيد الخارج عن هذا التناغم.
وخزها قلبها أثناء سيرها عائدة بخيبةٍ إلى مكتبه، لسببٍ ما فإن شعورها بأنها لن تراه قريبًا بدا أمرًا مزعجًا لها .. بدأ ذلك يصبح مربكًا بطريقةٍ غير مريحة فعلًا.
عليها أن ترتب أفكارها إن كانت تطمح للمحافظة على أمارات وجهها المستفزة بكفاءتها المعتادة، إذًا ما الذي يحدث داخلكِ ڨيا؟
لمَ كل هذه المبالغة في رد الفعل؟ ليست أول مرةٍ ترى فيها رجلًا وسيمًا على أية حال.
حتى تلقي المعاملة المحترمة لم يكن بالشيء الجديد عليها، لكنه يحدث في أوقاتٍ نادرة إلا أنها لا تستطيع إنكار مرور بعض الأشخاص الجيدين عليها في حياتها على الرغم من أن جميعهم بدوا و كأنهم مجبرون على التعامل بهذا الشكل .. ربما لأنها كانت غنيةً ذات يوم؟
تـحت سمـاء واحـدة
إن أرادت أن تكون صادقة فقد استشعرت الفجوة في قلبها منذ فترة طويلة، هل تحاول ملأها بأي شيءٍ أم ماذا؟ هذا لم يكن جيدًا أبدًا لكنها لم تمتلك أي تحكمٍ في نبضات قلبها المضطربة.
في المقابل فعليها أن تعترف، لديه ابتسامة جميلةٌ بغض النظر عن شعره الأشقر المصفف بطريقةٍ فاتنة و طوله الفارع شيءٌ لا يمكن تجاهله، منكباه العريضان و نظرته الواثقة .. لكن مهلًا .. لمَ باتت تفكر بهذه الطريقة فجأةً؟ لابد أنها الطريقة الغبية التي يفكرن بها جميع الموجودات هنا فلعنت نفسها لعلها تعود إلى رشدها.
هو أمِل في أن ذلك قد يدفع أحدهما للحديث و لو عن طريق الصدفة إلا أن برايلين رد عليه بشكلٍ صدمه بعض الشيء : قد نفعل ذلك، لكن ألا تعتقد أن هناك شيئًا أهم تريد قوله؟
زفر وايت ثم نظر إليه و تكلم كما لو أنه يعرف أن شيئًا ما يؤرقه هو الآخر : أليس الامر نفسه معك؟
- توقف عن إضاعة وقتي يا رجل!
نبس برايلين باستياءٍ مصطنع إلا أنه لم ينطلِ على وايت حيث تحدث بابتسامةٍ ماكرة : حسنًا حسنًا أيها الراقص السيء، هيا أخبرني بكل ما فعلته البارحة كي نتمكن من بدء هذا بشكلٍ صحيح.
رمقه برايلين بنظرات انزعاجٍ حادة بينما يصرِّح : هل سبق و أن قلت أنني أكرهك؟
قهقه وايت على رد فعله هذا و شعر بأنه نال منه إلا أنه نطق ساخرًا : لقد فقدت عد المرات منذ سبع سنوات، و الآن هيا .. كلي آذانٌ صاغية.
لسببٍ ما شعر برايلين بأن عليه أن يكون أول من يتحدث، لكن كيف سيحكي كل ما مر في الأمس دفعةً واحدة؟ البارحة كان أطول يومٍ يمكن له أن يحظى بهِ أن كانت أيامه رتيبةً و عاديةً بشكلٍ لا يصدق.
لعن وايت عدةً مراتٍ في سرهِ بينما يدفع بعض الهواء إلى رئتيه استعدادًا لسرد أحداث يومهِ التي كانت مشبعةً بالمفاجآت.
- ماما .. هل السيد براي بخير؟
سألت كيلي بصوتٍ بللهُ القلق حيث كانت قد علمت أن الوقت قد تجاوز الثانية عشرة ظهرًا دون أن يكون له أي أثر، لم يكن هذا من عادته.
ردت عليها لورين محاولةً طمأنتها رغم أن أفكارها الخاصة كانت قد مزقتها بأطرافها الحادة : لربما هو متعبٌ بعد مساعدتنا في إصلاح المتجر و اللعب معكِ، نحن لسنا من أولوياتهِ على أيةِ حال.
في الواقع هي كانت مرتعبة، مرتعبةً جدًا من أن لا تراه مجددًا رغم فعلها الأحمق البارحة، قد يبدأ بتجنبها فعلًا .. لربما هي تسببت له بشيءٍ غير مريحٍ أبدًا بعد ذلك.
تساءلت إن كانت ستتمكن من النظر إليه بشكلٍ طبيعيٍ مجددًا فقد باتت نبضات قلبها تضطرب لمجرد مرور صورته في ذاكرتها، لعنت نفسها و هي تتذكر كل شيءٍ ثم همهمت بشيءٍ من الوجع : لم يكن من المفترض أن يحدث هذا، يالكِ من طماعة.
هل الأيام القادمة ستكون بخير؟ كان ذلك أكبر سؤالٍ يخطر على بالها فقد بدا التكهن بالمستقبل أمرًا مستحيلًا مع كل ما يحدث من تغيرات مخيفةٍ من حولها.
بعد أن أدلت والدتها بإجابتها فقد كان الصمت كل ما تسمعه لفترةٍ من الزمن حتى سمعت والدتها تهمهم بشيءٍ ما، لأول مرةٍ لم تتمكن من أن تسمع بوضوحٍ ما قالته إلا أن آخر كلمةٍ قد توضحت حيث كانت : طماعة.
طماعة؟ من قد يكون طماعًا؟ والدتها دومًا ما تتحدث عن نفسها عندما تهمهم هكذا فهل كانت تعني نفسها بذلك؟ بعد أن تخلت عن الكثير من الأشياء لحمايتها و تقديم كل ما تحتاجه عالةٌ مثلها هي تسمي نفسها طماعة؟
أحست بأن والدتها تظلم نفسها كثيرًا و كثيرًا جدًا إلا أنها لم تتمكن من الرد الآن لأنه لم يكن الوقت المناسب لهذا، هناك شيءٌ ما خاطئٌ في صوت والدتها منذ أن سمعته .. هل سارت الأمور بخيرٍ مع برايلين البارحة أم أن شيئًا آخر قد حدث و والدتها تحول إخفاء الأمر عنها؟ هل لهذا علاقة بتأخر برايلين؟
بعد دقائق قليلة من الهدوء تسلل صوتٌ لئيمٌ و مألوفٌ للغايةِ بالنسبةِ للورين حيث كان يقول : هل لي بدقيقةٍ من وقتكِ أيتها الجميلة؟
___
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
نطق برايلين بعد أن جهز سؤاله سابقًا حيث كان يعلم أن ممرضات ذلك المسشتفى كُنّ يزعجنه كثيرًا، سبق و أن أخبره ببعض المواقف غير السارة بالنسبة له.
هزّ وايت رأسه كي يبعده عن هذا الموضوع و هو يقول باندفاعٍ لم يتمكن من كبحه : كلا ليس كذلك!
- إذًا ماذا؟ هل حضرت ممرضةٌ جديدةٌ و فعلت ما يفعلنه و حسب؟
أطلق سؤالهُ الأخير عندما أحس بأن ارتباك وايت قد زاد، تحدث مع ابتسامةٍ عجز عن منعها من الظهور : كم أنت شخصٌ متوقع.
انزعج هذا الواقف من طريقة إلقاء برايلين لكل تلك الأسئلة بعد أن كان واضحًا أنه لا يريد الحديث في كل هذا، حتى نبرة صوته قد أزعجته و زادت من ضيقه.
أخيرًا نطق باستياءٍ رغم الجملة الساخرة التي قالها : آسف سيد راقص فاشل لأنني شخصٌ متوقعٌ كما تقول.
- لمَ نحن نتحدث عن هذا فجأةً؟
مضت برهةٌ من الصمت تلاها سؤال برايلين الساخط ذاك مستعيدًا به ما حصل البارحة بصورةٍ مزعجة و مستفزة له.
حرك وايت يديهِ كدلالةٍ على عدم معرفتهِ و هو يقول بملامح غير مهتمة : كنت تحاول إغاظتي، هل تتوقع مني أن أقف صامتًا و أنا أتلقى هذا؟
غطى فمهُ بعد أن هربت ضحكةٌ صغيرةٌ من بين شفتيهِ و هو يتذكر ما حصل البارحة، عرف برايلين ما كان يخطر في باله فصرخ بقلةِ صبر : اخرج من هنا!
نظر إليه وايت متعجبًا فسمعه يكرر أمره، رمقه بنظراتٍ متسائلة إلا أنه خرج و هو يصرخ بكلماته و كأنه يحاول تفجير استيائه من كل شيء بتلك الطريقة : حسنًا .. آمل أن تكون زوجًا صالحًا.
تمتم برايلين بضيقٍ بعد أن سمع صوت الباب و هو يرتطم بعنفٍ لخروج وايت منه : تبًا لك أيها اللعين.
سكن الهدوء بينهما لفترةٍ غير محددة تساءل خلاها برايلين عن ما يدور داخل عقل ذلك الأبله .. لقد كان يحاول المساعدة على أية حال!
هل كان صعبًا عليه إلى هذا الحد أن يخبره بكل ما يحدث معه أم ماذا؟
- أريد بعض الفكة.
سمعه يصيح فجأةً من مكانٍ لم يعلم ما هو.
رد عليهِ بصراخٍ مشابهٍ له لكنه كان يحتوي غضبًا أكبر : ابحث في المطبخ أيها الوغد و لا تُرِني وجهك.
حسنًا .. ما الذي حدث قبل بضع دقائق؟ سأل نفسهُ و هو يتأمل الباب أمامه .. كان يحاول المساعدة فكيف انتهى بأمرهما يصرخان على بعضهما البعض؟
هذا يحدث من وقتٍ لآخر لكن لمَ الآن من بين كل الأوقات؟ لم يكن هذا الشجار السخيف هو ما يحتاجه بعد كل ما أصابه.
- تبًا.
لعن نفسه عدة مراتٍ عندما قرر أن يظهر بدور المتفهم .. لقد أفسد الأمر عندما حاول إصلاحه، هل هناك من هو أسوأ منه؟
ضرب سريرهُ بيدهِ ثم ما لبث أن سمع صوت بابٍ من الخارج و هو ينصفق كدليلٍ على خروج أحدهم منه.
___
- اللعنة .. منذ متى و هو عنيدٌ هكذا؟
نبس وايت بتلك الجملة و هو ينزل على السلالم خارجًا من المبنى.
نظر إلى الفكةٍ الموجودة في يدهِ و التي تكاد تكفيهِ لإجراء اتصالين في إحدى كبائن الاتصالات.
شتم برايلين لأنه لم يدفع فاتورة هاتفهِ رغم أنه ذكّره عدة مراتٍ بضرورة تسديدها كي يتمكن من الحديث معه بدلًا من أن يضطر لقطع مسافةٍ طويلة لأجل بعض الأسئلة الروتينية.
سار قليلًا حتى دخل إلى أول كبينة هاتفٍ رآها ثم أدخل قطعهُ النقدية ليجريَ اتصاله الأول حيث قرر أن يكون مع المصحة التي كانت تستضيف والدته المصابة بالزهايمر، هو لم يزرها منذ عشرةِ أيامٍ و كان هذا مخالفًا لما اعتاده.
جرت المحادثة بشكلٍ رسميٍ بينه و بين ممرضة الاستقبال حيث أخبرته أن لا جديد في حالة والدته إلا أنها منذ فترةٍ بدأت تشعر بأن شيئًا ما ينقصها، بالطبع لم يفهم وايت ما تعنيه حيث كان ذلك المكان يوفر لها كل شيء.
فهم أخيرًا أنها كانت تفتقد صديقها حيث كان قد عرف نفسه لها على أنه كذلك، لم يُرِد تعقيد الأمور إن أخبرها بأنه ابنها حيث أنه سبق و أن حاول إطلاعها على ذلك فأخذت تنكر ذلك و ساءت حالتها حتى أقلع عن محاولةِ إخبارها ذلك .. كان سعيدًا برؤيتها مبتهجةً و متخففة من كل الأحمال التي قد تعكر صفو مزاجها.
أنهى مكالمته ببعض عبارات الشكر لتلك الممرضة فردت عليه بالمثل ثم أغلقت هي الأخرى، تأمل وايت السماعة للحظةٍ و هو يسأل بعد أن شعر بالضيق يجتاح قلبه فجأةً لتذكره أمر برايلين : يا ترى كم ستدفع حتى تتمكن من سماع صوتها مرةً أخرى؟
زفر بضيقٍ محاولًا إزالة ذلك الحزن الذي خيم على قلبه بشكلٍ مفاجئ ثم قرر الاتصال بمكتبهِ حيث ستكون ڨيا في انتظاره بكل تأكيد، لابد أنها لم تفعل أي شيءٍ منذ الصباح فأخذت تشتمه لكسله و تغيبه عن العمل دون أن يرسل أي عذرٍ إلى المستشفى .. كان عليه الاتصال مبكرًا أكثر إلا أن ذلك الهاتف المعطل في منزل برايلين لم يعاونه على ذلك.
بعد أن أدخل الأرقام فقد رنّ الهاتف كثيرًا إلا أن لا أحد رفع السماعة، هل مكتبه فارغٌ يا ترى؟ تساءل إن كانت قد تخلفت عن العمل هيَ الأخرى.
خُيِّل له أنها أيضًا قد تأخرت في النوم بسبب أفكارها عنه و عن كونه غريب أطوار إلا أنه هزئ بنفسه و هو ينبس بخفة : ليس الجميع بتعقيدك هذا فلا تتعجل أيها الأبله.
بالكاد تمكن من إيقاف قهقهته الممتابعة على غباوة من يملكهم تحت سلطته، تمتم و هو يلقي بالمسدس داخل الدرج مرةً أخرى : يا إلهي، إنهم يزدادون حماقة و حسب.
تذكر أمر ذلك الرجل الذي بدأ يحشر رأسه في شؤون زوجته المحبوبة مؤخرًا، نبس باسمه بتأنٍ و تأمل : برايلين .. كارتر.
لمَ يبدو الاسم مألوفًا بالنسبة له؟ تساءل للحظةٍ ثم سحب إطار الصورة الذي كان أمامه و أخذ يتأملها مع ابتسامة ماكرة لم تكن لتريح أحدهم، نطق أخيرًا و هو يمرر إبهامه على صورتها : لنرى إن كان سيُمتعني كما تفعل محبوبتي .. لأنه إن لم يفعل فسأتأكد من إيلامِهِ بشكلٍ يساوي اقترابه منها، تنهد ثم تابع حديثه بشكلٍ لا مبالي و هو يخفي انزعاجه من تصرفاتها الطفولية : أعني كيف يجرؤ الحمقى على الاقتراب منها؟ إنها ملكي .. و لمَ هي حمقاء تسمح لهم بالاقتراب مما هو لي من الأساس؟
نظر إلى تلكما العينين الذابلتين في الصور فاتسعت ابتسامته ثم ألقى بها وراء ظهره كي تصطدم بالحائط و تسقط مهشمة على الأرض.
سحب آخر درجٍ من مكتبه ليخرج إطارًا مطابقًا لسابقه ثم أسند ظهره على كرسيهِ بأريحيةٍ تامةٍ و هم بمكر : لأتركهما يعبثان قليلًا .. هل سيكونان ندًا لي يا ترى؟ لا يمكن .. ثم أخذ يقهقه في المكان بشكلٍ أفزع بعض الماريين بالقرب من حجرته التي كانت ما تزال مغلقةً عن مرأى العيان.
أجرى بضعة اتصالاتٍ لتنظيف كل تلك الفوضى التي حلت في مكتبه ثم غادر مكتبه ليحضر اجتماعًا كان قد خطط له سابقًا حتى تخطى الوقت منتصف الظهيرة.
أثناء قيامه بكل أعماله المعتادة برفقة مساعديه البسطاء كان عقله قد عقد العزم على زيارة فراشتهِ مرةً أخرى و تكبيلها بأغلال ملكيته المطلقة لإعادتها إلى غياهب الجحيم التي افقتدتها كثيرًا!
_
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
حاول أن يبرر فعله حيث كان هناك سببٌ محدد فتعجل في إظهاره : لدي قريبةٌ تعيش بالجوار من منزل السيدة، و عندما أغلقت متجرها قررت المرور و الاطمئنان عليها بما أن عملي قد انتهى.
كان جرايدُن يعبث بالقلم متجاهلًا الفزع الذي يسيطر على كل خليةٍ في جسد الواقف أمامه، عاد لرسم تلك الابتسامة المخيفة ثم رفع رأسه نحوه و هو يقول مطمئنًا إياه : ما بك؟ تابع أيها المطيع.
عجز عن ازدراد ريقه فنطق سريعًا قبل أن يقع في ورطةٍ أكبر : خرجت مع الصغيرة ثم ذهبت و وضعتها عند ذلك المخبز الذي كانت تتردد عليه منذ فترة.
و لأنها فشلت في إيجاد عربة أجرةٍ في ذلك الوقت المتأخر فقد مشت خلال ستةِ شوارع حتى وصلت إلى حانةٍ مغمورةٍ.
في الليل وحدها إلى حانة؟ ما الذي دفعها إلى ذلك؟ تساءل جرايدُن للحظةٍ فأعطى رجله نظرات تنم عن اهتمامه فتابع : بعد دخولها لم أتمكن من رؤيةِ شيءٍ حيث أنني لم أدخل معها، بدا لي أن المكان كان ممتلئًا و جميعهم يعرفون بعضهم مما سيكون مثيرًا للريبة إن دخلت وحدي.
هي لم تشرب من قبل في حياتها إلا إن هو أجبرها على ذلك في حفلاته التي كانت تحضرها مجبرةً، تساءل عن ما تغير داخل عقلها و هو يردد بعده ساخرًا : مثيرٌ للريبة إذًا؟ ثم ماذا؟ هل سارت كالمجنونة إلى منزلها بعد أن ثملت؟
هزّ رأسه نافيًا ذلك فتعجب جرايدُن من هذا، إن لم تذهب هناك لتشرب فما الذي فعلته تلك المخبولة في هذا الوقت المتأخر و في هكذا مكان؟
تلعثم الرجل لوهلةٍ إلا أنه نطق أخيرًا : لقد خرجت مع ذلك الرجل نفسه، كان معهما رجلٌ أشقر آخر و قد استقل الثلاثة عربة أجرة حيث مرّ صاحبها بالقرب من ذلك الشارع صدفةً، أنا واثقٌ أنهم لم يكونوا ثملين.
نهض من على كرسيهِ الدوار ثم اتجه نحو الواقف و هو يقول بملامح هادئة لا توحي بأي شيء مما أخاف ذلك الرجل أكثر : هكذا إذًا .. ذكرني تيلفورد كيف فشلت خطتكم في اختطاف تلك الحشرة؟
ارتعشت أوصال تيلفورد في ثانية واحدة و هو يتذكر أن جرايدُن لم يعلق كثيرًا على فشلهم الفادح في اختطاف تلك الصغيرة، الآن هو عصى أوامره مرةً و فشل في تنفيذها مرة أخرى .. هل سينتهي أمره في اللحظة التي تطأ فيها قدمه خارج مكتبه؟
أخذ جرايدُن يسير بالقرب منه و هو يتأمل تفاصيل الخوف الذي زرعه بسهولة فيه، كانت رؤية كل هذا ممتعةً بطريقةٍ أو بأخرى .. وجب عليه شكر فراشته و ذلك الرجل الغريب على إمتاعه إلى هذا الحد لكن ذلك لم يكن الوقت المناسب للتفكير بكل هذا.
اعتقد ذلك المسكين أن سيده يتأمله ليختار المكان الذي ستُطلَق عليه الرصاصة الأولى أو أي طرق التعذيب ستكون أفضل له؟ لقد سمع الكثير عن ما يحدث لكل من تولى مهمة مراقبة زوجته المجنونة.
كانوا كل بضعة أشهرٍ يتغيرون و يُكتَشفُ لاحقًا أنهم أموات بكل بساطة، لا يعقل أن جميعهم كانوا يرتكبون الخطأ ذاته حتى يموت الكثير على مدى أربع سنوات .. هل ارتكب الخطأ نفسه يا ترى؟
هو لم يعلم، و لا أحد كان ليعلم لمَ هو يقوم بقتلهم لأن ذلك لن يخطر على بال أحدهم بكل بساطة.
منذ أن حظيَ فهو قد وضع قاعدة أساسية و بسيطة .. جميع من يطيلون النظر في فراشته كانوا سيقومون بأمورٍ سيئة لها .. الفراشة الجميلة تجذب أنظار البشر الضعفاء، و كونها وحيدة فقد كان يجب عليه أن يتأكد من أن أحدهم لن تسوّل له نفسه فكرة الاقتراب منها أو التفكير فيها حتى، فهي أولًا و أخيرًا ملكه .. إن كان أحدهم سيصيبها بأذى فسيكون هو و لا أحد سواها.
- آسفٌ لذلك مجددًا سيدي لكننا كنا متأكدين من أن ذلك الرجل لن يعود قريبًا حيث استقل قطارًا إلى وسط المدينة، توقعنا أن لديه ببعض الأمور ليقضيها و لن يعود قريبًا إلا أنه قد عاد فجأةً و رأى إڨوري و هو يحملها ثم خاضا صراعًا عنيفًا انتهى بخسارته.
و دون سابق إنذار انتشرت قهقهاته في المكان على كل ما سمعه دون أن يفهم تيلفورد سبب ما يحدث، تمنى لو أن الأرض تنشق لتبتلعه بدلًا من هذه المواقف التي أتلفت أعصابه من التوتر، سمع جرايدُن و هو يقول ساخرًا : في كل مرةٍ أتذكر أن ذلك الهزيل نال من إڨوري تصيبني نوبة من الضحك يصعب علي إيقافها .. لابد أن لديه قوة وحشٍ في قبضتيه تلك.
أظهر ذلك الرجل ابتسامة هزيلة دون أن يدريَ كيف يجيب على رئيسه، أحس بأن سكينًا ستغرس في ظهره بعد أن توقف جرايدُن خلف ظهره فجأةً حيث كان يسير قبل قليل، تمتم بجزعٍ راجيًا إياه : سيد جرايدُن الرحمة من فضلك .. لدي عائلة.
ابتسم جرايدُن بعد أن سمع توسله المثير للشفقة ثم سار بخفةٍ حتى وقف أمام مكتبه و استند بيديهِ عليه، نطق و هو يبتسم بشكلٍ قد يبدو لطيفًا لشخصٍ لا يعرف حقيقة الوحش المختبئ خلفها : و أنا أيضًا أمتلك واحدة، إنهم متعبون جدًا لذلك أنا أفهمك و لكن هذا ليس ما نتحدث عنه الآن.
لكن إن فكر بالأمر للحظة .. هي لم تطلب منه شيئًا .. بعد .. لكنها ستفعل ذلك قريبًا .. أكّد عقله ذلك رغم الشك الذي كان ينمو داخل قلبه.
- هل تعلم؟ إن لاحظت .. فهي لم تطلب منك المساعدة أبدًا.
تمتم هو مجيبًا على أسئلة عقله كما لو أن قلبه قد أملاه ذلك الجواب.
نعم .. هي لم تطلب المساعدة .. إذًا لمَ كان يساعدها؟ لمَ فعل ذلك؟ لمَ اندفع إلى الداخل و حاول باستماتةٍ إنقاذ كيلي من براثنهم؟
هل لأنه أراد إرضاء نفسه و حسب؟ لم يرد أن يشعر بالذنب بعد أن ترك تلك الطفلة تلقى حتفها .. فقط؟ هو لم يكن متأكدًا من ذلك.
لمَ هلع قلبه عندما أحس بأنها لن تستيقظ؟ لمَ استمر بالقدوم و حسب؟ شيءٌ ما كان يخبره أن يفعل .. لكن ما هو؟
احتاج لإجابات .. التفكير في كل هذا كاد أن يمزقه .. أفكاره شائكة عادةً لكنها اليوم ترتدي حلةً مختلفةً تمامًا .. لكنها ما تزال مخيفة على أيةِ حال.
تزينت بالكثير من الألم كما هي العادة لكن شيئًا آخر كان قد غلفها هذه المرة .. شيء لم يدرك ماهيته بعد.
انزلقت من يدهِ زهرة تباع الشمس فجأةً حتى سقطت على التراب بالقرب منه، هو فقد إحساسه بوجودها منذ فترةٍ إلا أنها و باستجابتها للجاذبية فقد نجحت في صرف انتباهه عن ذلك الكم الهائل من الأسئلة التي كاد تغرقه.
تأملها للحظة ثم أدرك شيئًا كان قد غفل عنه، أدرك سبب انجذابه لتلك الباقة الموجودة في منزله و وقعها الغريب على قلبه.
لطالما أحبت أمه زهور تبّاع الشمس، كانت تزرع بعضًا منها في فنائهم الخلفي .. كيف غاب ذلك عن باله؟
إذًا .. هل كان وجود تلك الزهور مصادفة؟ أم أن تلك السيدة قد تعمدت إرسال تلك الباقة مع هذه الزهور لتذكره بوالدته أو لتحاول بيأسٍ إحياء ذكراها بطريقة خاصة؟
التقطها بيدٍ مرتجفةٍ ثم وضعها على القبر، لاحظ سقوط قطرةِ ماء بالقرب من يده فرفع رأسه لينظر إلى السماء التي تلبّدت ببعض الغيوم فتساءل للحظة .. أي الشيئين كان أكثر تلبدًا؟ تلك السحب العائمة في الهواء أم أفكاره الغارقة في أعماقه؟
رفع يده بهدوءٍ و تأنٍ نحو وجهه و هو يخشى من حدوث ما كان يفكر فيه إلا أن السماء قد فاجأته بمساندتها له، لم يعلم إن كانت تلك القطرة مجرد دمعة متمردة عن صديقاتها أم أنها كانت الأضحية لبدء عهد جديد يتصلح القلب و العقل فيه .. و لربما كانت مساندة إلهية لردع هذا العقل عن السقوط في بؤرةٍ من الأسئلة المجنونة و اللامتناهية.
رغم أن المطر كان خفيفًا إلا أنه كان عليه العودة بسرعة قبل أن تبتل ملابسه بالكامل، ستفضح ملابسه المبللة أمره لوايت .. إنه لا يريد إقلاق جدهِ العجوز في نهاية المطاف.
أثناء نهوضه فقد لمح القبر المجاور لها حيث كان فارغًل، سبق له و أن اشتراه عندما كان يمتلك رغبته العارمة في الموت .. لأنه و بكل بساطة فقد بدا الموت كالنعيم إن قارنه بحجم الألم الذي اقتات على روحه لفترة طويلة.
لكن .. ما الذي يشعر بها الآن؟ كان ألمًا بلا شك لكنه يبدو مختلفًا .. ممزوجًا بشيءٍ آخر غير واضح.
لم يكن بإمكانه البقاء واقفًا أطول حيث أيقظته قطرات المطر المتراكمة على وجهه لتذكره بأهمية السرعة في المسير حتى يصل قبل أن يبتلّ بالكامل.
خلال سيره عائدًا إلى المنزل فقد استأنف ترتيب أفكاره للمرة التي نسي رقمها .. هو يمتلك الكثير من الأفكار و كان ذلك مخيفًا إلى حدٍ ما.
بعد أن أدلى بكل ذلك هناك فقد شعر ببعض الراحة تعانق روحه ببطء .. لم يكن ما فعله غبيًا على الإطلاق لكنه لم يكن منطقيًا أيضًا مما جعله محتارًا لوهلة.
تلك الطفلة و والدتها، هما غريبتان و لا يمكن لأحدهم مجادلة هذا الأمر معه .. لكنهما و دون شكٍ جيدتان .. أو هذا ما أراد الإيمان به.
سيترك الأمور على ما هي عليه الآن .. فعلى كلٍ هي لم تكم سيئة بهذه الطريقة منذ البداية.
تمتم هازئًا بحاله بعد أن دخل إلى منزله مرةً أخرى : هل هذا ما فعلته مجموعة من العبارات و باقات الزهور المنسقة؟ يا لك من ضعيف.
عند التفكير مليًا في الأمر فتلك العبارات لم تكن عادية .. كانت منها .. و تلك الباقات لم تكن بالشيء الهين ليتجنب أحدهم جمالها الملفت للأنظار .. كانت تلك مقارنةً غير عادلة .. لن يكون بشيءٍ عاديٍ ذلك الذي يلفت غريب الأطوار هذا.
إنه يتصرف كمراهقٍ الآن لسببٍ ما، بدا ذلك مثيرًا للسخرية بشكل مرير و محزن.
____
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
📚شطر من نور📚
الفصل ( السادس والخمسون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- آمل أن اليوم الأول لصغيري في الثانوية قد كان مميزًا .. لا تنسَ! ستبقى صغيري إلى الأبد.
تلك الجملة سببت له نوعًا من القشعريرة الغريبة، لم يعرف أن سببها كان نسمة هواءٍ عابرة بالقرب منه و التي قررت أن لحظة خروجه من تلك الذكرى قد حانت.
- أخبرتك أن لا تخرج دون أن ترتدي بعض الملابس فالجو باردٌ في الخارج.
عاد صوتها للطوفان داخل رأسه مرةً أخرى .. إلى متى سيطارده هذا الصوت يا ترى؟
لم يكن بصوت شبح .. بالطبع لم يكن كذلك، بل كانت جملًا اعتادت هي على قولها له كي يعتنيَ بنفسه .. لربما يتوقف هذا الصوت عن إخافته عندما يبدأ في الاهتمام بنفسه أكثر.
لمَ هذه اللحظة تذكره بيومه الأول في الثانوية إلى حدٍ ما؟
صحيحٌ أنه لم يرَ سوى البُلهاء آن ذاك إلا أنه الآن رأى أشخاصًا مختلفين بشكلٍ قد يخيف انطوائيًا بسيطًا مثله.
أخذ يجيب على أسئلتهما سريعًا داخل رأسه دون أن يفهم سبب إقدامه على ذلك، كيف كانت مرته الأولى في الحياة من بعدها؟ مقرفةً و لا تطاق .. بدا العالم أكثر ظلمةً و وحشة لأن نورها ما عاد يضيء دربه المتعرج.
هل كوّن صداقات بعد رحيلها؟ سيكون كاذبًا إن قال لا .. لم يكن بإمكانه فعل شيءٍ سوى الاعتراف بهم كأصحابٍ على الأقل.
هل قابل امرأةً جميلة؟ لسببٍ ما قفزت صورة لورين إلى مخيلته في تلك اللحظة .. لمَ تلك اللحظة بالذات؟ أزاح وجهه بعد برهةٍ كي ينظر إلى التراب و كأنه يتهرب من شيءٍ ما.
هو يُقِرُّ بجمالها لكن .. لكن ماذا؟ لم يعرف كيف يكمل حياكة أفكاره حيث تشابكت خيوط مشاعره الرفيعة .. من الصعب استخدام تلك المشاعر فهي قد تتمزق بسهولة مع الأسف.
سابقًا كانت والدته قد تمنت له أن يكون يومه الأول مميزًا، لابد أنها تمنت له حياةً مميزةً و سعيدةً بعدها .. هل كانت تعرف أن حياته ستحفل بكل هذه الأحداث بعد رحيلها؟
رفع رأسه لينظر إلى النصب الحجري الواقف أمامه، لوهلةٍ رأى وجهها النضر و الحيوي الذي كان عليه قديمًا .. أعينٌ خضراء لا يقارن لمعانها بأجمل حجرٍ من الزمرد، ملامح دقيقةٌ و بسيطةٌ يرافقها شعرٌ أسود حريريٌ قد تخطى أكتافها بقليل مع ابتسامةٍ دافئة لا يمكن لأي نورٍ أن يقارن بها.
حينما أوشكت ابتسامة ضئيلة على الزحف إلى شفتيه تلاشى ذلك الوجه ليحل مكانه وجه شاخت ملامحه لهول الألم الذي التهمه .. هالاتٌ سوداء قد طوّقت عينيها مقيدةً بعضًا من لمعانها الفريد، و شعرٌ أسود قصيرٌ للغاية قد غزاه الشيب مع جسدٍ جعلته الأدوية يبدو كهيكلٍ عظميٍ بلا حياة .. و رغم كل ذلك فقد حملت ابتسامةً واهنة على شفتيها المجعدتين كانت لتكسر قلب أي أحدٍ حين يقارن بين ابتسامته السابقة و هذه الابتسامة الحالية الموجعة.
راودته رعشةٌ غريبة في شفته السفلى فعضّ عليها بقسوةٍ لتوقف ردود الفعل المثيرة للشفقة هذه، هل سينهار بعد كل ذلك؟
أشاح بوجهه بعيدًا قبل أن يخر صريعًا أمام القبر، أحس بأنه في حاجةٍ لإلهاء نفسه عن التفكير أكثر بشأنها فبدأ في الحديث فجأةً دون أن يدرك ما هو مقدمٌ على قوله : هل تعلمين .. وايت ما يزال إلى جواري كما هي العادة .. روبرت بات أكثر إزعاجًا من ذي قبل .. أنا لا أعلم حقًا كيف كان صديقكِ أمي .. لكن .. هناك ... ثم صمت للحظةٍ و هو يحمل بعض التردد المبهم .. لمَ؟
أحس بأن أقدامه لن تتمكن من حمله لفترةٍ أطول فجلس على التراب أمام قبرها متربعًا، أخذ يلاعب زهرة دوار الشمس بين يديه كي يتابع حديثه بعد أن نكس رأسه : هناك تلك المرأة التي كنتِ تشترين الزهور من عندها .. لابد أنكِ كنتِ تزورين قبر والدي من دوني .. لكن هذه المرأة .. لا أعلم ما بها .. إنها غريبةٌ للغاية.
أعني هي .. كيف أصفها؟ إنها تحاول أن تكون قوية .. لديها طليقٌ وغد و عصابةٌ تحاول استغلال وضعها .. و في الوقت نفسه فعليها أن تحميَ طفلة ضريرة لم تتجاوز السابعة من كل هذا.
كما أنها .. هي لا تتوقف عن الابتسام عندما تراني .. هي تبتسم في وجه الجميع لكن لسببٍ ما تبدو ابتسامتها مميزةً في كل مرةٍ تنظر فيها إلي .. أم أنني فقط من يتخيل ذلك؟ لم أعد أعلم أي شيء.
و لديها تلك الهالة الغريبة .. لست أدري بماذا تفكر .. تتحدث بطريقةٍ مبهمةٍ و تشكرني كثيرًا رغم أنني لم أقم بأي شيء .. كل ما قمت به كان لإزاحة الملل ليس إلا أو لإرضاء رغبتي الأنانية في إسكات ضميري.
صمَتَ ليدفع بعضًا من الهواء إلى رئتيه علّه يشحن جسده ببعض الأكسجين كي يكمل ما بدأه، تابع أخيرًا بعد أن طال صمته و تردده : صحيح .. تلك الطفلة .. إنها أغرب منها .. إنها تستمر بنعتي بالبطل .. و رغم أنها لم تحظَ بطفولةٍ طبيعية أو حواسٍ مشابهةٍ لأقرانها إلا إنها حيويةٌ و سعيدةٌ بطريقته الخاصة.
برومو تشويقي للرواية القادمة على القناة ..
فكرة وتأليف القناة ..
___
الساعة تشير إلى العاشرة مساءً، وصوت المعلق الرياضي يتردد في أرجاء المنزل مع كل حركة من لاعبي "النصر" و"الهلال". المباراة كانت حماسية، والجميع يتابعها بشغف، لكن الجو خارج المنزل كان يتجه نحو العاصفة. السحب الكثيفة تجمعت في سماء الرياض، والبرق بدأ يضيء السماء على فترات متقطعة، متبوعًا بصوت الرعد المدوي. كان الجلوس على الأريكة في الصالون مريحًا، لكن الهواء المحيط ثقيل، ليس فقط بسبب الجو، بل لأن هناك شيئًا غير معتاد كان يقترب.
الأنوار في الصالون اهتزت للحظة مع قوة الرعد، ثم انقطعت الكهرباء فجأة. الجو المظلم غمر المكان، ولم يبق سوى ضوء البرق المتقطع يدخل من نوافذ المنزل، مسلطًا ظلالًا على الجدران والأثاث. تحرك صاحب المنزل ببطء، متوجهًا إلى المطبخ حيث تحتفظ العائلة بشموع للطوارئ.
عاد وهو يحمل شمعة مشتعلة، نورها الخافت كان بالكاد يضيء الصالون، لكنه على الأقل وفر بعض الاطمئنان ، إلا أن صوتًا خافتًا غير معتاد قطّع سكون الغرفة. كان صوت خطوات خفيفة، بالكاد مسموعة وسط ضجيج العاصفة.
فجأة، ودون أن يدري كيف، أفلتت الشمعة من يده وسقطت على الأرض. توتر قلبه وتسارع نبضه. وقف متلفتًا حوله، محاولًا فهم مصدر الصوت. عينيه تجولتا بسرعة في أرجاء الغرفة، لكن البرق كان يأتي ويذهب سريعًا، تاركًا إياه في ظلام دامس بين لحظة وأخرى.
ثم جاء الصوت مجددًا، أكثر وضوحًا هذه المرة. خطوات تقترب. شعر بنبضات قلبه تتسارع. "من أنت؟!" قال بصوت مرتعش، لكنه لم يتلقَ أي رد. برزت من العتمة فجأة سيجارة مشتعلة بين أصابع شخص يقف في زاوية مظلمة، يتنفس ببطء، والدخان يتصاعد ببطء فوق رأسه.
- "ظننت أنك قد تكون متوقعًا هذه اللحظة..." قال الشخص، صوته هادئ وغامض.
"ما الذي تريده؟" سأل، لكن توتره كان واضحًا في صوته. حاول تمالك نفسه، لكن الخوف كان يتسلل إلى داخله.
- "ماضٍ لا يمكن الهروب منه..."، رد الصوت الغامض، مُقتربًا ببطء. ظل الرجل المجهول غير مرئي بوضوح بسبب الظلام. كان يقترب شيئًا فشيئًا، والنار في سيجارته الوحيدة تنير وجهه بشكل خاطف كلما أخذ نفسًا عميقًا.
"لا يمكنك أن تكون هنا... ليس الآن..." قال بصوت يائس.
- "لقد حان الوقت، وكل شيء يُسدد ثمنه عاجلًا أم آجلًا..."
العجز كان يتسلل إلى روحه، لكنه لم يعرف كيف يتعامل مع هذا. حاول أن يستدير، أن يتحرك، أن يهرب من هذا الكابوس الذي يبدو أنه أصبح حقيقة. لكن في لحظة خاطفة، وقبل أن يتمكن من اتخاذ أي خطوة، سُمِع صوت الطلقة يقطع الصمت، لتخترق جسده.
الآلام الحادة اجتاحت جسده، شعر بالدم يتدفق، وسقط على الأرض بعنف. الألم كان لا يُحتمل، حاول التنفس لكنه كان يشعر بأن الهواء قد نفد. كانت هذه اللحظات ثقيلة جدًا. تمدد على الأرض، ويده تتحرك ببطء داخل جيبه، لتخرج صورة صغيرة، قديمة، نظر إليها بعيون مليئة بالدموع. كانت صورة لوجه يعرفه جيدًا.
بينما كانت أنفاسه الأخيرة تخرج ببطء، نظر مرة أخرى إلى السيجارة المشتعلة، التي ألقى بها الشخص على الأرض. هبت الرياح من النافذة المفتوحة، وأطفأت السيجارة تمامًا. غابت أنوار البرق، وغاب معها كل شيء.
____
جاري العمل عليها حاليا وتم الانتهاء من العديد من الفصول .. متأكدون بأنها ستنال إعجابكم ..
لو تحمست بعد البرومو هذا للرواية .. تفاعل على المنشور 👍
انتظرونا خلال الأيام القليلة القادمة برواية نارية 🔥
تابعت سيرها بعد أن أثرت فيها تلك الجملة كثيرًا و تساءلت عن سبب وجود هذا النوع من الكتابات على واجهة مخبزٍ عادي كهذا.
أطلقت بصرها لتلقيَ نظرةً على المكان في الجانب الأيمن من الشارع حيث توزعت المحلات فيه.
لفتت انتباهها أثناء سيرها سيارةٌ سوداء فاخرة في الطرف الآخر كانت قد ركنت أمام متجرٍ للزهور، أحست بأن مالك ذلك المتجر يتلقى أثمن طلبيةٍ في حياتهِ .. تلك السيارة لم تكن بالشيء البسيط ليمتلكها أحدهم على أيةِ حال.
نفخت بعضًا من خصل شعرها و هي تتمتم بتذمرٍ طفولي : متى سأصل يا ترى؟
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
📚شطر من نور📚
الفصل ( الثاني والستون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- ما كانت تلك الحركة المفاجأة يا رجل؟ لقد أرعبتني!
خاطبه وايت بتلك الكلمات متذمرًا من فعله غير المبرر ذاك، لحق به حتى وجده قد جلس على الأريكة الموجودة في غرفة المعيشة و المواجهة للطاولة التي حوَت باقة الزهور تلك بينما يحمل شيئًا لم يتبينهُ في يده.
برك أمامه ثم همّ ليسأله و هو يعدل جلسته : هل نهضت على عجلٍ لتجلب ذلك الشيء في يدك؟
رفع يده قليلًا كي يُرِيهُ ظهر تلك الورقة و هو يتحدث مفسرًا أفعاله : أتعني هذه؟ نعم .. ظننت أنني نسيتها في جيب سترتي البارحة لكن اتضح أنني وضعتها في درج خزانتي .. لم أُرِد لها أن تتلف.
لقد هرب، هرب مما تبقى من تلك الغرفة و لم يُرِد أن يعترف بالأمر إلا أن ذلك واضحٌ كوضوح الشمس .. لكن هروبهُ كان منطقيًا للغاية فهو خشيَ من أن يصيب تلك الصورة أي مكروه.
تأملها برايلين لثوانٍ حيث احتوت بداخلها ذلك المشهد الذي حاولت فيه كيلي جعله يبتسم بشدها لخديه .. كانت رؤيةُ هذهِ الصورة تزرع ابتسامةً صغيرةً على شفتيهِ بسهولةٍ تامة، أي نوعٍ من القوى هي هذه؟
لوهلةٍ تساءل إن كان كل ما مر به خلال ذلك الأسبوع حقيقيًا أم لا، ألا يهلوس بفعل عقله؟ هل حدث كل ذلك فعلًا؟
هل قامت سيدةٌ لا يعرفها و لها زوجٌ سابق يدين له بالرقص معه و تسليمه ابنتها كي يلاعبها .. هل تثق تلك البلهاء بالغرباء إلى هذا الحد؟ عندما فكر بالأمر من هذهِ الزاوية فقد بدا أغرب من أن يصدقه أحدٌ حتى .. كيف قام بكل تلك الأشياء يا ترى؟ تلك لم تكن سجيته على الإطلاق، كيف وصل إلى هنا في المقام الأول؟
لكن لسببٍ ما تذكر ذلك يبعث موجاتٍ ضئيلةً من الدفء في قلبه، لبرهةٍ أحس بأنه شخصٌ بسيطٌ للغاية رغم أن عقلهُ دومًا ما ينتهي الأمر به بزيادة تعقيد كل شيء.
أخذ يتأمل الصورة مع حفنةِ الأفكار المبعثة تلك و التي لا رابط بينها سوى حدوثها مؤخرًا .. أم أن هناك رابطةً لم يتعلم مسماها بعد؟
قسمات برايلين باتت طبيعيةً و هادئةً بشكلٍ شك فيه وايت أنه ينظر للشخص المتجهم نفسه، كاد الفضول يلتهمهُ ليعرف ما يدفعه لصنع هذا النوع من التعابير على وجهه.
ظهرت عليه آثار التحسن عند مقارنةِ حالهِ الآن بتلك التي كانت قبل بضعةِ أسابيع، أراحته تلك الحقيقة كثيرًا و شعر بأنه أنجز مهمتهُ على أكمل وجه .. سبق و أن طلبت نايلي منهما أن يعتنيا ببعضهما البعض و كان يخشى من أن يخالف ما تمنته و هي على سرير موتها.
و رغم كل أفكارهِ السابقةِ عن برايلين فقد أخذت تلك الكومة حيزًا صغيرًا من تفكيره حيث كان شغله الشاغل أن يدرك حقيقة ما يفكر فيه بشأن ڨيا .. لمَ تحديد الأمر أصعب مما تصوره من قبل؟ لعل ذلك يرجع إلى كونها مرته الأولى في التعامل مع هكذا نوع من المشاعر، أو لأنه و بشكلٍ مبسط لم يعد يثق بمشاعره المعطوبة و التي فقدت مرونتها و باتت تتأثر بأي شيءٍ كان.
بالإضافة إلى هذا فقد وقعت عيناهُ على باقة الزهور تلك و التي أوشكت على الذبول، أعادت رؤيتها رسم لورين أمام ناظريه .. تلك المرأة التي تبدو غامضةً على نحوٍ ما .. هناك أمرٌ ما وراء تصرفاتها لكنه عاجزٌ عن إيجاد القطعة التي تربط بقية أجزاء الأحجية معًا.
كلٌ منهما سرح في أفكارهِ متناسيًا وجود الآخر، لم يكن ذلك جديدًا عليهما على أيةِ حال .. في الواقع صمتهما كان نوعًا من المقطوعة الموسيقية التي تصفي الذهن بالنسبةِ لكل واحدٍ منهما.
بعد مضي فترةٍ ليست بالطويلة رفع برايلين رأسه أخيرًا لينظر إلى وايت حيث كان يتفرس إناء الزهور ذاك، كان واثقًا من أنه يفكر في تلك الممرضة المستجدة .. همهم ساخرًا منه : ما بك وايت؟ تتصرف كما لو أنها أول و آخر ممرضةٍ في هذا الوجود.
تمزقت أفكاره المتينة فجأةً بفعل كلام صديقه مما سبب له رجفةً مفاجئة لم تدم لأجزاءٍ من الثانية بعد أن رفع رأسه نحوه، أجابه و هو يظهر ابتسامةً ضئيلةً بعد أن نال منه بالفعل : لا تتحدث إلي هكذا، كما تعلم إنه ليس بشيءٍ تدركه على أية حال.
هربت ضحكةٌ ساخرةٌ من بين شفتيهِ ثم أزاح تلك الصورةَ عن مرآى بصرهِ قليلًا ليجيب على تهكمهِ السابق بقوله : مقارنةً بطبيبٍ عبقريٍ يجذب النساء من كل حدبٍ و صوب بالطبع لست أملك فرصةً مع دماغيَ المتحجر هذا .. أليس كذلك؟
زفر وايت الهواء المتواجد في رئتيهِ بعد أن استحلّت وجهه ابتسامةٌ ضئيلةٌ على ذلك الاستهزاء، هو يعلم بأن مقدرة فهمه لمشاعر أحدهم تساوي مقدرة قردٍ على حل أحجية .. قد يصل إليها و لكن بعد عناءٍ طويل .. الأدهى و الأمر هو أنه قد لا يفعل، و لذلك تمتم باستسلامٍ متجنبًا الخوض في هذا : ما رأيك بوضع ضماداتٍ جديدة؟ ما تزال تلك الآثار موجودةً على أيةِ حال.
أنهيا عملهما بعد أن تجاوزت الساعة الثانية و النصف ظهرًا، و زيادةً على ذلك فقد كان عليهما كنس الأرضية التي استقر عليها ما تبقى من ذرات الغبار الهاربة.
أثناء عمله فقد مرر تلك الممسحة إلى ما تحت السرير فاصطدمت بشيءٍ لم يدرك ماهيته، أحس برايلين بأن هناك أمرًا مخبأً تحته.
حاول الوصول إلى ذلك الشيء الأسود الذي لمحه تحت أنظار وايت المملوءة بالذهول، هل هناك سرٌ مخفيٌ آخر؟
أخرجه برايلين إلى النور ثم نفض عنه الغبار الذي تكدس فوقه، بدا ككتابٍ من نوعٍ ما.
اقترب وايت منه بينما فتح برايلين الغلاف كاشفًا عن الصفحة الأولى، كان ألبوم صورٍ قديمًا للغاية.
من خلال الصورةِ الأولى فقد تعرف وايت على هذا الألبوم حيث هتف بحماسةٍ غير مألوفةٍ منه : لقد عرفته، إنه الألبوم الذي طلبت منا معلمة المرحلة الأولى جمعه عندما كنا في الثانوية .. ما رأيك بإلقاء نظرة؟
رمقهُ برايلين بنظرة لم يفهم الآخر مغزاها إلا أنه أومأ أخيرًا موافقًا على ذلك، لم يرغب وايت في أن يجلس على سريرها لسببٍ ما فاختار الأرضية الخشبية بعد أن أسند ظهره على الجدار المتواجد بالقرب من السرير.
أشار لذلك الواقف بأن يجلس إلى جواره فتنهد و انحنى كي يقعد ثم أسند كل منهما ظهره إلى الحائط استعدادًا لبدء عرضٍ يحتوي العديد من الذكريات القديمة.
الصورة الأولى كانت لطفلٍ صغيرٍ تلوّنت بالأبيض و الأسود، ابتسامةٌ خجولةٌ قد زينت محيا ذلك الطفل الذي لم يتجاوز عمره الأربع سنوات آن ذاك.
أشار وايت إلى الصورة ثم نطق بتهكمٍ واضح : انظر إلى هذا الفتى هنا، أريد فقط أن أعرف كيف تحول هذا، ثم نقر بإصبعه عليها عدة مراتٍ و تابع بعد أن وجه إصبعه ناحيته : إلى هذا؟
لم يمنع برايلين نفسه من إظهار شبح ابتسامةٍ على ما قاله، من الواضح أن الصورة كانت لطفلٍ بسيطٍ و عادي .. كيف آلت به الأمور حتى وصل إلى هذا الحال؟
قلب برايلين الصفحةَ بعد ذلك ليريا فيها صورةً كان فيها أكبر بقليل، لربما كان ذلك في عمر السادسة حيث كانت مرته الأولى في الذهاب إلى المدرسة.
لسببٍ ما أكسبته تلك الصورة شعورًا غير مريحٍ أبدًا، ما الذي حصل في ذلك الحين حتى باغته الضيق هكذا من مجرد رؤيتها؟
تلَت تلك اللقطة صورةٌ لبرايلين و هو يحمل سمكةً حيث كان قد ذهب لصيد السمك مع والده مرةً عندما كان في العاشرة كما يذكر، نطق هذا المسكين ليحرك الأجواء قليلًا : كدت أغرق هناك، من كان يتوقع أن البحيرات عميقةٌ هكذا؟
ضحك وايت على حال صديقه ثم عقّب على ما قاله بردٍ ساخرٍ عجز عن إبقائهِ لنفسه : و هل كنت تحسب أن تلك البحيرة تشبه حوض استحمامك أم ماذا؟
همهم برايلين بردٍ سريعٍ قبل أن يقلب الصفحة : لا تتوقع مني إنقاذك إن غرقت يومًا ما، ظهرت الصورة التالية حيث كانت مختلفةً قليلًا عن سابقاتها.
حوَت تلك الصورة والديهِ حيث كانا واقفين إلى جواره، التقطت تلك الصورة بعد أن تخرج من المرحلة الابتدائية كما أخبرته ذاكرته.
قلب الصفحة ليريا صورةً جديدةً كان فيها برايلين يدرس في المرحلة المتوسطة، التقطت والدته تلك الصورة في غفلةٍ منه إلا أنها أفادته مستقبلًا في صناعة هذا الألبوم.
بعد ذلك تلتها صورةٌ كان يحمل باقة وردٍ فيها أثناء تقديمها لوالدته، تذكر أن والدهُ هو ملتقط هذهِ الصورة فتمتم و هو يتحسسها حيث امتلأ وجهه بملامح الحنين فجأةً : كان هذا عندما تعلمت صنع باقة وردٍ للمرةِ الأولى.
لقد مضى الكثير من الوقت فعلًا، كم كان عمرهُ عندما التقطت هذهِ الصورة؟ لعله كان في الخامسة عشر آن ذاك .. كيف يمكن له أن يعود إلى تلك اللحظة مرةً أخرى؟ في ذلك الحين حيث كانت أكبر مشاكله فروضٌ لم ينجزها و أعظم ما يطمح إليه كان وجه والدته الباسم أو بعضًا من طعامها اللذيذ و توبيخها له مع والده اللامسؤول في نظرها.
بعد ذلك تابعا مشاهدة الصور في صمت لسببٍ مجهول، كانت لمواقف مختلفةٍ و أحداثٍ متفاوتة إلا أن جميعها قد اشتركت في شيءٍ واحد .. السعادة المحشوة في كل ركنٍ من أركانها و المختبئة بين ابتسامتهم لم تكن بالشيء الهين لتجاهله.
آخر صورةٍ رأياها كانت لبرايلين واقفًا وسطهما، من الزي المدرسي الذي كان يرتديه أدرك وايت في لمح البصر زمن التقاط تلك الصورة، أما برايلين فقد عاود الألم لتشويه الابتسامةِ الضئيلة التي استحلت وجهه عندما تذكر تلك المسحرية الهزلية التي قاما بها في يومهِ الأول في الثانوية .. التقطوا تلك الصورة بعدما أنهوا غداءهم في ذلك الحين.
- أعتقد أنني كان يجب أن أضيف صورةً لي و أنا أركل زي الثانوية.
لفظ برايلين تلك الكلمات كي يلين الموقف قليلًا و يذيب الصمت الذي تجمد بفعل الحزن حيث سيطر ذلك المجرم على الأجواء فجأةً .. هو لم يقم بكل هذا كي يعود إلى الغرق في الكآبةِ مرةً أخرى.
📚شطر من نور📚
الفصل ( الحادي والستون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- إلى أين ذهبت؟
بلهجةٍ حملت الصرامة بين ثناياها سأل المدير دالفون تلك الماثلة أمامه، رفعت رأسها بعد سؤاله ذاك كي تتفرس عينيه البنيتين ثم ردت عليهِ بصوتها المتزمت مع ملامح مبهمةِ المعنى : لقد أرسلتها إلى منزل صديقه، إنه هناك.
عقد أصابعه بامتعاضٍ كي تشكل جسرًا ثم أسند ذقنهُ عليه و اعترض على ما قالته بخطابهِ الذي حوى بعض الانزعاج : لمَ فعلتِ ذلك جليندا؟ ما دخلكِ في كل هذا؟ البقاء كممرضةٍ خاصةٍ لتلك المُسنة سابقًا و الآن تتدخلين في شؤون هذا الطبيب؟
رمقته جليندا بنظراتٍ مشمئزة قبل أن تنطق و هي تتأمل حاله البائس و حقيقة كونه مجرد بيدقٍ لتلك المرأة المخبولة : أعتقد أنك لا تملك الأحقية لقول أي شيءٍ لي، طوال تلك الفترة التي عملت فيها معه جنبًا إلى جنب اكتشفت أنه أفصل بكثيرٍ مما قيل عنه .. الإشاعات في هذا المستشفى مخيفةٌ فعلًا.
حمل نظرة استياءٍ من كلماتها إلا أنها لم ترق لها فأسكتته بمتابعتها الحديث حيث حمل أطنانًا من الثقة التي ضغطت عليه : بالإضافة إلى أن تلك المسنة التي تتحدث عنها ساعدت والدتي عندما لم تكن أنت موجودًا أبي العزيز .. هل ترى أن لديك أي حقٍ في الحديث بعد هذا؟
زفرت الهواء الموجود داخل رئتيها بضيقٍ لأنها عادت للتطرق إلى هذا الموضوع الذي يثير حنقها و بشدة، أخبرتها قسمات وجه والدها أنه يكره ذكر هذا الموضوع أكثر فصمتت لتغير الموضوع بشكلٍ جذريٍ تمامًا : السيد والكر هو صديقٌ لابن تلك السيدة التي كنت أجالسها، بطريقةٍ ما ثلاثتهم متصلون في حلقةٍ واحدة .. بدت تلك الممرضة كما لو أنها مهتمةٌ بأمره لذلك قدمت إليها دفعة صغيرة .. هل من مشكلةٍ في هذا؟ لم تملك ما تفعله على أيةِ حال لذلك لا تلعب دور المدير الحازم من فضلك.
قفز الاشمئزاز إلى أمارات وجهه و هو يتذكر قسمات وجه الممرضة فولڨيا التي لم ترق له منذ النظرة الأولى، تحدث ببعض القرف بعد أن لوى شفتيه كرد فعلٍ على ذلك الخيال : تلك؟ أعني .. كيف يمكنك النظر إليها و بشرتها هكذا؟ إنها قبيحةٌ للغاية.
تنهدت بضيقٍ عجزت عن إخفائه أكثر من ذلك، قطبت حاجبيها كتعبيرٍ بسيطٍ عن حجم هذا الضيق و عاتبته على أسلوب تفكيره الرجعي بخطابها الحازم : لا أصدق أنك في مثل هذا العمر و تحكم على أحدهم من مظهره، على كلٍ لا آبهُ بما تظنه عنها .. أرى أنها شخصٌ جيدٌ و تستحق فرصة، بدت قلقةً على وايت حتى أنها ذهبت لتسأل الطبيب الذي كانت مناوبته معه البارحة.
رفع رأسه و نظر إليها باهتمامٍ ثم نطق متعجبًا عندما تذكر هوية ذلك الطبيب : و ما الذي قاله ريك؟ إنه يبغضه و بشدة.
- من الجيد أنك تذكر ذلك لأنه زجرها و أعادها أدراجها مرةً أخرى.
لفظت الكلمات و كأنها لا تطيق متابعة هذا الحوار العقيم حيث أن ذكر كل ذلك لن يغير مما حدث.
أغمضت عينيها و تنهدت للمرة الثانية بعد أن أطرقت رأسها في الأرض للحظة و هي تقول : على كلٍ آمل أن لا تعاتب السيد والكر كما تفعل عادةً .. بل من الأفضل أن تغضب على الآنسة هِلاني و تخبر والديها بكل ما تفعله من حماقات.
التفتت لتغادر قبل أن تستقبل ردًا على ما قالته إلا أن كلماتها دفعت عقل والدها إلى بحرٍ مترامي الأطراف حيث صُنِع من الأفكار التي كان يحاول تهدئتها على الدوام .. حقيقة تركه لهِلاني تفعل ما يحلو لها و حال الممرضات الذي أزعجه فعلًا .. كان عليه أن يقوم بفعل شيءٍ ما لإنقاذ هذا المستشفى مهما تطلب الأمر!
___
- أعطِني المفتاح وايت.
لفظ برايلين بتلك الجملة بعد صمتٍ دام لثوانٍ و هو يتأمل الباب الموجود أمامه.
سبق و أن نهض متجهًا إلى مكانٍ ما بعد أن طلب من وايت اللحاق به حيث فعل هذا الأخير ما يقوله متعجبًا مما حلّ به خلال دقائق قليلة.
آنفًا تحدثا عن يومهما السابق و الذي كان مملوءًا بالأمور الغريبة لكليهما و على نحوٍ مفاجئ أيضًا، غشيهما الصمت لفترةٍ طويلةٍ بعد ذلك حتى ظهر صوت برايلين بأمره المبهم ذاك.
حملق فيه وايت لأجزاءٍ من الثانية ثم مد يده على عجلٍ كي يستل المفتاح من جيب بنطاله و يمدها نحوه مقدمًا إياه له.
تسلّم المفتاح من يدهِ ثم حدّق فيه لمزيد من الوقت، هل يعود أدراجه و يتظاهر بأن شيئًا لم يكن؟
أدخلهُ في ثقب الباب بعد أن أزمع على ذلك، يجب أن يعاون وايت على إتمام مهمته .. هل سيبقي هذه الغرفة مغلقة للأبد فقط لأنه جبان؟
أدار المفتاح فجفل للحظةٍ و شعر بأنه غير مستعدٍ بعد ليرى أشياءها .. لم يحمل قلبه القوة الكافية ليقف أمام الغرفةِ من قبل إلا أن بعضًا من الشجاعة قد تلبّسته في هذه اللحظة دون أن يفهم سببها .. أحس بأن الذكريات ستدمرهُ في أي لحظة، و رغم كل هذا فقد عزم على الدخول في نهاية المطاف.
سبق و أن انتهت تلك القصة بإيصال وايت إياها إلى المبنى الذي تقبع فيه شقتها، علق برايلين أخيرًا على كل ما سمعه : هل هن هارباتٌ من مصحةٍ للمجانين أم ماذا؟
نبس وايت مجيبًا عليهِ و هو يُمسِّد صدغَيهِ حيث أن الصداع قد كشر عن أنيابه بعدما ضعف عقله بسبب تلك القصة : لا تسألني أرجوك فأنا لا أعلم، ما الذي يجب أن أفعله؟
عقد برايلين يديهِ و علت وجهه ملامح التفكير الجدية لبضعةِ دقائق بينما تأمله وايت حتى فتح عينيه بعد أن سبق و أغمضهما ثم أفرج عن كلماته التي رتبها قبل لحظات : ما الذي تعتقده بشأنها؟
- و هل كنت لأحكيَ لك كل هذا إن كنت أعلم إجابة هذا السؤال؟
صرخ وايت بإجابتهِ متذمرًا من غباء برايلين، غمرهما الصمت لفترةٍ طويلةٍ فنطق أخيرًا : ماذا عنك برايلين؟
رفع ذلك المنادى رأسه نحو الجالس أمامه و هو يحمل نظراتٍ متسائلة تنم عن عدم فهمه لفحوى السؤال الذي ألقاه وايت قبل لحظات، نبس برايلين ببعض التعجب : ما الأمر؟ ماذا عني في ماذا؟
حملق وايت فيه لعدةِ ثوانٍ مع ابتسامةٍ مصطنعة فاشلة بينما يظن أن الماثل أمامها لم يدرك أي شيءٍ مما يحصل مع لورين، أزمع على أن يسأله رغم أنه لم يتوقع إجابةً منطقيةً أو طبيعية : ماذا عنك، ما الذي تعتقده بشأن لورين؟
جفل للحظةٍ بعد ذلك السؤال و حمل نظراتٍ متعجبة، ببطءٍ و حذر نطق برايلين و كأنه يتفادى الوقوع في فخٍ ما : لا أعلم؟ هي تقريبًا .. شخصٌ جيدُ كما أظن.
ضرب وايت جبينهُ ببطان كفهِ كدلالةٍ على يأسهِ من هذا الإنسان، يبدو أنه سيفهم السنة المقبلة حقيقة كونها تُكِن له بعض المشاعر، همهم وايت بشكلٍ ساخرٍ و أليم : أشعر بالأسى على أحدهم منذ الآن.
- لم يطلب منك أحدهم أن تحس بالأسى من أجله، ركز على ما تملكه من فوضى أولًا.
رد عليهِ برايلين بهذهِ الطريقة كي يوضح أهمية التركيز على في ما يملكه داخل رأسه، و على كلٍ فقد أحس بطريقةٍ ما أنه المعني بتلك الجملة إلا أنه فضل السكوت عن هذا .. بعد كل ما قاله فقدَ هذا الجالس رغبته في الحديث أكثر من ذلك.
كان وايت مترددًا .. مترددًا كثيرًا في إخبار برايلين جزءًا لم يذكره، هو حكى له كل ما حصل مع ڨيا لكنه لم يذكر له أبدًا تلك اللحظات الضئيلة و المعدودة التي خفق فيها قلبه من أجل ابتسامتها الملائكيةِ تلك .. أخافهُ ذلك نوعًا ما.
هل ينطق أم ماذا؟ لاحظ برايلين نظرة التفكير الممزوجة بالقلق على وجهه و تساءل إن كان هناك تتمة لكل ما قاله؟
- لستَ في حاجةٍ لقول أي شيء، سأتخيل نفسي سمعته.
نهض برايلين من على الأريكة بعدما همهم بتلك الجملة فنظر إليه وايت متعجبًا، يتخيل أنه سمعه؟ هل عرف؟ مستحيل .. هو أبله في هذهِ الأمور على أيةِ حال .. و إلا لكان عرف بأمر لورين أولًا.
عاد إلى ذاكرته ما تمتم به عندما كان ثملًا، لابد أنه سبب نوعًا من القلق لبرايلين .. و ما قاله عن لورين لم يُرِحه أبدًا.
شعر بالشفقة على حاله .. إنه بائسٌ يشعر بالفراغ .. ليس و كأنه أول من يعاني من هذا إلا أن هذا الأمر كان مزعجًا و لكنه في أكثر الأحيان يكون محزنًا، لم تكن مشاعر لطيفةً تلك التي غلفت قلبه خلال هذه الدقائق القليلة التي غابها برايلين.
- ذلك الوغد.
هسهس برايلين بتلك الجملة بعد أن فتح الثلاجة ليخرج أي شيءٍ يشغله عن الحديث معه لدقائق إلا أن الأمر انتهى به و هو يشرب علبة عصيرٍ بالإضافة لسحبه حبة تفاحٍ من أجل ذلك الأبله، ما الذي عناه بسؤاله عن ما يعتقده عنها .. كان يناقش نفسه هو الآخر البارحة .. بدا ذلك غريبًا بشكلٍ ساخرٍ مرير.
هناك شيءٌ لا يرغب وايت بالإفصاح عنه، كان ذلك مكتوبًا على جبينه إن صح التعبير، إنه يبدو ككتابٍ مفتوح .. أمامه على الأقل، كان يعرف ما يجول في رأسه .. إبقاء الأسرار ليس بالشيء الهين من الأساس و من الواضح أن وايت لا يريد أن يكون في الجانب الذي يمتلكها .. ترى ما هو هذا الشيء الخطير؟ عجز عن تخمين أي احتمالٍ ممكن .. هل قام بشيءٍ و يخشى من أن نظرة برايلين ستتغير تجاهه؟ ما مدى سوئه إذًا؟
حتى و إن كان ذلك صحيحًا .. كلا كلا عليه التوقف عن أخذ الأمور إلى المنحنى الخاطئ .. إن كان أمرًا يخصه فهو لن يضغط عليه بجميع الأحوال.
جمد للحظةٍ برايلين أمام الثلاجة أثناء تفكيره بكل هذا إلى أن سمع وايت يصيح به : أغلقها يا رجل و إلا ستفسد كل الموجود فيها.
رمش عدةَ مراتٍ مستعيدًا إدراكه لما حوله ثم أغلق الثلاجة، كان وايت يستمع إلى المياه المنسابة من الصنبور فلم يفهم ما يفعله .. ما يزال يصارع فكرة إخبارهِ من عدمها.
سيكون من الأفضل أن لا يعرف .. لربما برايلين يمتلك شيئًا ما تجاه لورين إلا أنه أغبى من أن يدرك ذلك الآن؟ سيكون فعلًا أمرًا مزعجًا له إن كان كل ما يتذكره حين ينظر إلى وجهها هو تلك المشاعر اللحظية البلهاء لصديقه الأبله .. نعم .. لن يخبره .. سينسى ذلك على أية حال.
📚شطر من نور📚
الفصل ( الستون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- مهلًا .. من فضلك .. أعطِني لحظة .. أريد أن أتنفس.
أطلق وايت كلماته المتقاطعة تلك أثناء نوبةِ مفاجئة من الضحك كانت قد ألمت بهِ بعدما انتهى برايلين من سرد كل ما حدث معه سابقًا.
نظر برايلين إليه بسخطٍ ثم مال بجسدهِ إلى الأمام قليلًا كي يتحدث مفرجًا عن بعض غضبه : أيها الوغد، أنا لم أسرد لك كل هذا لتضحك.
أحاط بطنهُ بيدهِ اليسرى بينما رفع اليمنى أمام وجهه ليتفادى ما قد يقذفه برايلين عليه، نطق أخيرًا بعد أن هدأ قليلًا و هو يمسح الدموع التي ذرفها : كيف تريد مني أن لا أضحك؟ أقصد .. ثم هربت ضحكةٌ أخرى من بين شفتيهِ و هو يتذكر شكل برايلين في الحانة ليلة البارحة.
تلك المرأة كانت واضحةً للغايةِ البارحة لكن هذا الأحمق القابع أمامه لم يدرك أي شيءٍ حتى الآن، إنه فاشلٌ و بجدارة في مثل هذهِ الأمور.
- أتظن أنك تسخر مني هكذا؟ هل تريد سماع ما قلته عندما كنت ثملًا أيها البائس؟
تغلغل الخبث عميقًا في ما قاله برايلين فجفل وايت للحظةٍ و توقفت أمواج الضحك تلك ليستبدلها بابتسابةٍ عرجاء لا تدل على راحةِ صاحبها، اعتدل قليلًا في جلستهِ كي يسأله قائلًا : برايلين لابد أنك كاذبٌ كبير .. أنت تحاول تهديديَ لأنني أمتلك ما أُذِلك به لبقية حياتك.
تلونت قسَمات وجه برايلين بين المكر و اللؤم مع ابتسامةٍ عريضة على وجهه كانت قد تزينت بالخبث، خاطبه بصوتٍ تعمد إظهارهُ بشكلٍ غريبٍ و مبتذل و رافق ذلك بعض الحركات بيديهِ كي يدعم مسرحيته السخيفة : أنا لستُ مهمًا لك للغاية .. أنا لا شيء، سأجعلها تحبني بجنون .. لن تتمكن من تركي أبدًا كما يفعل الجميع!
بالكاد تمكن وايت من ازدراد ريقهِ بينما يحمل نظراتٍ مشدوهةً على وجهه، جَمُد في مكانه عدة لحظات قبل أن يهمهم ليدافع عن نفسه : أنت تكذب .. هذهِ حيلةٌ رخيصة.
الثقة التي ارتداها صوته جعلت المستحيل يطلق الرصاص على ذلك الاحتمال .. ما الذي حدث فعلًا عندما كان ثملًا؟ لعنه في سرهِ و صدح صوته باستياءٍ أوضحته تعابير وجهه : إذًا هل كذبت أيها اللعين؟
- كلامك هذا يعد دليلًا على أن ما قلته حقيقة، ثم لمَ أنت غاضب؟ أليس من المفيد الإبقاء على ورقةٍ رابحة أخيرة؟
وضع ساقًا فوق الأخرى و اتكأ بظهرهِ على الأريكة ثم مد ذراعيهِ على أطرافها كي يبدوَ كشريرٍ يدلي بمخططهِ الشيطاني، كانت رؤية وايت المحرج مما قاله ممتعةً جدًا بالنسبةِ له.
همهم وايت بعدة شتائم نحو برايلين و نذالته فسحب هذا الأخير يديهِ فجعلهما تتعانقان ثم وضعهما على ركبتيه مع نظرة حوَت أفكارًا كانت السيطرة عليها متعبة للغاية.
منذ أن بدأ في رواية قصته سابقًا تساءل إن كان عليهِ إخبارهُ بأنه قد ذهب إلى زيارة قبرها البارحة، لكن ما الذي يمنعه من فعل هذا؟ وايت يخبره بكل شيءٍ دائمًا .. لم يرغب في أن يكون على الجانب الذي يخفي الأسرار لأنها أثقل من أن تتحملها أكتافه الهزيلة، يكفيه الحزن الذي تشبث به بقسوةٍ دون رغبةٍ منه.
- لقد زرت قبرها.
نبس فجأةً بتلك الجملة ليلتفت إليه وايت بوجلٍ و يرى أمارات وجهه التي اضطربت للحظة .. من الواضح أنه كافح كثيرًا ليتمكن من قول ذلك.
حملق وايت فيه للحظاتٍ ثم أغمض عينيهِ، سحب بعضًا من الأكسجين أثناء تلك الثواني و تزين وجهه بابتسامةٍ هزيلة ثم نطق بخفة : أنا واثقٌ بكونها مسرورةً للغايةِ بهذهِ الزيارة.
عرف مسبقًا أنه قد خرج ليلًا و خبأ كل ملابسه المبتلة عدا حذاءه الذي اكتفى بوضعه في خزانةِ الأحذية معتقدًا بذلك أن هذا سيكون كافيًا لمواراتهِ عن أنظاره حتى يجِف.
في الواقع لم يكن فتحه لتلك الخزانة محض صدفةٍ أيضًا، كان قد قرر الذهاب إلى العمل مسبقًا دون إيقاظ برايلين إلا أنه لمح تلك القطرات المبللة حتى توقفت أمام الخزانة .. أدرك أن شيئًا ما حصل ليلة البارحة.
تذكر كل ما أراد قوله آن ذاك و ارتعد قلبه للحظة .. هربت رغبته في مغادرة المنزل أو حتى الخروج إلى أي مكان .. قد يرى لورين عن طريق الصدفة و ستلازمه ڨيا طوال النهار .. ارتبك و انسحب عائدًا أدراجه، لم يكن بالشجاعة الكافية لمواجهة كل هذا دفعة واحدة!
- أيها الوغد لا تسرح هكذا، لديك ما تقوله لي أيضًا .. لذلك إن كنت عاجزًا عن القيام بدور المصلح الاجتماعي فيستحسن أن تبدأ بفعل ما هو مفيدٌ و تُدليَ بما لديك.
أحس برايلين بأنه قد فعل الصواب عندما أخبره، فشل في توقع أن وايت سيفهم عدم رغبته في الحديث عن تلك الزيارة أكثر من ذلك حيث أنه لم يرغب في أن يصبح الجو مشحونًا فجأةً هكذا كما حدث قبل قليل.
فرَك وايت مؤخرة رأسه ليكون فعله دليلًا على ارتباكه، حاول برايلين استحثاثه على الحديث بسخريةٍ أقل قسوة : حسنًا يا مغناطيس النساء .. أخبرني بما حدث منذ أن عبرت قدماك ذلك المستشفى الخسيس البارحة.
___
- إنها آثار تلك الأشياء الغبية التي أجبروني على مشاهدتها في الثانوية، تبًا لهم.
ضربت رأسها عدةً مراتٍ بيديها كي تزيح هذه الأفكار و ترميها نحو المجهول، همهمت لنفسها : حسنًا حسنًا أنا أعترف .. إنه مجرد إعجاب .. تبًا لهذه الأفكار فعلًا.
كانت واقفةً وسط الغرفة أثناء أدائها لتلك المسرحية الهزلية المنفردة حيث أن أفكارها السابقة قد باغتتها فور دخولها إلى المكتب مانعةً إياها من الجلوس.
نظرت إلى مكتبهِ مرّةً أخرى ثم تذكرت أمر إطارات الصور التي كانت مواجهةً للكرسي.
سارت حتى جلست خلف المكتب لتنظر إلى تلك الصور عن كثب، إحداهما كانت له مع نسخةٍ مصغرةٍ منه فتوقعت أن له شقيقًا من والده أو والدته، الشبه بينهما شديدٌ للغاية.
و على النقيض ففي الصورة الأخرى كان الاختلاف واضحًا بين وايت و صاحب الأعين الخضراء الواقف بقربه، كان يُظهِر ابتسامة ضئيلةً على عكس وايت فتساءلت إن كان ابنًا آخر من أبٍ آخر أو شيئًا من هذا القبيل حتى لا تكون ابتسامته عريضةً كذلك الصغير.
أسندت رأسها على المكتب كي تمنع نفسها من إطالة النظر إلى تلك الصور حيث أن كل واحدةٍ منهما حوت ابتسامة أشد جمالًا من مجاورتها، عليها التوقف عن التفكير بهذه الطريقة فعلًا فذلك سيزيد من مشاعر الإعجاب هذه و ستتحطم آمالها بقوةٍ عندما يرفضها.
هي توقعت بالفعل أنه سيرفضها، من الواضح أنه لا يملك أي نية للارتباط بأحدهم على أيةِ حال، أم أنه لم يجد الشخص المناسب؟ حاولت مواساة نفسها بذلك فارتفعت معنوياتها قليلًا.
بالتفكير في الأمر فسيكون من اللطيف امتلاك شخصٍ بحزمهِ و ثقته و شخصيته المحببة .. شتمت نفسها للحظةٍ فها هي ذا تعود لامتداح كل شيءٍ فيه و سينتهي بها الأمر كطماطم مطبوخةٍ من شدة الخجل.
قررت أنها ستبقى إلى ما بعد الظهيرة بقليلٍ و من ثم ستعود إلى منزلها لعلها توقف رأسها عن غزل هذه الأفكار المبتذلة، لربما امتلاكها لشخصٍ تثرثر معه عن أي شيءٍ سخيفٍ في هذه الحياة كان ليشغلها بالشكل المطلوب أيضًا.
سمعت صوت الباب و هو يقرع بغتةً فرفعت رأسها لتجده يُفتَح دون أن تقدم أي تصريح لذلك المجهول بالدخول، حملقت في الباب بترقبٍ منتظرةً ظهور هذا الغريب.
لم تتوقع فولڨيا أن تعاود تلك الممرضة الغريبة الظهور مرةً أخرى، سبق و أن قالت أنها قدمت لترى إن كان وايت موجودًا أم لا، لكن و بعد أن تأكدت من أنه ليس كذلك فما الذي تريد فعله هنا؟
أفترت هذه الواقفة عن ابتسامةٍ ضئيلةٍ ثم نطقت بصوتٍ هادئٍ و رتيب : هل قالت هِلاني أنها ذاهبةٌ لزيارة السيد والكر؟
أومأت فولڨيا لتدل على صحةِ ما نطقته ثم أدلت بأول سؤالٍ خطر في بالها : كيف علمتِ بهذا؟
صحيحٌ أنه كان مقدارًا ضئيلًا ذلك التغيير الذي أصاب ابتسامتها إلا أنه كان ملحوظًا حيث أنها اتسعت قليلًا، هل حمرةُ وجهها فضحتها؟
هي نسيت تمامًا أمر وجهها و نفسها فنطقت بتسرعٍ و توتر : ما الأمر؟ هل هناك شيءٌ خاطئ في وجهي؟
لعنت نفسها لطريقتها البلهاء في الحديث و ارتبكت أكثر أمامها إلا أن صوتها الرزين و أعينها البنية المسالمة قد خففا من روعها، نطقت أخيرًا هذه الغامضة : لقد سمعت عن ما فعلته، أحسنتِ عملًا.
انتظمت الفوضى داخلها قليلًا ثم أومأت فولڨيا بابتسامةٍ محرجةً و نبست شاكرةً إياها : شكرًا، قمتُ بما هو صحيح فقط.
تذكرت ڨيا رغبتها في معرفة هويتها فسألت على عجلٍ قبل أن تختفي فجأةً من أمامها كما حصل قبل ساعةٍ على الأكثر : عذرًا لكنني لم أتعرف عليكِ، أنا فولڨيا نايبرُس .. و أنتِ؟
غطّت تلك الواقفة شفتيها الوردتين بيدها كي تخفيَ ضحكةً قد تسللت من بين شفتيها، افتعلت سعالًا خفيفًا قبل أن تنطق بصوتها الرزين الذي أكسب ڨيا نوعًا من الراحة غير المألوفة : أدعى جليندا هوڨِر، سررتُ بمعرفتكِ آنسة ڨيا.
نهضت ڨيا كي تصافحها بحرارةٍ بينما تقول بحفاوةٍ جعلتها تنسى أفكارها لبرهة : بل الشرف لي عزيزتي، سعيدةٌ لمقابلة ممرضةٍ عاقلةٍ مثلكِ .. أنتِ تفهمين ما أقصده أليس كذلك؟
أومأت جليندا بتفهمٍ ثم نبست بعد أن افترقت أيديهما : إنه لأمرٌ مريحٌ رؤيتكِ هنا آنسة ڨيا، شجاعتكِ لا مثيل لها.
ردد عقلها اسم جليندا مرارًا داخل تجاويفه حيث أحس بأن الاسم مألوفٌ للغاية .. مر الحل بسرعةٍ خاطفةٍ أمامها حيث تذكرت ما قاله المدير دالفون عن وجود ممرضةٍ كانت تبلغ عن أسباب تأخير وايت المتكررة مؤخرًا .. إذًا هل هذه الممرضة قريبةٌ من وايت حتى تفعل ذلك أم ماذا؟
- هِلاني ذاهبةٌ إلى مكانٍ يحتمل أن يكون وايت فيه، هل تريدين الذهاب؟
فاجأها سؤالها كثيرًا و جعل الرعشة تسير داخل خلاياها لوهلة، لمَ عرضت عليها أمرًا غريبًا كهذا فجأةً؟ هي ليست سوى ممرضةٍ عرفها البارحة و حسب!
📚شطر من نور📚
الفصل ( التاسع والخمسون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- إذًا .. هذهِ هي أنتِ .. لم أتوقع أن تكوني قبيحةً عن قربٍ هكذا.
نطقت امرأةٌ عشرينيةُ المظهر بتلك الجملة و هي واقفةٌ تتأمل ڨيا بأعين مفترسٍ فاحصةً إياها من أعلى رأسها و حتى أخمص قدميها، بدأ تحديقها الذي دام لعدة دقائق يزعج هذه الواقفة كثيرًا.
زفرت ڨيا الهواء الموجود في رئتيها ثم تحدثت بتذمرٍ تعمدت أن يكون واضحًا في نبرة صوتها : عفوًا لكن إن لم يكن هناك ما أقوم بهِ فأنا أريد المغادرة.
قهقهت هذه الواقفة قليلًا ثم سارت حتى جلست وراء المكتب الذي كُتِب عليه اسم المدير دالفون رابانس، عبثت ببعض الأوراق المتناثرة عليه حتى أمسكت ورقةً و أخذت تقرأ ما فيها بتأنٍ بينما تتكلم بنبرةٍ اكتنزت بعضًا من الخبث الدفين : يبدو أن ما سمعتهُ عنكِ صحيحٌ تمامًا .. إذًا هل تتوقعين النجاة بأفعال البارحة بسهولةٍ هكذا؟
رمقتها ڨيا ببعض النظرات المستفزة و المحشوة بالبرودة لتبدو و كأنها أنها لم تفعل أي شيء، صرّحت بما فكرت فيه بينما تحاول تهذيب كلماتها كي تستحوذ على النصر : هِلاني صحيح؟ يبدو أن ما سمعتهُ عن كونكِ مزعجةً صحيحٌ أيضًا لكن مع الأسف أنتِ مخطئة .. لم أكن أنا من كان على وشك سكب ماءٍ مغليٍ على أحدهم.
ألقت هِلاني بالورقة على المكتب بلا مبالاة حيث كانت تحمل صورةً لڨيا مع بعض البيانات الأساسية عنها، تابعت حديثها بعد أن رفعت رأسها الحامل لتلك الابتسامة الماكرة : فعلًا؟ يالكِ من مسكينة، كنت سأشعر بالأسى عليكِ .. لكن لربما كان بإمكان ذلك الماء المغلي تغيير هذا اللون المقزز قليلًا؟!
ثارت براكين الجنون داخل عقل ڨيا بتلك الجملة و كان ذلك شيئًا لم تتوقعه إلا أنها حاولت ضبط أعصابها بأكبر قدرٍ ممكنٍ كي لا تنال الانتصار الذي تطمح إليه، نظرت إلى الأرضيةِ للحظةٍ و هي تخبر نفسها بأن هذهِ ليست أول مرةٍ تتعرض فيها لهذا النوع من الكلام و أن بإمكانها الرد عليها .. في الواقع هي تحمست لتمسح أرضية المكان بكرامة هذه القابعة خلف المكتب حتى و إن كان ذلك بمجرد كلماتٍ بسيطة.
بعد عدةِ ثوانٍ حشدت أثناءها أفكارها نبست ڨيا مع ابتسامةٍ وضعت فيها كل قدرتها على الاستفزاز : لربما عقولكم تحتاج إلى هذا الماء المغلي أولًا، فكما تعلمين من يمتلكون أفكارًا عن كونهم الأفضل هم أكثر خطرًا من مجرد أشخاصٍ طبيعين لديهم بشرة سمراء.
- أرى أنكِ سليطة اللسان أيضًا.
تمتمت هِلاني بعد أن عاودت النهوض مرةً أخرى فردت عليها ڨيا مباشرة : أعتقد أنني أرد بطريقتكِ، هل من مشكلةٍ في هذا؟
أحست بأن هذا سيتسبب بطردها حقًا و قد كانت تخشى ذلك في البداية لكنها باتت مهتمةً بحشر الماثلة أمامها في مكانٍ ما و إيساعها ضربًا بهراوةٍ مغطاةٍ بالمسامير، لقد بالغ خيالها كالعادة لكن ذلك فعلًا يخفف من رغبتها في تسديد لكمةٍ إلى رأسها الحامل لذلك الدماغ الأبله.
تساءلت عن ما سيفعله وايت في هذهِ اللحظة، لربما هو سيدافع عنها كما حصل البارحة .. لكن ليس لأنه يهتم لأمرها أو أي شيءٍ من هذا القبيل بل لأنها في جانب الصواب عن طريق الصدفة .. أو على الأقل هذا ما اعتقده عقلها خلال تلك الدقائق القليلة التي حل فيها الصمت بينهما.
- أين هو؟
حملقت فيها بأعينٍ سوداء مخيفة حملت نظرةً شيطانيةً كانت لتفزع أحدهم من تلك المسافة إلا أن فولڨيا قد تجلّدت أمام هذه المختلة و نطقت مدعيةً البلاهة : من تقصدين؟ السيد والكر؟
اعتدلت هِلاني في وقفتها أمامها ثم عقدت يديها و هي تحمل نظرة ثقةٍ على وجهها بينما تحدثها : كنت محقةً عندما ظننت أن جلبَكِ إلى هنا سيكون مسليًا .. و نعم كنت أقصد السيد والكر .. من الواضح أنه متغيبٌ فأنتِ لا تملكين ما تفعلينه.
أطلقت ضحكةَ سخريةٍ ثم تخطت فولڨيا لتسير إلى الكراسي خلفها و تنطق بنبرةٍ مبتذلةٍ مع مشاعرها العجيبة : أعتقد أنني سأذهب لزيارته، لم أرَ عزيزيَ الفاتن منذ أربعة أيام.
التفتت ڨيا إليها ثم سبقتها إلى الباب عندما أحست بأن مهمتها قد انتهت عند هذهِ النقطة، فتحت الباب ثم نظرت إليها ملقيةً بسهمها الأخير قائلةً : إن أردتِ نصيحتي فيستحسن أن تتوقفن عن التصرف كالعلكة العالقة في أسفل الحذاء، هذا يقززني فكيف بذلك المسكين الذي تحمل هراءكم كل ذلك الوقت؟
أنهت جملتها بابتسامةٍ بدت بريئةً و طبيعيةً على عكس كل سابقاتها ثم خرجت بعد أن تلذذت برؤيةِ وجه تلك الآنسة حيث تلوّن بألوان الانزعاج التي حاولت مواراتها بفشل.
هي قصدت كل كلمةٍ مما قالته سبقًا، من الواضح أنه لا يحب رؤيتهن و هن يحدقن بهِ هكذا .. لم تتوقع أن تقابل مجموعة حمقاء من النساء إلى هذا الحد، أليس لديهن ماء وجه لتحفظنه؟
أراد الاتصال على جليندا إلا أن الفكة التي وجدها في أحد أدراج مطبخ برايلين المهمل لم تكن كافيةً لذلك، أمِل أن ڨيا بخيرٍ و أن كل الحمقاوات قد اتّعظن مما أصاب ريثا و بيرتا كي يمتنعن عن إزعاجها حتى و إن لم يكن هناك.
___
- لمَ صنعتُ هذا حتى؟
تمتم برايلين و هو يتأمل كأس الحليب الإضافي الذي وضعه على الطاولة بالإضافةِ إلى طبقٍ قد توسطته شطيرةٌ إضافيةٌ صنعها هو.
كان قد نهض و حاول التخلص من ذلك الحوار المزعج الذي خاضه قبل ساعةٍ بأخذه لحمامٍ سريعٍ و تبديله لملابسه، ما كان يجب لهذا أن يحدث .. ليس مع وايت على الأقل.
هل كان بخيرٍ يا ترى؟ لابد أن شيئًا سيئًا قد حدث في المستشفى .. هو لم يكن يتحدث بسهولةٍ عندما يشعر بالضيق من شيءٍ ما .. فقط يبقى صامتًا بشكلٍ قد يخيف الأموات بحد ذاتهم مع نظرةٍ كان يعرفها تمام المعرفة.
سبق له و أن أطلعه على البعض من أفكاره، أخبره عن آلاف المراتِ التي أحس فيها بشعورهِ أنه يسير كالأعمى بلا أي شيءٍ محدد .. شعوره الدائم بالفراغ كان يخيف برايلين بحد ذاته.
كان على علمٍ بحقيقة أنه يلفت الانتباه بمظهرهِ منذ أن كانا في الثانوية، هو لا يبالي بآراء الناس عادة لكن رؤية الآخرين و هم ينافقون أمامه كان شيئًا يقززه على الدوام.
ندِم لأنه أصر عليه بتلك الطريقة و لأنه قرر التصرف على غير سجيته، صرخ ساخطًا محدثًا نفسه : تبًا لعنادك وايت والكر.
أخذ قضمةً من شطيرتهِ و هو يتساءل عن ما يفعله الآن، على الأرجح ذلك الأحمق قد خرج من هنا دون أن يتناول فطورًا لائقًا حتى.
- ما كان يجب أن أتركه يخرج، أراد أن يقول ذلك إلا أنه جابه شعوره بالذنب بكلمات نطقها مع بعض الاستياء : عليه أن يتحدث فور أن أسأل .. هل نسيَ أنني سيء في كل هذا؟
همهم ساخرًا و هو يشعر بأن الخطأ قد ركب أكتافه و زاد من حملهما : هل أنت مرتاحٌ يا ضميري؟
لكنه للحظةٍ سأل نفسه، لمَ صرخ آن ذاك؟ لمَ أزعجهُ ذلك كثيرًا؟
حكّ رأسهُ ببعض العنف و هو لا يفهم تصرفاته البلهاء تلك، كان من الواضح أن وايت نطق بتلك الجملة محاولًا استفزازه و أخذهُ لذلك على محمل الجد يعني أن هناك خطبًا ما به.
- أين هو ذلك اللعين؟ تبًا .. أنا لست جيدًا في هذا حقًا.
صرّح بذلك مستسلمًا و هو يرى نفسه فاشلًا في التخفيف عن أحدهم، كان مخططه يقتضي بسماع حديث وايت فكيف انتهى الأمر به و هو يحمل رغبةً عارمةً في لكمهِ على وجهه لكل هذه الحماقات .. عندما يسألك أحدهم تحدث فقط .. هل هذا صعب؟
- لحظة .. هذا فعلًا صعب.
أجاب بنفسه كعادته و ها هو ذا يناقضها مرةً أخرى .. ألا يمكن لكل ما يحدث داخل رأسه أن يتوقف لبضعةِ ثوانٍ كي يطمئن على أحوال وايت و من ثم يعاود عقله تعذيب نفسه كيف ما يشاء؟
- هل مِتّ أم ماذا؟
سمع صوتهُ و هو يصدح في المكان تلاهُ صوت الباب و هو يغلق من خلفه، تنهد برايلين و هو يحمل ابتسامة غريبةً قد استحلّت وجهه فجأةً ثم عاود النظر إلى شطيرته التي لم يتمكن من تناول سوى بضعة لقيمات منها.
ولج وايت إلى المطبخ ليجده يتناول فطوره بلا اهتمامٍ منه لدخوله، تمتم برايلين بعد أن أبعد كأس العصير عن فمه : لا تعتقد أنني كنت انتظرك.
سحب الكرسي المجاور له ثم جلس و هو يقول ساخرًا بينما يتأمل كأس الحليب و الطبق المجاور لها بابتسامةٍ عجز عن إخفائها : لم أكن أنتظر منك فعل ذلك على أيةِ حال.
أخذ كل واحدٍ منهما يتناول شطيرته في صمت بينما يحاول كل واحدٍ منهما بدأ الحوار إلا أنهما أسوأ من بعضهما من هذه الناحية.
نطق وايت أخيرًا ببعض الشجاعة رغم التردد الذي خالط كلماته : هل أردت قول شيءٍ آخر قبل أن نخوض ذلك الحوار؟
نظر إليه برايلين لوهلةٍ ثم أشاح بوجهه مدعيًا الانزعاج و هو يهمس مع ابتسامة ضئيلة : نعم، هل من مشكلة في هذا؟
ضحك وايت على رده و فعله، تكلم أخيرًا بعد أن أدرك شيئًا ما : هل تعلم .. يحدث هذا في كل مرةٍ يمتلك فيها كلانا ما يريد قوله.
التفت إليه برايلين ليرد عليه بثقةٍ بعد أن تلاشى كل انزعاجه خلال لحظات : هذا لأنك عنيد.
تجلّت ابتسامة سخريةٍ واضحةٍ على شفتي وايت و هو يجيبه : بل لأنك سيءٌ في الحديث مع أحدهم.
نهض ليضع طبقه في الحوض و هو يقول : بالنظر إلى الوقت القصير الذي غبت فيه تمكنتَ من الاستحمام و صناعة هذا الفطور المقبول، إنك أسرع من تلك الخادمة التي تأتي أسبوعيًا إلى المنزل .. لربما أصرِفها و تأتي أنت للمساعدة.
- اللعنة على نكاتك السيئة.
نبس برايلين و هو يراقبه خارجًا مع ضحكاتٍ خبيثةٍ كان يعرف مقصدها.
جلس وايت على الأريكةِ بتململٍ فتبعه برايلين ليختار المقابلة له و يجلس عليها هو الآخر، ما الذي يجب عليهما فعله الآن؟
- هل تعلم، كنت أفكر إن كان بإمكاننا تنظيف تلك الغرفة اليوم .. يبدو أنني لن أذهب إلى المستشفى قريبًا.
أخرج وايت سؤاله بعد لحظاتٍ من الحيرة و هو يتطلع إلى إجابة برايلين، بدا الجلوس هكذا دون فعل أي شيءٍ أسوأ من بقائه في الخارج حتى.
📚شطر من نور📚
الفصل ( الثامن والخمسون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- شريرة.
- تلك السيدة مخيفة.
همهمةٌ مبهمةٌ و غير واضحة قد انتشرت داخل رأسه منذ فترة و ها هي ذا قد اتضحت أخيرًا.
عن أي سيدة يتحدثون؟ تساءل للحظةٍ بعد أن استمرت تلك الجملة في الطواف بين تجاويف عقله .. كم مضى من الوقت عليها و هي تتكرر دون كللٍ أو ملل؟
- سأفتح تلك الغرفة إن لم تنهض الآن.
اخترق هذا الصوت المألوف كل الضباب الذي خلّفته تلك الضوضاء المبهمة، هو لا يذكر أي غرفةٍ كانت مغلقة في منزله إلا أنه و بعد أجزاء من الثانية كان قد انتفض من على سريرهِ بوَجَل.
تذكر أمر إغلاقهِ لغرفة والدتهِ بمفتاحٍ و من ثم تسليمهُ لوايت إلا أنه لم يتوقع هذا التهديد اللئيم منه، التفت برأسهِ حتى وقعت عيناه على الواقف إلى جوار سريره ثم نبس ساخطًا : ما الأمر مع كل هذا الإزعاج؟
رد عليه وايت بتململٍ و هو يهزّ كتف هذا الناعس كي يستحِثّه على النهوض : لقد تخطينا الحادية عشرة من زمن، آمل أنك سعيدٌ بتأخري عن عملي.
لقد صرّح قبل لحظةٍ بأن هذا البائس هو السبب وراء تأخره في حين أنه مجرد قولٍ عارٍ من الصحة، كان يعلم أن استيقاظه المتأخر سببه انعدام قدرته على نيل قسطٍ كافٍ من النوم بعد أن عادا ليلة البارحة.
حين جهز كل شيءٍ في الأمس لقضاء هذه الليلة ببعض النوم الهنيء فقد وجد نفسه فجأةً في حضرة أفكارٍ قد باغتته دون سابق إنذار.
كان يفكر .. و يفكر كثيرًا .. بشأن ما همست به لورين في عربة الأجرة أثناء نومها، بشأن برايلين و كل التغيرات التي أصابته، لكن كل ذلك كان قطرةً مقارنةً ببحرِ أفكاره عن ڨيا .. تلك التي رغبت في البقاء معه لسببٍ لم يفهمه رغم أن أي شخصٍ آخر كان ليصرخ غاضبًا و يخرج من المكان شاتمًا الجميع على سوء المعاملة التي قُدِّمت لها.
هل هو يتوهم كما حصل مع لورين أم ماذا؟ كان من الصعب تحديد ذلك فهو مشوشٌ جدًا، لكن طريقتها في معاملة المرضى و ردودها على كل تلك الإهانات التي تلقتها على لون بشرتها في حين أنه يومها الأول و حسب، اعتقَدَ ان ذلك يتطلب قوةً كبيرةً بالنسبةِ لشخصٍ عاديٍ مثله.
خرج من أفكاره التي كادت تغرقه عن طريق سماعه لنبرةِ برايلين التي فاجأته حِدتها : أنت، ما هذه النظرة؟
عجز عن فهم مقصده من هذا السؤال و بهذه اللكنة التي أفزعته للحظة فسأله متعجبًا : أي نظرة؟
اعتدل برايلين على سريره بشكلٍ أفضل و هو يحمل نظرات الازدراء على وجهه بينما يقول ببعض العنف : هل تظنني أعمى؟
تعجب مما يقوله فأجاب بهدوءٍ و تساؤل : كلا؟
تنهد بضجرٍ و هو يرى إنكار صديقه الغريب و الصادق بشكلٍ قد يخدع أي أحد، فرك رأسه بانزعاجٍ عندما أحس بفشلهِ في جعلهِ يعترف فنطق أخيرًا : إذًا هل يراودك ذلك الشعور؟
- أي شعور؟ لمَ نتحدث بالألغاز هكذا؟
عقد وايت ذراعيه بانزعاج بعد أن نطق بذلك، أحس بأن هذه المحادثة مألوفة بطريقةٍ إلى أن أدرك ما يتحدث عنه فأشاح ببصرهِ بعيدًا عنه ليغادر الغرفة قبل أن يتخذ حوارهما منحنى لا ينوي الخوض فيه حاليًا.
بات برايلين يرى ظهر وايت و هو يسير مبتعدًا فناداه أخيرًا بصوتٍ حمل بعض الضيق رغم غضبه : لا تتغابَ! شعور الفراغِ العقيمُ ذاك، أنا أراه.
شتم ذلك الراحل نفسه داخل رأسه و هو يهمهم بصوتٍ لن يصل إلى الجالس خلفه : لقد فعلتها مرةً أخرى، تبًا.
لوّح له بقلةِ مبالاةٍ بينما يتحدث بنبرةٍ حاول فيها أن تبدو طبيعيةً بقدر الإمكان : إنهُ خيالك.
لفّ مقبض الباب ليفتحه فسمع صوت برايلين أخيرًا لكنه كان أكثر هدوءًا من السابق حيث قال : هل أنت متأكد؟
تنهد وايت و هو يشعر بحجم الضغط على نفسه فجأة، منذ فترةٍ و إحساسٌ مزعجٌ بالاكتئاب اللامُبَرَّر قد أصاب روحه، و الآن تحدث كل هذه الأشياء من حوله لتزيد الحمل على كاهله.
التفت إليه ليتحدث بشكٍ مع ابتسامةٍ عادية إلا أنها حوَت حزنًا لا يمكن لعينٍ دقيقةٍ كعيني صديقه أن تتجاهله : ربما؟
أنهى جملته ففوجئ بوسادةٍ قد رميت على وجهه لتصيبه بنجاح، نظر إليها بعد أن سقطت أرضًا ثم رفع رأسه لينظر إلى برايلين حيث تكلم هذا الأخير : هل حدث أمرٌ في المستشفى؟
استحلّت ابتسامةٌ أخرى شفتَي وايت حيث عبرت عن إعجابهِ بسرعة وصول ذلك الأبله إلى صلب الموضوع، وضع يدهُ اليمنى خلف رقبتهِ و أخذ يحركها مرارًا بترددٍ كي يجيبه أخيرًا ببعض الصارمة : كلا!
تابع تكوين أسئلتهِ لإحساسهِ بأن ما قاله قبل قليلٍ قد جعل المسافة الفاصلة بينه و بين الحقيقة تساوي قدر أنملة، أجّل كل ما أراد قوله البارحة كي يرى ما به أولًا .. سيكون نوعًا من الأنانية أن يستمر بإلقاء أعبائهِ عليه دون أن يكون قادرًا على فهم ما يجري معه، لربما بهذهِ الطريقة سيجعله يتأكد من أنه شخصٌ مهمٌ له؟
- دعني أخمن .. الممرضات قد قُمن بأمرٍ أحمق مرةً أخرى؟
التفت ليسير إلى الكرسي المتواجد خلف مكتبه و هو يستشعر مفعول كل خطوة يقوم بها على ذلك الرجل، رغم تلك الابتسامة إلا أنه لم يظهر أي راحةٍ أو اطمئنان فتلك الإشاعات التي سمعها عنه تكاد تكون فيلم رعبٍ بحد ذاتها، فكيف بمواجهة بطل ذلك الفيلم؟
جلس خلف مكتبه ثم أخذ يقدم بعض الحركات بيديهِ كي تؤكد ما كان يقوله : علينا أن نتأكد من أن فراشتي ستعود إلى حديقتها بأي وسيلة كانت .. أما تلك الحشرة التي تستمر في الدفاع عنها باستماتة .. أعتقد أنني كان يجب أن أتخلص منها عندما كانت لدي و حسب .. أرأيت؟ إنهم لا يقدرون عندما تكون شخصًا طيبًا .. يدفعونك لتكون الشرير فقط.
حكّ ذقنه قليلًا و هو يتأمل مكتبه المنظم ثم تذكر بعد دهرٍ ذلك الرجل الهزيل، رفع رأسه نحو ذلك الرجل فرأى رأسه يهتز للحظةٍ من خوفه إلا أنه تحدث بنبرةٍ هادئةٍ و مسالمة : صحيح .. ماذا عن ذلك الرجل؟ ألم تقل بأنه كان زبونًا عاديًا و حسب؟
ارتبك الرجل من سؤاله حيث كان يخشى الوصول إليه، أخذ يفرك يديهِ ببعضهما ثم نطق أخيرًا : حسنًا .. هذا ما ظنه الجميع.
أعاد شد ربطة عنقهِ بشكلٍ أفضل من السابق و هو يقول : ما اسمه؟
نطق الأخير بتلهفٍ كي يريَ سيده أنه كان يقوم بعمله على أكمل وجه : سألت بعضًا من جيرانه في المبنى الذي يعيش فيه، يدعى برايلين كارتر .. جميعهم تحدثوا عن والدته المتوفاة حديثًا حيث اعتقدوا أنني واحدٌ من أقاربه.
تدخلت أصابع يديه في ما بينها لتكون جسرًا يستند به ذقنه عليه، ابتسم بشكلٍ مؤسفٍ يدل على أنه يشعر بالأسى رغم أن ذلك لن ينطليَ على ذلك الرجل أمامه، نطق أخيرًا باستياء : تلك الفراشة المسكينة .. لابد أنها بائسة حقًا .. لكنها حمقاء .. أعني هل سترفض إن أخبرك أحدهم أنك تستطيع دخول جنةٍ كالتي أملكها؟ على ما يبدو هي تحب إمتاعيَ حقًا .. آمل أن أربع سنواتٍ كانت كافيةً لكِ لتمرحي بما فيه الكفاية، ستعودين إلى منزلكِ الدافئ قريبًا.
شعر الرجل بأن تقريره قد انتهى فلم يرغب في البقاء للحظةٍ أخرى مع رئيسه المجنون، نطق بترددٍ و هو يفرك يديه : عند هذه النقطة يكون تقريريَ قد انتهى، هل أنصرف سيدي؟
رفع رأسه إليه ثم نطق مجيبًا إياه بنبرةٍ حملت بعض الإطراء : بالطبع .. خذ بعض الحلوى من السكرتيرة في طريقك.
لسببٍ ما ارتعد جسده لذلك الطلب إلا أنه أومأ مجيبًا أمره ثم نطق بتلعثمٍ واضحٍ عجز عن إخفائه : ح .. حاضر.
بعدما خرج ذلك الرجل أغلق الباب من خلفه، فتح جرايدُن أول درجٍ في مكتبهِ ليستل مسدسًا من الطراز التقليدي ثم جهّزه لرمي الرصاص، تأمله عدة ثوانٍ ثم صوّب نحو الباب الخشبي لتشُن خمس رصاصاتٍ حربًا على ذلك الباب تاركةً فيه خمس فتحاتٍ واضحةً للعيان.
نفخ الدخان المتصاعد من فوّهته ثم نادى متسائلًا بصوتٍ بدا مبتهجًا بشكلٍ غريب بالنسبة لشخصٍ بعثر خمس رصاصاتٍ في الجو توًا : ترى من هو هذا المحظوظ الذي نال هديتي؟
تمكن من سماع القليل من اللعثمة المرتعشة و التي سرعان ما تحولت إلى كلامٍ مفهوم بعد ثوانٍ : السك .. السكرتيرة.
هتف بسعادةٍ لأنه نال ما أراده فقال مبررًا فعله : لقد نالت هي جائزتها لأنها لم ترتدِ القميص الذي أخبرتها عنه، و الآن تجاهلها و احظى بجائزتك أنت أيضًا.
رغم أن هنالك باباً فاصلًا بينهما إلا أنه كان يستطيع الشعور بعينين زرقاوين تكادان تخترقانه، لم يتوقع أن الأعين الزرقاء البريئة يمكن لها أن تحمل نظرات الشيطان المخيفة هذه.
سحب قطعة الحلوى من على المكتب و هو يحاول إقناع نفسه بأن لا شيء سيحدث، فسيده لا يكرر أفعاله أبدًا .. لن تندفع خمس رصاصاتٍ أخرى لتستقر في جسده إن هو عبر خارجًا من خلال الباب الآخر الموجود في نهاية الممر.
ابتلع تلك الحلوى و هو يشعر بأعصابه المشدودة ترتخي شيئًا فشيئًا بعد أن تخطى أمر ذلك التقرير الذي كان يخفيه منذ الصباح الباكر.
تساءل عن سبب تأخره في طلب ذلك التقرير بعد أن فشلت خطتهم إلا أنه اعتقد أنه يريد أن يرى ما سيحدث لها بعد عدة أيام من كل هذا.
كان من النادر أن يطلب تقريرًا عن أيامها، هو يفعل ذلك كل ثلاثة أشهرٍ و أحيانًا كل ستة أشهر .. بدا له ذلك الرجل كما لو أنه مخبولٌ مهووس بامرأةٍ جميلة مسكينة، شعر بالأسى عليها أثناء مراقبته لها إلا أنه لم يملك من أمره أي شيء.
تجنب جسد تلك المرأة التي بدت مقززة في نظره حيث أنها أشبعت وجهها بأرطالٍ من مساحيق التجميل، و غطت جسدها بملابس لم تكن مناسبة لمكان عملٍ محترم.
اقترب من الباب الموجود في نهاية الممر ثم شعر فجأةً بجسده يتداعى على الأرض دون أن يفهم ما حدث، انحبست أنفاسه و عجز عن إيصال الأكسجين إلى أطرافه مما جعل الموت يعانقه بعد دقائق قليلة.
آخر ما سمعه كان ضحكة سيده التي اخترقت كل الجدران لتستقر في أذنيه، لقد تم الإيقاع به بسهولة و ها هو يموت كما فعل العشرات من قبله .. لم يتوقع أن يحدث هذا الأمر بسرعة هكذا!
📚شطر من نور📚
الفصل ( السابع والخمسون )
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐
قناتنا على التلجرام ...
/channel/stories_Encyclopedia
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- مضت فترةٌ طويلة لم أسمع فيها تقريرًا منك، ما الذي حصل معها بعد ما فعلتموه؟
اتكأ ذلك الرجل بمرفقهِ الأيسر على مكتبه ليسند رأسه بدورهِ على قبضته و هو يظهر نظرات الملل عندما سأل ذلك السؤال، حلّ وثاق ربطةِ عنقهِ قليلًا و هو يحدق في الواقف أمامه و الذي بدا مرتعدًا من طريقة حديث رئيسه حيث كانت ممزوجة بين الهدوء و البرود.
تعرقلت الكلمات أثناء خروجها من بين شفتيه إلا أنها نجحت أخيرًا رغم التردد الذي كان يبطئها حيث قال : بعدما عادت إلى المتجر أغلقته بأبوابه الحديدية بشكلٍ غير مسبوق، في اليوم التالي استيقظت متأخرةً عن موعدها المعتاد حيث أنها لم تفتح متجرها في التاسعة كما هي عادتها، إلا أنها فتحته أخيرًا حيث بدت مستعدةً لتنظيف الفوضى التي خلفوها سابقًا.
رسم الخبث ملامح وجهه حتى أن ذلك الرجل قد توقف لعدة ثوانٍ و هو يتأمل قسمات سيده الغريبة تلك، رطّب شفتيهِ و ازدرد ريقه ليكمل بتوتر حيث أحس بأن التالي لن يروق له : لم تمضِ أكثر من نصف ساعة حتى ظهر ذلك الرجل مرة أخرى.
رفع رأسه و هو ينظر إليه باهتمامٍ ثم نطق متسائلًا رغم ثقتهِ في الإجابة الموجودة داخل رأسه : أتعني ذلك الهزيل الذي أفسد مخططكم الفاشل؟
أومأ ليدل على صحة ما قاله رئيسه وتابع الإدلاء بتقريره : مما رأيته فقد قام بمساعدتها في تنظيف و ترتيب المتجر .. لم يبدُ أنه قد تلقى أجرًا ما من أجل ذلك.
استرق ذلك الجالس على المكتب نظرةً إلى إطارٍ كان موجودًا على مكتبه حيث احتوى بداخله صورة له مع زوجته المحبوبة العابِسة كما هي العادة، تمتم مع ابتسامةٍ قد تخيف أحدهم لكنها لا تفارق وجهه عندما يظهر ما هو مثير : يبدو أن فراشتي الصغيرة تحوم حول وردةٍ أخرى.
رفع رأسه لينظر إلى الواقف أمامه ثم سأله بينما يعبث بقلمٍ كان على الطاولة بيدهِ اليمنى : و ما الذي حدث بعد ذلك تيلفورد؟
أردف هذا المدعو بتيلفورد و هو يفرك يديهِ ببعضهما كدلالةٍ على قلقهِ من رد فعل سيده حيث أن ما كان يحمله من أخبار لم يكن بالشيء الممتع لنقله، كان يعلم بأنه يغضب جدًا عندما يحتك أحدهم بها لفترةٍ طويلة : أخذ ذلك الرجل كيلي إلى الحديقة و عاد بها مرةً أخرى قبل مغيب الشمس بقليل، أثناء غيابهما زارها لاڨار.
وجِل للحظةٍ و اضطربت نظراته لعدم توقعه حدوث شيءٍ كهذا إلا أنه أخيرًا أطلق ضحكة سخريةٍ للعلن لسخافة الموقف بينما نطق هازئًا : و ما الذي فعله هناك؟ لابد أنه يائسٌ جدًا لينال مني حتى يستخدم طرقًا ملتويةً كتلك، ألم يعلم بعد أنني لا أبالي بحياة الخدم؟ إنه وغدٌ أحمق.
عجِز ذلك الرجل عن تحديد طريقة معينة للحديث مع رئيسه حيث أحس بأن غلطة واحدة قد تنهي حياته في لحظة لن تحوي ذرة تردد، حاول أن يوضّح لرئيسهِ ما فهمه دون أن يتطرق لكل ما قاله عن حياة من حوله : مما فهمته من سكان الحي فقد كان لاڨار يحصد أموالًا للتأمين و الحماية من جميع المتاجر في ذلك الحي، على ما يبدو هي الوحيدة التي كانت ترفض الدفع له منذ ستة أشهر.
أومأ برضا و كأنه مستمتعٌ بكل ما يسمعه ثم سأله باهتمام : إنه ذكي حتى أن الشرطة لم تنل منه بعد، و ما الذي فعلته هيَ؟
تابع تيلفورد عندما أحس بقليلٍ من الراحة تتسلل إلى قلبه لرؤيته ملامح رئيسه و هي تعود لتصبح أقل غرابةً من السابق : يبدو أنه قد طلب منها شيئًا ما و هي قد رفضته، فأمسك بيدها إلا أنه أفلتها بعد عدة دقائق ثم خرج من المكان دون أن يضيف أي شيء على فعله.
تطايرت ضحكةٌ شريرةٌ من بين شفتيه ليقول بعدها بثقةٍ و اعتزاز : هذهِ هي فراشتي العنيفة .. و ماذا بعد؟ أفترض أن يومها ينتهي عند التاسعة مساءً لأنه كان كذلك لفترةٍ طويلة.
صمت الرجل قليلًا و هو يسأل نفسه عن الطريقة التي سيقول فيها ما هو قادم، بسبب التردد الذي اعتلى خادمه فقد اعتدل جرايدُن على كرسيهِ حيث أحس بأن ما هو مثيرٌ و مشوقٌ أكثر قادم في الطريق.
سحب بعضًا من الهواء إلى رئتيه ليشحن جسده بالأكسجين الكافي حتى يلقيَ قنبلته أخيرًا : هذا ما ظنته سيدي .. لكنها و عند الحادية عشرة قد خرجت من المنزل فجأة.
تجاهل جرايدُن حقيقة أنها قد خرجت في وقتٍ متأخرٍ كذاك ليسأل رجله المسكين بنبرة معاتبة و نظراتٍ بسيطةٍ لكنها لم تكن بالشيء البسيط لقلب تيلفورد المرتعش : و ما الذي دفعك للبقاء قريبًا من منزلها حتى ذلك الوقت؟ هل أعطيتك الإذن لذلك؟
ذُعِر الرجل و تراجع جسده خطوةً للوراء كرد فعلٍ لا إرادي عندما أدرك حقيقة أنه قد خالف أوامر سيده، لقد رأى الكثير ممن لقوا حتفهم لأنهم تجاوزوا أوامره مهما كانت بساطتها.
نسيت أن أذكر هذا .. يبدو أنها تحب مناداتي ببراي مثلكِ .. هي تعلم أنه يزعجني و رغم ذلك ما زالت تستمر في قول .. أعني هل أبدو كشخصٍ من الممتع إزعاجه؟
ارتسمت ابتسامة سخريةٍ موجعة عندما وخزته حقيقة كون والد هذه الطفلة هو ذلك الحقير ذاته، تمتم و كأن ذلك الواقع قد أزعجه : لكن الجزء الأغرب هو أن تلك الطفلة البريئة ابنة أكثر شخصٍ حقيرٍ عرفته عيناي .. أعني كيف يمكن لهذا أن يكون حقيقيًا؟ لابد أن الحياة تمازحني بشكلٍ سيء.
رفع رأسه للحظةٍ كي ينظر إلى النصب ثم نكس رأسه مجددًا ليقع بصره على القبر ذاته .. لسببٍ ما اكتسح التردد و القلق وجهه و هو يقول بانكسار : أتعلمين .. منذ فترةٍ و أنا أتساءل .. ما علاقتي بكل هذا؟ كل تلك القصص و الأشخاص .. إنهم يزعجونني .. لكن شيئًا ما يخبرني أن هذا جيد .. كما أنهما تجبرانني على الابتسام .. لمَ؟ لا تزعجني الأشياء بسهولةٍ عادة .. لا تجعلني السخافات أبتسم عادة .. لا آبه لمن حولي عادةً .. إذًا ما الذي فعلته بي أخبريني؟
سؤالٌ آخر كان يراودني منذ فترة .. لمَ هي كانت تبتسم؟ هل تحاول خداعي بكل هذا اللطف؟ لن أفيدها في شيءٍ على أيةِ حال لكنني أريد أن أعرف .. لمَ كانت تبتسم؟ لمَ رحبّت بي؟ لمَ سمحت لي بالتطفل على حياتها .. حتمًا هناك سببٌ ما .. لا يحدث شيءٌ في هذا العالم بدون سبب .. أليس كذلك؟
هل كان ينتظر ردًا على كل هذا؟ ربما .. و ربما لا .. لكنه واثقٌ من أن الأموات لا يتحدثون و كان ذلك كافيًا ليشعر بقلبهِ يتخبط من شدة الألم.
هذا الوجع مجددًا .. لقد ذاق درجاتٍ متفاوتةً منه و في كل مرةٍ يعتقد أن هذا هو الأكثر ألمًا يأتيه ما هو أشد منه .. آلمه قلبه بطريقةٍ مشابهٍ لهذا عندما ماتت تلك الطفلة، ثم والده .. و الآن والدته .. إلا أنه عند الضربة الأخيرة فقد تعاظم بشكلٍ جعله يشعر بأنه سيموت في أي لحظة.
ظن أنه قد تخلص منه منذ فترةٍ لكنه يعاود مباغتته دون أن يفهم السبب .. ما الذي يحدث و لماذا؟
هل لأنه يشعر بعدم أهليّته للشعور بالسعادة بعد رحيلها؟ أيعاقبه جسده على كل ما اقترفه فيه من إهمال؟ لا يمكنه أن يحدد سببه و كان ذلك يوجعه .. يوجعه جدًا و هو الذي ما اعتاد على هكذا نوع من الألم.
عندما تعرف سبب المشكلة فستبدأ في البحث عن حل .. لكن أتستطيع حل مشكلة مبهمة السبب؟ كيف له أن يداوي جرحًا لا يدرك مكانه إلا أنه يعذب جسده بألمه؟ هو ليس بصانع معجزاتٍ و والدته كذلك.
كان ناكس الرأس طوال فترة خوضه في كل تلك الأفكار، يتأمل أطراف يديه مع الوردة التي كان يعبث فيها بتردد .. هو قلق .. ضائع .. متعب .. لمَ؟ ليخبره أحدهم رجاءً.
هل يحصل كل هذا بعد موقفه المحرج معها كونه آخر أمرٍ غريبٍ حدث؟ لم يكن واثقًا .. ألعنته الحياة بمصائبها لأنه استمر في تسبيب المتاعب لوايت؟ إن كان كذلك فهو يستحق بعضًا مما هو فيه .. لكن ليس إلى هذا الحد .. ليس إلى حد شعوره بشيءٍ يطحنه من الداخل.
نبضة إلى الأعلى و نبضة إلى الأسفل، بدت هذه الممتابعات كالسياط في وجعه لكن لمَ؟ هل هذا هو الألم الذي اكتنزه قلبه لثلاثةِ أسابيع؟
رفع رأسه لينظر إلى نصب قبرها في يأس لعله يجد ما يزيل ذلك الوجع، ما يزال يعتمد عليها حتى و هي بين التراب .. أي طفلٍ مثيرٍ للشفقة هو هذا الذي حظيتي به أيتها الأم الرائعة؟ أراد أن يتمتم بذلك لكنه خشيَ من أن تخونه دموعه .. لم يعد يثق بها بعد كل ما حدث.
انحدر حاله إلى ما أهو أعمق من الجحيم في أقل من خمس عشرة دقيقة .. كم كان ذلك مثيرًا للشفقة لشخصٍ متحجر القلب كما كان يصفه بعضهم.
غطا نصف وجهه بيدهِ اليسرى و هو يرتدي ابتسامة قد تؤلم رائيها ثم تمتم محدثًا نفسه : هل أهدرت كل جهودهم المضنية بهذه السرعة أيها الفاشل؟
إنه يقدر جهود الجميع بحق .. حتى و إن كانوا يزعجونه، لا يمكنه فعل شيءٍ سوى أن يقدرهم بعد أن تحملوا شخصًا حقيرًا و مثيرًا للشفقة مثله .. لمَ هو لا يستطيع أن يرد لهم بعضًا من ذلك؟
لكن السؤال الأهم هو .. أيتخيل أم أنه يسمع ضحكات تلك السيدة داخل رأسه؟ و هل هذا صوت صغيرتها يقتحم رأسه مرةً أخرى؟ هل يحاول عقله السخرية منه أم أن قلبه يعبث بشرائط الذكريات التي يتحفظ عليها منذ الأزل؟
- براي الخارق!
هو ليس خارقًا.
- أيها البطل .. أنت دافئ.
هو ليس بطلًا و لا حتى دافئًا .. هو قطعةٌ متحجرة لا منفعة منها لغيره .. غارقٌ لا يجيد فعل شيءٍ سوى سحب الجميع معه و قد أثبت ذلك عدة مراتٍ من قبل.
- أخيرًا رفعت رأسك و بدأت تنظر للأشياء من حولك .. برايلين!
حسنًا .. عندما أرسل قلبه قذيفته الأخيرة كان العقل قد هوى أرضًا .. لم يملك ردًا على تلك الجملة.
هل كانت تنتظر منه أن يرفع رأسه ليراها حتى؟ هو بالفعل رفع رأسه .. رفعه بعد أن اعتقد أن لا شيء سيدفعه لفعل ذلك مجددًا.
إذًا .. ما الذي أرادته منه تلك الغريبة بعد أن يرفع رأسه؟ لابد أنها أرادت شيئًا .. حتمًا هي تريد شيئًا .. لا يمكن أن يفعل أحدهم شيئًا من أجل لا شيء .. هناك خطبٌ ما في عقلها بكل تأكيد.
حاول ريموند النطق من بين ضحكاته و هو يرى وجنتي ابنه قد تحولتا إلى حبتي كرز : نايلي الفتى قد ذاب من شدة الخجل، حتى أنه ما عاد بإمكانهِ الرد .. يجب أن نتوقف.
أفلتتهُ بعد أن رضخت لما قاله زوجها ثم أخذت تتأمل قسمات وجه صغيرها بأعينها الخضراء الخلابة، تمتمت مع ابتسامةٍ عريضةٍ لم تفارق شفتيها منذ البداية : و بعد كل ذلك أنت تلومني لأنني أصِفه باللطيف؟
حرّك كتفيهِ بلا مبالاة ثم نطق بنبرةٍ اصطنع فيها بعض الشر كي يخيفها : سيفسد زهور دوار الشمس كانتقامٍ إن استمررتي في فعل ذلك، تعلمين أنه يكره أن يوصف باللطيف .. و هل تعلمين؟ سأساعده على تخريبهم أيضًا.
قهقهت نايلي على محاولته لتهديدها ثم قالت : زوجيَ الظريف يحاول أن يفرض سلطته كرجل، هذا مثيرٌ للاهتمام.
تلعثم هذا الأخير بينما ضحك برايلين على رد فعله، أجابها بعد لحظةٍ و هو يحاول أن يخفيَ الآثار التي خلّفتها نبرتها اللطيفة على وجهه : من تصفينه بالظريف؟ و سلطتي كرجلٍ موجودةٌ منذ الأزل.
أومأت متجاهلةً كل ما قاله ثم نطقت و هي تحمل نظرة شريرة فتوقع برايلين أنها ستقول تهديدًا لا يشبه التهديد كالعادة : إذًا هل يجب أن أتخلص من الدجاج و البطاطس التي أعددتها من أجل هذا اليوم؟ إنها وجبة براي المفضلة .. كان يجب علي أن أكافئه بعد يومه الطويل و الشاق.
سحب ريموند برايلين إلى جانبه ثم سحب حقيبته من على ظهر عندما أحس أنه كان يحملها لفترةٍ طويلة، تابع حديثه و هو يعاود وضع ذراعه على أكتاف ابنه و كأنهما فريقٌ واحد حيث كانا متقاربين في الطول ثم تحدث ساخرًا : حسنًا .. دعني أستغل موقعك الاستراتيجي يا مدلل أمك .. أطلُب منها أن تعد لي بعضًا من اللحم المشوي منذ قرون و هي لم تستجب لي يومًا.
كتّفت يديها بضيقٍ ثم أشاحت بوجهها و هي غير راضية، نطقت أخيرًا لتفسر تصرفاتها السابقة و هي تحاول أن تبدو منزعجة لكنها كانت تبدو أكثر لطفًا في عيني برايلين : ربما قد أفعل عندما تعتذر عن تناولك لآخر طبقٍ من الحلوى، لقد كتبت اسميَ عليه بالكريما و أنت تناولته بكل بساطة يا رجل .. هل أنت أمّي؟
تنهد بغيظٍ ثم رفع يده عن برايلين و أخذ يشير في الهواء بيديه كي يدعم ما سيقوله حيث نطق بتذمر : حدث هذا منذ شهرٍ نايلي و قد اعتذرت آلاف المرات.
أطلقت تنهيدةً طفوليةً متعمدة كي تجعل برايلين يضحك فنالت ما أرادته، نظرت إلى ريموند بعينٍ وحيدة و غير راضية : هذا ليس كافيًا.
- إذًا ماذا عن هذا؟
نطق بتلك الجملة و هو يحرك أصابعه في الهواء عدة مراتٍ مما دفعها لتتراجع و هي تسأله بقلق : ريموند .. ما الذي تفعله .. ابتعد عني!
مدّ يدًا ليدغدغها من خصرها فانتفض جسدها و أطلقت ضحكةٌ عفوية كي تقول ببعض الحزم : توقف!
تتابعت عليها محاولاته في دغدغتها فنال ما أراده، أخذ يقول ساخرًا و هو مطروبٌ بضحكاتها : حسنًا .. هذا هو سلاحي الأخير أمامكِ.
كافحت قليلًا لتقول من بين ضحكاتها اللا إرادية : توقف .. هذا .. هذا مضحك.
كانا قد تحركا عبر الرواق بأكمله حيث كانت تحاول الهرب منه بينما هو فقد نال منها تمامًا، أما برايلين فقد كان يضحك بأقصى ما لديه على هذه المسرحية الهزلية اللطيفة .. لا يمل أبدًا من رؤيتهما هكذا و لن يفعل ذلك أبدًا.
- براي .. تعال و ساعدني.
ناداه والده و هو يضحك على حالها بينما احمرّت وجنتاها تمامًا .. و رغم ذلك فقد كان يعلم أنها سعيدة.
- لا ترد عليه .. ساعد والدتك براي.
هتفت والدته حين تمكنت من إمساك يد زوجها بصعوبة عندما تشتت بتلك الجملة.
استغل ريموند إحساسها بالفوز فهتف أخيرًا بعد أن أبعد عنها يديه للحظة : هل تظنين أنكِ فزتِ؟ ثم حملها بين ذراعيه بحركةٍ مفاجئة منه.
هتف برايلين و هو يقاوم الضحك الذي كان قد اقتحم شفتيه منذ مدة : اعترفا .. هل شربتما شيئًا البارحة؟
رد والده سريعًا مدافعًا عن نفسه : بالطبع كلا!
بينما أجابت نايلي بشكلٍ معاكس و هي تنظر إلى برايلين : إنه كاذب، هو من جلب تلك العلبة!
التفت كل واحدٍ منهما إلى الآخر ثم ضحكا بينما عقد برايلين يديه بغير رضا و تابع : هذا ليس جيدًا.
أنزلها ريموند أخيرًا بعد أن ضربت كتفه بخفةٍ طلبًا للنزول و هو يقول مبررًا : براي كانت علبة صغيرة للغاية، لكن مهلًا .. من والدك يا فتى؟
ضحكت نايلي بعد طريقة رده الفاشلة تلك ثم نظرت إليه و هي تضمر خطة رهيبة فهم مغزاها من نظرتها.
اقتربا منع بهدوء و أنظارهما لم تبشره بالخير، نطق و هي يتراجع حتى التصق بالحائط من خلفه : ما الذي تقعلانه؟!
احتضنته نايلي بينما أخذ ريموند يدغدغه لتقول والدته و هي ترى مقاوماته البسيطة و ضحكاته المتماشية معهما : آمل أن اليوم الأول لصغيري في الثانوية قد كان مميزًا .. لا تنسَ! ستبقى صغيري إلى الأبد.
__
لقراءة المزيد على قناتتا في التلجرام
/channel/stories_Encyclopedia
⭐موسوعة قصص وروايات منوعة⭐