7620
قناة سيدتي كل ما يهم المرأة كل مايهم المرأة العصرية والفتاة العربية . @Sayidati
فَمِنْ طَبِيعَةِ الْمَرْأَةِ أَنَّهَا لَا تَرْغَبُ أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا أَقْصَرَ مِنْهَا، لِأَنَّهَا إِذَا سَارَتْ مَعَهُ تَشْعُرُ وَكَأَنَّهُ أَحَدُ أَبْنَائِهَا، أَوْ هَكَذَا يَتَصَوَّرُ النَّاظِرُ إِلَيْهَا، وَهَذَا الْإِحْسَاسُ يُؤْذِيهَا، وَلَا يُشْعِرُهَا بِالْقُوَّةِ وَالْأَمَانِ وَهِيَ مَعَهُ، بِسَبَبِ قِصَرِهِ.
وَقَدْ تَعِيشُ الْمَرْأَةُ فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهَا، إِذَا تَقَدَّمَ لَهَا خَاطِبٌ بِمُواصَفَاتٍ جَمِيلَةٍ لَكِنَّهُ قَصِيرٌ، وَقَدْ تَرُدُّهُ مَعَ جَمِيلِ مُوَاصَفَتِهِ بِسَبَبِ قِصَرِهِ.
وَطُولُ الْقَامَةِ مَعَ اعْتِدَالِهَا دَلِيلُ الْقُوَّةِ، وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى قُوَّتِهِ بِأَنَّ حَمَائِلَ سَيْفِهِ طَوِيلَةٌ مِثْلُهُ؛ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ اسْتِخْدَامُ سَيْفِهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ.
الثَّالِثَةُ: الجُودُ وَالكَرَمُ:
وَعَبَّرَتْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا: عَظِيمُ الرَّمَادِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((تَصِفُهُ بِالْجُودِ وَكَثْرَةِ الضِّيافَةِ مِنْ لَحْمِ الْإِبِلِ وَمِنْ غَيْرِهَا مِنَ اللُّحُومِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَظُمَتْ نَارُهُ، وَكَثُرَ وُقُودُهَا، فَيَكُونُ الرَّمَادُ فِي الْكَثْرَةِ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ)). (غَرِيبُ الْحَدِيثِ 2/172).
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((ثُمَّ وَصَفَتْهُ بِالْكَرَمِ فِي سَجِيَّتِهِ، وَالْجُودِ بِذَاتِ يَدِهِ، وَلَحَنَتْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا: «عَظِيمُ الرَّمَادِ»؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَثُرَ ضَيْفَانُهُ، وَنَحْرُهُ لَهُمْ وَاشْتِوَاؤُهُ وَطَبْخُهُ أَطْعِمَتَهُمْ، كَثُرَتْ نَارُهُ، وَكَثُرَ رَمَادُهُ)). (بُغْيَةُ الرَّائِدِ ص195).
فَهَذَا زَوْجٌ كَرِيمٌ، وَمَنْ يُكْرِمْ ضُيُوفَهُ يُكْرِمْ أَهْلَهُ.
وَهِيَ فِي مَدْحِهَا لَهُ بِأَنَّهُ كَرِيمٌ، وَأَنَّ ضُيُوفَهُ كُثْرٌ، تُشِيرُ بِكَلَامِهَا هَذَا إِلَى حُبِّهَا لِكَثْرَةِ الضُّيُوفِ، وَعَدَمِ تَضَجُّرِهَا، وَلَابُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مِنَ الْخِدْمَةِ لِهَؤُلَاءِ الضُّيُوفِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ مَا تَقُومُ بِهِ وَتُقَدِّمُهُ وَتُسْهِمُ فِيهِ، وَلَا تَقْبَلُ بِهَذَا إِلَّا كَرِيمَةُ الطَّبْعِ مُحِبَّةٌ لِلضُّيُوفِ، لَا تَسْأَمُ مِنْ خِدْمَتِهِمْ، وَلَا تَمْنَعُ زَوْجَهَا مِنِ اسْتِقْبَالِهِمْ.
الرَّابِعَةُ: قُرْبُهُ مِنَ النَّاسِ:
وَعَبَّرَتْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا: قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِي.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((تَعْنِي أَنَّهُ يَنْزِلُ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ، لِيَعْلَمُوا مَكَانَهُ، فَيَنْزِلَ بِهِ الْأَضْيَافُ، وَلَا يَسْتَبْعِدُ مِنْهُمْ، وَيَتَوَارَى فِرَارًا مِنْ نُزُولِ النَّوَائِبِ، وَالْأَضْيَافِ بِهِ)). (غَرِيبُ الْحَدِيثِ 2/177).
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((تُرِيدُ بِذَلِكَ: أَنَّهُ يَنْزِلُ بَيْنَ ظَهْرَانِيِّ النَّاسِ، وَمُجْتَمَعِ الْحَيِّ، وَمَقْصِدِ الْوَارِدِ، وَطَالِبِ الضِّيافَةِ؛ لِتَكْثُرَ أَضْيَافُهُ، وَلَا يَتَوَارَى بِأَطْرَافِ الْحُلَلِ وَأَغْوَارِ الْمَنَازِلِ، وَيَبْعُدُ عَنْ سَمْتِ الْوَارِدِ، فِرَارًا مِنَ الْقَاصِدِ، وَمَلَاذًا مِنَ الطَّارِقِ؛ لِئَلَّا يَهْتَدُوا إِلَى مَكَانِهِ وَيَسْتَبْعِدُوا مَوْضِعَهُ، فَيَصْدِفُونَ عَنْهُ)).
(بُغْيَةُ الرَّائِدِ ص197).
وَهَذِهِ صِفَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلَى حُبِّ الْكَرَمِ، وَخِدْمَةِ النَّاسِ، وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ النَّاسِ، قَدْ فَتَحَ بَابَ مَجْلِسِهِ لَهُمْ، سَهُلَ عَلَى النَّاسِ الْوُصُولُ إِلَيْهِ، فَيَأْتِيهِ كُلُّ صَاحِبِ حَاجَةٍ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ بِهَا يَسْأَلُهُ الْمَعُونَةَ فِيهَا.
وَالنَّاسُ لَا يَلْجَؤُونَ إِلَّا لِمَنْ فَتَحَ قَلْبَهُ لَهُمْ، فَيَسْمَعُ مِنْهُمْ، وَيُطَيِّبُ خَاطِرَهُمْ، وَيَقْضِي مَا تَيَسَّرَ مِنْ حَاجَاتِهِمْ.
وَرَجُلٌ هَذِهِ صِفَاتُهُ الْحَمِيدَةُ يُتَوَقَّعُ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَجْمَلُ الْأَثَرِ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ.
وَالْمَرْأَةُ مَحْظُوظَةٌ بِمِثْلِ هَذَا الزَّوْجِ، وَهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَشْكُرَ الله عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهَا، وَتَكُونَ عَوْنًا لِزَوْجِهَا عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ.
فَكَيْفَ أَنْتَ أَيُّهَا الرَّجُلُ الْكَرِيمُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ؟
وَهَلْ يَتَّسِعُ صَدْرُكَ لِلنَّاسِ، فَتَسْمَعُ مِنْهُمْ مَا يَدُورُ فِي صُدُورِهِمْ؟
أَسْأَلُ الله أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلتَّحَلِّي بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ.
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
15 رمضان 1447هـ
*زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ*
بَعْدَ أَنْ اسْتَمَعَتِ المَرْأَةُ الثَّامِنَةُ لِمَنْ قَبْلَهَا مِنَ النِّسَاءِ فِي وَصْفِ أَزْوَاجِهِنَّ، مَدْحًا وَذَمًّا، افْتَخَرَتْ عَلَيْهِنَّ بِوَصْفِ زَوْجِهَا بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَاتٍ بَلِيغَاتٍ، فَقَالَتْ:
زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ.
لَمْ تُطِلِ الكَلَامَ، وَإِنَّمَا بَالَغَتْ فِي الوَصْفِ، وَتَرَكَتِ النِّسَاءَ يَطُفْنَ فِي جَمِيلِ المَعَانِي الَّتِي حَمَلَتْهَا هَذِهِ العِبَارَاتُ القَلِيلَةُ، وَهَذَا الوَصْفُ البَلِيغُ؛ الأَرْنَبُ وَالرِّيحُ يَشْتَرِكَانِ فِي عِدَّةِ أُمُورٍ، مِنْهَا النُّعُومَةُ الَّتِي تُدَغْدِغُ مَنْ يُلَامِسُهُمَا.
وَهَذَا مِنْ جَمِيلِ مَنْطِقِ هَذِهِ المَرْأَةِ أَنَّهَا أَتَتْ بِالمَدْحِ العَامِّ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَأَحْسَبُ أَنَّهَا لَوْ فَصَّلَتْ لَذَكَرَتْ خِصَالًا حَمِيدَةً اشْتَمَلَ عَلَيْهَا هَذَا الوَصْفُ البَلِيغُ.
ذَلِكَ أَنَّ التَّفْصِيلَ فِي المَدْحِ بَيْنَ النِّسَاءِ قَدْ يُحْزِنُ قَلْبَ المَحْرُومَةِ مِنْ جَمِيلِ الصِّفَاتِ فِي زَوْجِهَا، فَتَقَعُ فِي الحَسَدِ، أَوْ تَتَحَسَّرُ عَلَى فَوَاتِ مِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ، أَوْ تَطْمَعُ فِيهِ، خَاصَّةً إِذَا لَمْ تَكُنْ مُتَزَوِّجَةً، أَوْ تَغْفُلُ عَنْ مَحَاسِنِ زَوْجِهَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَحَاسِنِ غَيْرِهِ، فَتَكْفُرُ النِّعْمَةَ الَّتِي هِيَ فِيهَا، وَالكَمَالُ بَيْنَ الرِّجَالِ عَزِيزٌ، فَكَيْفَ بَيْنَ النِّسَاءِ؟!
فَالنَّصِيحَةُ لِلْمَرْأَةِ العَاقِلَةِ أَلَّا تُكْثِرَ الحَدِيثَ بَيْنَ النِّسَاءِ عَنِ التَّفَاصِيلِ الجَمِيلَةِ الَّتِي تَعِيشُهَا مَعَ زَوْجِهَا.
لَكِنَّنَا ابْتُلِينَا فِي هَذَا الزَّمَانِ بِمَا يُسَمَّى وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ، وَهِيَ نِعْمَةٌ أُسِيءَ اسْتِخْدَامُهَا مِنْ قِبَلِ مَنْ تَشَبَّعَتْ عُقُولُهُمْ بِحُبِّ الشُّهْرَةِ وَالِافْتِخَارِ بَيْنَ النَّاسِ، فَيُصَوِّرُونَ كُلَّ لَحْظَةٍ فِي حَيَاتِهِمْ وَيَنْشُرُونَهَا فِي هَذِهِ الوَسَائِلِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى المُسْتَوَى العَقْلِيِّ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ فِي اهْتِمَامَاتِهِمْ، وَمَدَى سَيْطَرَةِ ثَقَافَةِ «التَّفَاهَةِ» عَلَى النَّاسِ.
إِنَّ هَذِهِ المَرْأَةَ العَاقِلَةَ مَدَحَتْ زَوْجَهَا بِجُمْلَتَيْنِ قَصِيرَتَيْنِ، لَوْ طَلَبْنَا مِنْ نِسَاءِ اليَوْمِ أَنْ يُثْنِينَ عَلَى رِجَالِهِنَّ بِجُمْلَتَيْنِ لَمَا اسْتَطَعْنَ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ الله.
فَكَيْفَ وَهَذَا الوَصْفُ الَّذِي أَبْدَعَتْ فِيهِ المَرْأَةُ الثَّامِنَةُ بِقَوْلِهَا:
زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ.
قَدِ احْتَوَى عَلَى خِصَالٍ كَثِيرَةٍ ضَمَّنَتْهَا هَذِهِ المَرْأَةُ فِي هَذَا الوَصْفِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ الله: ((تَصِفُهُ بِحُسْنِ الخُلُقِ، وَلِينِ الجَانِبِ، كَمَسِّ الأَرْنَبِ إِذَا وَضَعْتَ يَدَكَ عَلَى ظَهْرِهَا)). (غريب الحديث 2/ 176)
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ الله: ((هَذِهِ تَصِفُ زَوْجَهَا بِلِينِ الجَانِبِ لِلأَهْلِ، وَحُسْنِ الخُلُقِ وَالعِشْرَةِ مَعَهُنَّ، كَمَسِّ الأَرْنَبِ لِلَيَانَةِ مَجَسِّهَا، وَلُدُونَةِ وَبَرِهَا)). (بغية الرائد ص188)
وَقَالَ ابْنُ دِيزِيلٍ رَحِمَهُ الله: ((وَعَنْ قَوْلِهَا: الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ تَقُولُ: هُوَ لَيِّنُ الشِّيمَةِ لِأَنَّ مَسَّ الأَرْنَبِ هَيِّنٌ لَيِّنٌ)). (حديث ابن ديزيل ص73)
فَالمَرْأَةُ وَصَفَتْ زَوْجَهَا بِوَصْفَيْنِ:
الأَوَّلُ: أَنَّهُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ:
وَهَذِهِ صِفَةٌ مَمْدُوحَةٌ فِي الإِسْلَامِ، جَاءَ فِي الثَّنَاءِ عَلَى مَنْ يَتَحَلَّى بِهَا عِدَّةُ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ، أَوْ مَنْ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ قَرِيبٍ سَهْلٍ)). (رواه ابن أبي شيبة)
وَالإِنْسَانُ الهَيِّنُ اللَّيِّنُ يَجْمَعُ خِصَالًا عَدِيدَةً كُلُّهَا جَمِيلَةٌ، مِنْهَا: الِابْتِسَامَةُ، وَالسَّمَاحَةُ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَحُبُّ إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى النَّاسِ.
أَمَّا الِابْتِسَامَةُ، فَهِيَ طَلَاقَةُ الوَجْهِ عِنْدَ لِقَاءِ النَّاسِ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِطَلَاقَةِ الوَجْهِ امْرَأَةٌ اخْتَارَهَا هَذَا الهَيِّنُ اللَّيِّنُ لِتَكُونَ صَاحِبَتَهُ فِي الحَيَاةِ، وَدَفَعَ المَالَ مِنْ أَجْلِ رِضَاهَا، وَأَشْقَى نَفْسَهُ بِالعَمَلِ الكَادِحِ مِنْ أَجْلِ سَعَادَتِهَا.
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((وَتَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ)). (رواه البخاري في الأدب المفرد)
وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَئِمَّتِهِمُ الْإِفْرِنْجِ يَضْرِبُونَ نِسَاءَهُمُ الْعَالِمَاتِ الْمُهَذَّبَاتِ وَالْكَاسِيَاتِ الْعَارِيَاتِ، الْمَائِلَاتِ الْمُمِيلَاتِ، فَعَلَ هَذَا حُكَمَاؤُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ، وَمُلُوكُهُمْ وَأُمَرَاؤُهُمْ، فَهُوَ ضَرُورَةٌ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الْغَالُونَ فِي تَكْرِيمِ أُولَئِكَ النِّسَاءِ الْمُتَعَلِّمَاتِ، فَكَيْفَ تَسْتَنْكِرُ إِبَاحَتَهُ لِلضَّرُورَةِ فِي دِينٍ عَامٍّ لِلْبَدْوِ وَالْحَضَرِ، مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْبَشَرِ؟!)). (تفسير المنار 5/74)
فَتَنَبَّهْ أَخِي الزَّوْجَ الكَرِيمَ فِي مَآلَاتِ أَفْعَالِكَ مَعَ زَوْجَتِكَ.
وَعَلَيْكَ بِالحِكْمَةِ فِي مُعَالَجَةِ مَشَاكِلِكَ.
وَاسْتَشِرْ أَهْلَ العِلْمِ، فَلَنْ تَعْدَمَ خَيْرًا مِنَ الاسْتِشَارَةِ.
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
13 رمضان 1447هـ
*ضَرْبُ المَرْأَةِ لَهُ رَدَّةُ فِعْلٍ*
تَنَاوَلْتُ في الحَدِيثِ السَّابِقِ النُّقْطَةَ الأُولَى المُتَعَلِّقَةَ بِالضَّرْبِ، وَهِيَ مَشْرُوعِيَّةُ الضَّرْبِ، مَعَ أَفْضَلِيَّةِ تَرْكِهِ.
وَالآنَ مَعَ النُّقْطَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ: مَتَى يَكُونُ الضَّرْبُ وَسِيلَةً تَرْبَوِيَّةً:
الضَّرْبُ وَسِيلَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ نَصَّ عَلَيْهَا القُرْآنُ فِي مُعَالَجَةِ الزَّوْجَةِ النَّاشِزِ، وَنَصَّ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ عَلَى الصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ العَاشِرَةَ وَلَمْ يُصَلِّ.
وَهَذَا الضَّرْبُ لَا يُجْدِي نَفْعًا إِلَّا إِذَا كَانَ بِالشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ فِي كَيْفِيَّةِ الضَّرْبِ، وَمَتَى يُسْتَخْدَمُ.
أَمَّا إِذَا خَالَفَ الرَّجُلُ شُرُوطَ هَذِهِ الوَسِيلَةِ فِي تَأْدِيبِ زَوْجَتِهِ، فَلَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ نَفْعٌ، بَلِ المُتَوَقَّعُ أَنْ تَكُونَ رَدَّةُ فِعْلِ المَرْأَةِ عَلَى خِلَافِ مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ وَيَتَمَنَّى.
وَالرَّجُلُ أَمَامَ حَالَتَيْنِ:
الحَالَةُ الأُولَى: أَنْ يَلْتَزِمَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ فِي كَيْفِيَّةِ الضَّرْبِ، وَالمَرْحَلَةِ الَّتِي يُسْتَخْدَمُ فِيهَا، وَهِيَ أَنْ يَسْتَنْفِدَ الوَسَائِلَ الَّتِي تَسْبِقُ الضَّرْبَ مِنَ الوَعْظِ وَالهَجْرِ، إِذَا اسْتَمَرَّتِ المَرْأَةُ فِي نُشُوزِهَا.
وَإِنْ كَانَ الأَفْضَلُ أَلَّا يَلْجَأَ إِلَى الضَّرْبِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلا امْرَأَةً وَلا خَادِمًا إِلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِن مَحَارِمِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. (رواه مسلم)
قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «فِيهِ أَنَّ ضَرْبَ الزَّوْجَةِ وَالخَادِمِ وَالدَّابَّةِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لِلأَدَبِ فَتَرْكُهُ أَفْضَلُ». (شرح النووي على مسلم 15/ 84)
أَمَّا رَدَّةُ فِعْلِ المَرْأَةِ مَعَ هَذَا الزَّوْجِ الصَّالِحِ فَعَلَى حَالَتَيْنِ:
الأُولَى: إِنْ كَانَتْ صَالِحَةً عَاقِلَةً تَخْشَى اللهَ تَعَالَى، فَالمُتَوَقَّعُ مِنْهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى صَوَابِهَا، وَتُطِيعَ زَوْجَهَا، وَتَتْرُكَ النُّشُوزَ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ تَسْتَمِرَّ فِي النُّشُوزِ حَتَّى مَعَ الضَّرْبِ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ لِسَبَبَيْنِ اثْنَيْنِ:
السَّبَبُ الأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ كَارِهَةً لَهُ، مُرْغَمَةً عَلَى البَقَاءِ مَعَهُ، مَضْغُوطًا عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ مَنْ حَوْلَهَا مِنْ أَهْلِهَا وَصَدِيقَاتِهَا، فَهِيَ مَظْلُومَةٌ لَمْ تَجِدْ مَنْ يَقِفُ مَعَهَا.
مَعَ أَنَّ الشَّرْعَ يُعْطِيهَا حَقَّ الخُلْعِ، فَتَفْتَدِي نَفْسَهَا بِمَا آتَاهَا مِنْ مَهْرٍ، وَتَخْلَعُ نَفْسَهَا كَمَا فِي قِصَّةِ امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ.
فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لا أَعْتِبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلا خُلُقٍ، وَلَكِنِّي لا أُطِيقُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟)). قَالَتْ: نَعَمْ. (رواه البخاري)
فَإِنْ كَانَتِ المَرْأَةُ تَمْلِكُ أَسْبَابًا شَرْعِيَّةً لِلْخُلْعِ، جَازَ لَهَا طَلَبُ خَلْعِ نَفْسِهَا، وَعَلَى الرَّجُلِ العَاقِلِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهَا الفِدْيَةَ، وَلَا يُرْغِمَهَا عَلَى حَيَاةٍ لَا تُرِيدُهَا.
السَّبَبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ المَرْأَةُ مُتَأَثِّرَةً بِالفِكْرِ النِّسْوِيِّ الَّذِي يَدْعُوهَا إِلَى التَّمَرُّدِ عَلَى الرَّجُلِ، وَعَلَى تَعَالِيمِ الإِسْلَامِ، وَإِعْطَائِهَا مُطْلَقَ الحُرِّيَّةِ فِي التَّصَرُّفِ فِي كُلِّ مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهَا، وَإِذْلَالِ الرَّجُلِ، وَإِسْقَاطِ شَخْصِيَّتِهِ.
فَالْوَصِيَّةُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَخْدِمَ التَّوْجِيهَ الرَّبَّانِيَّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النِّسَاءِ، وَالَّذِي جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19]
فَالنَّهْيُ عَنِ التَّقْبِيحِ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الإِهَانَةِ وَالإِذْلَالِ، وَعَلَى أَنَّ الكَلِمَةَ الجَارِحَةَ قَدْ تَكُونُ أَشَدَّ أَثَرًا مِنَ الضَّرْبِ؛ لِأَنَّهَا تَنْفُذُ إِلَى القَلْبِ وَتَبْقَى آثَارُهَا.
وَهَذَا مِنْ كَمَالِ هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي تَقْوِيمِ البُيُوتِ عَلَى أَسَاسِ الكَرَامَةِ وَحُسْنِ المُعَاشَرَةِ، لَا عَلَى الإِهَانَةِ وَالتَّحْقِيرِ؟!
وفي حديث لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ الطَّويلِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ فِي لِسَانِهَا شَيْئًا - يَعْنِي الْبَذَاءَ -، قَالَ: "فَطَلِّقْهَا إِذًا ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَهَا صُحْبَةً، وَلِي مِنْهَا وَلَدٌ. قَالَ: "فَمُرْهَا - يَقُولُ: عِظْهَا - فَإِنْ يَكُ فِيهَا خَيْرٌ فَسَتَفْعَلْ، وَلا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ كَضَرْبِكَ أُمَيَّتَكَ)).
(رواه أبو داود)
قَالَ الخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «وَقَوْلُهُ: لَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ كَضَرْبِكَ أَمِيتَكَ؛ فَإِنَّ الظَّعِينَةَ هِيَ المَرْأَةُ، وَسُمِّيَتْ ظَعِينَةً لِأَنَّهَا تَظْعَنُ مَعَ الزَّوْجِ وَتَنْتَقِلُ بِانْتِقَالِهِ. وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَمْنَعُ مِنْ ضَرْبِهِنَّ أَوْ يُحَرِّمُهُ عَلَى الأَزْوَاجِ عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيْهِ؛ فَقَدْ أَبَاحَ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] وَإِنَّمَا فِيهِ النَّهْيُ عَنْ تَبْرِيحِ الضَّرْبِ كَمَا يُضْرَبُ المَمَالِيكُ فِي عَادَاتِ مَنْ يَسْتَجِيزُ ضَرْبَهُمْ، وَيَسْتَعْمِلُ سُوءَ المَلَكَةِ فِيهِمْ. وَتَمْثِيلُهُ بِضَرْبِ المَمَالِيكِ لَا يُوجِبُ إِبَاحَةَ ضَرْبِهِمْ، وَإِنَّمَا جَرَى ذِكْرُهُ فِي هَذَا عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ لِأَفْعَالِهِمْ، وَنَهَاهُ عَنِ الاقْتِدَاءِ بِهَا». (معالم السنن 1/ 54)
وعَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((لا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ))، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ. فَرَخَّصَ فِي ضَرْبِهِنَّ. فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ : ((لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ)). (رواه أبو داود)
قَالَ الخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «قَوْلُهُ: (ذَئِرْنَ) مَعْنَاهُ: سُوءُ الخُلُقِ وَالجُرْأَةُ عَلَى الأَزْوَاجِ، ... مَعْنَاهُ عَلَى هَذَا أَنَّهُنَّ أَغْرَيْنَ بِأَزْوَاجِهِنَّ وَاسْتَخَفَفْنَ بِحُقُوقِهِمْ.
وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ ضَرْبَ النِّسَاءِ فِي مَنْعِ حُقُوقِ النِّكَاحِ مُبَاحٌ، إِلَّا أَنَّهُ ضَرْبٌ غَيْرُ مُبَرِّحٍ.
وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى سُوءِ أَخْلَاقِهِنَّ وَالتَّجَافِيَ عَمَّا يَكُونُ مِنْهُنَّ أَفْضَلُ». (معالم السنن 3/ 220)
قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((نَفَى عَنْهُمُ الخَيْرِيَّةَ حَيْثُ لَمْ يَصْبِرُوا وَلَمْ يَحْتَمِلُوا أَذَاهُنَّ)).
(الكاشف عن حقائق السنن 7/ 2333)
فَهَلْ تُرِيدُ - أَخِي الزَّوْجَ الكَرِيمَ - أَنْ تُحْرَمَ مِنَ الخَيْرِيَّةِ بِقِلَّةِ صَبْرِكَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنِ اخْتِيَارِكَ، عِشْتَ مَعَهَا سِنِينَ، وَأَنْجَبْتَ مِنْهَا البَنِينَ وَالبَنَاتِ؟!
وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَّرَ وَوَعَظَ، فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةً، فَقَالَ: ((أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة،ٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً)). (رواه الترمذي)
قَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ جَمْعُ: عَانِيَةٍ، وَهِيَ الأَسِيرَةُ. وَالعَانِي: الأَسِيرُ، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ لِحَقِّ الزَّوْجِ». (المفهم 3/ 334)
قَالَ الْفُقَهَاءُ: هُوَ أَلَا يَكْسِرَ فِيهَا عُضْوًا وَلَا يُؤَثِّرَ فِيهَا شَيْئًا)). (تفسير ابن كثير 1/492)
إِذَا كَانَ كَلَامُ العُلَمَاءِ عَنْ نَوْعِيَّةِ الضَّرْبِ أَنَّهُ الضَّرْبُ الخَفِيفُ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا، فَمَا فَائِدَةُ الضَّرْبِ إِذًا؟
مَنْ يَعْرِفِ المَرْأَةَ جَيِّدًا، يَعْلَمْ أَنَّ المَرْأَةَ تَتَأَثَّرُ نَفْسِيًّا، بَلْ وَقَدْ تَبْكِي بُكَاءً حَارًّا لَوْ ضَرَبَهَا زَوْجُهَا هَذَا الضَّرْبَ الخَفِيفَ، لَا لِأَنَّهَا تَأَلَّمَتْ جَسَدِيًّا، وَلَكِنْ لِأَنَّهَا تَشْعُرُ بِنَقْصِ مَكَانَتِهَا عِنْدَ مَنْ ضَرَبَهَا.
وَيَعْنِي شَيْئًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي ضَرَبَهَا قَادِرٌ عَلَى فِعْلِ مَا تَكْرَهُهُ المَرْأَةُ مِنَ الطَّلَاقِ، أَوِ الزَّوَاجِ عَلَيْهَا.
فَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ الضَّرْبِ الخَفِيفِ مَا زَالَتْ تَمْلِكُ قَلْبًا حَيًّا، فَالظَّنُّ بِهَا أَنَّهَا سَتَتْرُكُ النُّشُوزَ وَتَعُودُ إِلَى زَوْجِهَا وَتُطِيعُهُ، وَبِذَلِكَ تُنْقِذُ الأُسْرَةَ مِنَ التَّفَكُّكِ وَالتَّصَدُّعِ بِتَعَقُّلِهَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ أَبُو زَهْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((الثَّالِثُ - مِنْ دَوَاءِ النُّشُوزِ، الضَّرْبُ، وَهُوَ أَقْصَاهَا، وَلَا يُلْجَأُ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ فَشَلِ الدَّوَاءَيْنِ السَّابِقَيْنِ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الضَّرْبَ المُبَاحَ يَكُونُ عِنْدَمَا تَبْلُغُ الحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ دَرَجَةً يُخْشَى عَلَيْهَا مِنَ النُّشُوزِ وَالِافْتِرَاقِ، وَقَدْ قَيَّدَتْهُ السُّنَّةُ بِقَيْدَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُبَرِّحٍ.
وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُشِينٍ بِأَلَّا يُضْرَبَ الوَجْهُ.
فَقَدْ صَرَّحَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الضَّرْبِ غَيْرِ المُبَرِّحِ، فَقَالَ: هُوَ الضَّرْبُ بِالسِّوَاكِ أَوْ مِثْلِهِ. وَهَذَا هُوَ الضَّرْبُ المُبَاحُ، فَهُوَ رَمْزٌ لِاسْتِحْقَاقِ الضَّرْبِ، وَلَيْسَ بِضَرْبٍ)). (زهرة التفاسير 3/1670)
وقَالَ الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِذْنَ بِالضَّرْبِ لِمُرَاعَاةِ أَحْوَالٍ دَقِيقَةٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ فَأَذِنَ لِلزَّوْجِ بِضَرْبِ امْرَأَتِهِ ضَرْبَ إِصْلَاحٍ لِقَصْدِ إِقَامَةِ الْمُعَاشَرَةِ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ تَجَاوَزَ مَا تَقْتَضِيهِ حَالَةُ نُشُوزِهَا كَانَ مُعْتَدِيًا)).
(التحرير والتنوير 5/43)
هَذِهِ الأَحْوَالُ الدَّقِيقَةُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ عَنْهَا العُلَمَاءُ هِيَ عِصْيَانُ المَرْأَةِ لِلرَّجُلِ وَتَرَفُّعُهَا عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ صُورَةٍ، مِمَّا يُهِينُ الرَّجُلَ، وَيُسْقِطُ شَخْصِيَّتَهُ فِي البَيْتِ، وَأَشَدُّهَا عَلَى نَفْسِيَّةِ الرَّجُلِ مَا تَفْعَلُهُ النَّاشِزُ أَمَامَ أَوْلَادِهِ، فَيَتَمَرَّدُ عَلَيْهِ الأَوْلَادُ بِسَبَبِهَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ رَشِيدُ رِضَا رَحِمَهُ اللَّهُ: ((هَذَا وَإِنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ قَدْ خَصُّوا النُّشُوزَ الشَّرْعِيَّ الَّذِي يُبِيحُ الضَّرْبَ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ لِإِزَالَتِهِ بِخِصَالٍ قَلِيلَةٍ، كَعِصْيَانِ الرَّجُلِ فِي الْفِرَاشِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الدَّارِ بِدُونِ عُذْرٍ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ تَرْكَهَا الزِّينَةَ وَهُوَ يَطْلُبُهَا نُشُوزًا.
وَقَالُوا: لَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا أَيْضًا عَلَى تَرْكِ الْفَرَائِضِ الدِّينِيَّةِ كَالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ النُّشُوزَ أَعَمُّ فَيَشْمَلُ كُلَّ عِصْيَانٍ سَبَبُهُ التَّرَفُّعُ وَالْإِبَاءُ، وَيُفِيدُ هَذَا قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ أَطْعَنْكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾)).
(تفسير المنار 5/76)
فَنَحْنُ أَمَامَ خِيَارَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا فِي التَّعَامُلِ مَعَ النَّاشِزِ الَّتِي لَمْ يَنْفَعْ مَعَهَا الوَعْظُ وَلَا الهَجْرُ، إِمَّا أَنْ نُجِيزَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَخْدِمَ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الضَّرْبِ الخَفِيفِ الَّذِي يُؤَدِّبُ المَرْأَةَ، وَيُعِيدُ لَهَا صَوَابَهَا، أَوْ أَنْ تَتَحَطَّمَ الأُسْرَةُ بِإِسْقَاطِ شَخْصِيَّةِ الرَّجُلِ، أَوِ الطَّلَاقِ!
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
11 رمضان 1447هـ
ـ
قالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم -:
"أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ يُصَلِّي عَلَيَّ أَحَدٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَّا عُرِضَتْ عَلَيَّ صَـــــــــــــــلَاتُهُ" .
|| صحيـــــح الجامــــع.
وَهَذِهِ خُطُورَةُ العَلَاقَاتِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الشَّبَابِ وَالبَنَاتِ قَبْلَ العَقْدِ، فَإِنَّ البِنْتَ تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَيَصْعُبُ عَلَيْهَا الِابْتِعَادُ عَنْهُ، خَاصَّةً أَنَّ الشَّبَابَ فِي عَلاقَاتِهِمْ مَعَ البَنَاتِ يُظْهِرُونَ لَهُنَّ أَجْمَلَ الصِّفَاتِ لِكَسْبِهِنَّ، فَإِذَا تَعَلَّقَتِ البِنْتُ عَمِيَتْ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِيقَةِ.
وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الإِسْلَامُ عَلَى المَرْأَةِ الِاخْتِلَاطَ بِالرِّجَالِ الأَجَانِبِ حَتَّى لَا تَقَعَ مِثْلُ هَذِهِ العَلَاقَاتِ بَيْنَ الشَّبَابِ وَالبَنَاتِ فَتُفْسِدَ الحَيَاةَ بَعْدَ ذَلِكَ.
الأَمْرُ الثَّانِي: فَقْدَانُ مِعْيَارِ اخْتِيَارِ الرِّجَالِ:
وَنَظْرَةُ النَّاسِ اليَوْمَ فِي اخْتِيَارِ الزَّوْجِ اخْتَلَفَتْ بِسَبَبِ بُعْدِهِمْ عَنِ الِالْتِزَامِ بِأَوَامِرِ الشَّرْعِ، فَأَصْبَحَ مِعْيَارُ اخْتِيَارِ الرِّجَالِ مِعْيَارًا مَادِّيًّا، مُرْتَبِطًا بِالدُّنْيَا فَقَطْ.
وَهَذَا مُخَالِفٌ تَمَامًا لِوَصِيَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ قَالَ: ((إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)). (رواه ابن ماجه)
قَالَ المَظْهَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((يَعْنِي: إِذَا طَلَبَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنْ تُزَوِّجُوهُ امْرَأَةً مِنْ أَوْلَادِكُمْ أَوْ أَقَارِبِكُمْ، فَانْظُرُوا فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا صَالِحًا حَسَنَ الخُلُقِ فَزَوِّجُوهُ؛ لِأَنَّكُمْ لَوْ لَمْ تُزَوِّجُوا نِسَاءَ أَقَارِبِكُمْ إِلَّا مِنْ مَعْرُوفٍ صَاحِبِ مَالٍ وَجَاهٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي يَمِيلُ إِلَيْهَا أَبْنَاءُ الدُّنْيَا، يَبْقَى أَكْثَرُ نِسَائِكُمْ بِلَا زَوْجٍ، وَيَبْقَى أَكْثَرُ الرِّجَالِ بِلَا زَوْجَةٍ، وَحِينَئِذٍ يَمِيلُ الرِّجَالُ إِلَى النِّسَاءِ، وَالنِّسَاءُ إِلَى الرِّجَالِ، وَيَكْثُرُ الزِّنَا، وَيَلْحَقُ الأَوْلِيَاءَ العَارُ بِنِسْبَةِ الزِّنَا إِلَى نِسَائِهِمْ.
وَرُبَّمَا تَغْلِبُ غَيْرَةٌ عَلَى أَقَارِبِهِمْ بِمَا سَمِعُوا مِنْ نِسْبَةِ الزِّنَا إِلَيْهِنَّ، فَيَقْتُلُونَهُنَّ، وَيَقْتُلُونَ مَنْ قَصَدَهُنَّ بِالفَوَاحِشِ، وَهَذَا كُلُّهُ فَسَادٌ عَرِيضٌ، وَفِتْنَةٌ كَبِيرَةٌ)). (المفاتيح في شرح المصابيح 4/ 13)
وَلَكِنْ لِمَاذَا تَبْقَى المَرْأَةُ مَعَ مِثْلِ هَذَا الأَحْمَقِ؟ وَمَتَى اكْتَشَفَتْ هَذِهِ الأَخْلَاقَ؟
هُنَاكَ عَتَبٌ عَلَى المَرْأَةِ كَذَلِكَ، كَمَا عَتَبْنَا عَلَى الأَوْلِيَاءِ، فِي مِعْيَارِهَا لِلْمُوَافَقَةِ عَلَى الرَّجُلِ المُتَقَدِّمِ لِلزَّوَاجِ مِنْهَا، أَيًّا كَانَ هَذَا المِعْيَارُ، إِلَّا أَنَّهُ لَنْ يَكُونَ الدِّينَ وَالخُلُقَ.
إِذْ لَوْ كَانَ مِعْيَارُهَا الدِّينَ وَالخُلُقَ، لَمَا وُجِدَتْ عِنْدَنَا مِثْلُ هَذِهِ الصُّوَرِ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا؛ لِأَنَّ هَذَا الصِّنْفَ الأَحْمَقَ مِنَ الرِّجَالِ لَابُدَّ أَنْ تَظْهَرَ حَمَاقَاتُهُ مَعَ مَنْ يَعِيشُ مَعَهُمْ، وَلَوْ سَأَلَتِ المَرْأَةُ عَنْ دِينِهِ وَأَخْلَاقِهِ، وَطَلَبَتْ مِنْ أَوْلِيَائِهَا التَّأَكُّدَ مِنِ اتِّصَافِهِ بِهِمَا، لَعَلِمَتْ حَقِيقَتَهُ.
وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ ذَمَّ المَرْأَةَ الَّتِي تَقُومُ اللَّيْلَ، وَلَكِنَّهَا سَيِّئَةُ الخُلُقِ مَعَ جِيرَانِهَا، فَكَيْفَ بِمَنْ هَذِهِ أَخْلَاقُهُ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ؟!
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا! قَالَ : ((هِيَ فِي النَّارِ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا! قَالَ: ((هِيَ فِي الْجَنَّةِ)). (رواه أحمد)
فَهَذَا الحَدِيثُ صَرِيحٌ جِدًّا فِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الفَصْلُ بَيْنَ الدِّينِ وَالأَخْلَاقِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ النَّاسِ. فَكَيْفَ تَرْضَى المَرْأَةُ لِنَفْسِهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مِنْ رَجُلٍ بِلَا خُلُقٍ؟!
ثُمَّ لِنَتَأَمَّلْ قَوْلَهَا:
كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((أَيْ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَدْوَاءِ النَّاسِ، فَهُوَ فِيهِ وَمِنْ أَدْوَائِهِ)).
(غريب الحديث 2/ 172)
وَقَالَ الخَلِيلُ الفَرَاهِيدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((أَرَادَتْ كُلُّ عَيْبٍ فِي الرِّجَالِ فَهُوَ فِيهِ)). (العين 8/ 93)
فَهَذِهِ عِبَارَةٌ جَمَعَتْ كُلَّ الشَّرِّ فِي هَذَا الصِّنْفِ مِنَ الرِّجَالِ، فَهُوَ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ.
▫️
هل أصبح الحمام محرابًا؟!
بيت الشياطين أم بيت العبادة؟
□ عندما تكون لك حاجة لأحدهم أول ما تفكر فيه أن تذهب إليه في بيته ، وهذا ما يدعو اليه الطاقيين .
الحمام بيت الشياطين ، هذا ليس كلام البشر بل كلام رب البشر ، النبي ﷺ استعاذ من الشياطين عند دخوله .
لا يخدعوكم ..!!
وقد قال الله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) [الحج: 32]
□ نظافة الحمامات لاتزيل الحكم ؛ العة في ذلك تعظيم الله تعالى :
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ فِي مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مَكْرُوهٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتِلْكَ الْمَوَاضِعُ لَا تُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَلِهَذَا نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ وَالْمَقْبَرَةِ وَالْحَشِّ."
(الفتاوى الكبرى، 1/117).
المسألة تتعلق بمقام التعظيم. تعظيم الله يقتضي أن لا يذكر في أماكن النجاسة والقذارة، صيانة لذكره سبحانه.
حذاري من دعاوي الإستهانة بالذات الألهيه ، واسقاط العبادة بما شرع الله تعالى ، إلى عبادة الشيطان .
/channel/Easternphilosophies
▫️
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((أَرَادَتْ إِنَّهُ إِذَا رَقَدَ الْتَفَّ نَاحِيَةً وَلَمْ يُضَاجِعْهَا، وَلَمْ يُمَارِسْ مِنْهَا مَا يُمَارِسُهُ الرَّجُلُ مِنَ المَرْأَةِ إِذَا أَرَادَ وَطْأَهَا، فَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي ثَوْبِهَا فَيَعْلَمُ البَثَّ، وَلَا بَثَّ هُنَاكَ غَيْرُ حُبِّ المَرْأَةِ دُنُوَّ زَوْجِهَا مِنْهَا، وَمُضَاجَعَتِهَا إِيَّاهُ، وَكَنَتْ بِالبَثِّ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ البَثَّ كَانَ مِنْ أَجْلِهِ)). (إصلاح غلط أبي عبيد في غريب الحديث ص73)
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ: ((ثُمَّ وَصَفَتْهُ بَعْدُ بِقِلَّةِ الِاشْتِغَالِ بِهَا، وَالتَّعْطِيلِ لَهَا، وَأَنَّهُ إِذَا نَامَ التَفَّ فِي ثِيَابِهِ وَلَمْ يُضَاجِعْهَا، وَلَا أَدْنَاهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ لَا هِمَّةَ لَهُ فِي المُبَاضَعَةِ، الَّتِي هِيَ مِنْ مَمَادِحِ الرِّجَالِ؛ فَإِنَّ العَرَبَ كَانَتْ تَتَمَادَحُ بِالقُوَّةِ عَلَى الجِمَاعِ؛ لِأَنَّهَا دَلِيلُ صِحَّةِ الذُّكُورِيَّةِ، وَتَذِمُّ بِضِدِّهِ كَمَا قَالَتِ الأُخْرَى: عَيَايَاء)). (بغية الرائد ص175)
فَهَذَا الرَّجُلُ بَخِيلٌ حَتَّى فِي إِعْطَاءِ المَرْأَةِ حَقَّهَا مِنَ المُعَاشَرَةِ، فَإِذَا نَامَ مَعَهَا عَلَى الفِرَاشِ، أَعْرَضَ عَنْهَا.
وَهَذَا الإِعْرَاضُ مِنْ أَشَدِّ الأُمُورِ عَلَى المَرْأَةِ السَّوِيَّةِ، لِأَنَّ المُعَاشَرَةَ مِنْ مَقَاصِدِ الزَّوَاجِ، وَهِيَ سَبِيلُ العَفَافِ، فَإِذَا قَصَّرَ الرَّجُلُ مَعَ زَوْجَتِهِ فِي ذَلِكَ أَضَرَّ بِهَا ضَرَرًا كَبِيرًا، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَخَافُ اللهَ، حَفِظَتْ نَفْسَهَا وَبَقِيَتْ بِأَلَمِهَا، أَمَّا إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ أَغْوَاهَا الشَّيْطَانُ فَإِنَّهَا سَتَسْلُكُ سَبِيلَ الحَرَامِ مِنْ أَجْلِ إِشْبَاعِ نَفْسِهَا.
وَوَصَلَ الحَالُ بِهَذَا الصِّنْفِ مِنَ الرِّجَالِ أَنَّهُ كَمَا قَالَتْ:
وَلا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ
يَعْنِي حَتَّى المُدَاعَبَةُ بِيَدِهِ عَلَى جَسَدِهَا مَفْقُودَةٌ، بَلْ لَا يُلَامِسُ جَسَدُهُ جَسَدَهَا مِنْ شِدَّةِ ابْتِعَادِهِ عَنْهَا.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ: ((إِنَّمَا شَكَتْ هذِهِ الخَصْلَةَ مِنْ زَوْجِهَا، وَذَمَّتْهُ بِذَلِكَ، وَاسْتَقْصَرَتْ حَظَّهَا مِنْهُ، وَأَنَّهُ لَا يُضَاجِعُهَا، وَلَا يَدْنُو مِنْهَا، وَيَنَامُ نَاحِيَةً عَنْهَا، كَمَا قَالَتْ: «وَإِذَا رَقَدَ الْتَفَّ»، وَلَا يُدْنِيهَا مِنْ نَفْسِهِ وَيُدْخِلُ يَدَهُ إِلَيْهَا وَيُبَاشِرُهَا وَيَلْمَسُهَا؛ فَيَكُونُ مِنْهُ إِلَيْهَا مَا يَكُونُ مِنَ الرِّجَالِ لِأَزْوَاجِهِمْ، فَيَعْلَمُ بَثَّهَا بِذَلِكَ، وَمَحَبَّتَهَا لَهُ، وَحُزْنَهَا لِعَدَمِ ذَلِكَ مِنْهُ لَهَا، وَقِلَّةَ تَفَقُّدِهِ لِحَاجَتِهِ مِنْهَا)). (بغية الرائد ص175)
فَالْمَرْأَةُ حَزِينَةٌ جِدًّا، لِأَنَّ هذَا الصِّنْفَ مِنَ الرِّجَالِ لَا يُعِيرُهَا أَيَّ اهْتِمَامٍ، وَلَا يَعْرِفُ مِنْ أَحْوَالِهَا وَهُمُومِهَا شَيْئًا.
ومِثْلُ هذَا لا نَتَوَقَّعُ مِنْهُ الكَلَامَ الجَمِيلَ لَهَا، فَهُوَ بَخِيلُ المَشَاعِرِ.
وَخُطُورَةُ البُخْلِ بِالمَشَاعِرِ، أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا فَقَدَتْهَا مِنْ زَوْجِهَا بَحَثَتْ عَنْهَا عِنْدَ غَيْرِهِ.
فَإِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ تَعْمَلُ خَارِجَ البَيْتِ، وَتَعْمَلُ فِي مَجَالٍ مُخْتَلِطٍ، فَيُخْشَى عَلَيْهَا مِنَ الوُقُوعِ فِي الفِتْنَةِ مَعَ مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الرِّجَالِ.
وَإِذَا كَانَتْ مِمَّنْ تَعَلَّقْنَ بِوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ وَالِانْشِغَالِ بِهَا، فَيُخْشَى عَلَيْهَا الوُقُوعُ فِي فَخِّ الذِّئَابِ البَشَرِيَّةِ فِي هذِهِ الوَسَائِلِ.
وَيَتَحَمَّلُ الرَّجُلُ إِثْمَ زَوْجَتِهِ مَعَهَا، إِذَا كَانَ هُوَ سَبَبَ انْحِرَافِهَا.
وَالنَّصِيحَةُ لِهذَا الصِّنْفِ مِنَ الرِّجَالِ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَيُغَيِّرُوا هذَا الطَّبْعَ السَّيِّئَ، بِتَعَلُّمِ كَيْفِيَّةِ التَّعَامُلِ مَعَ الزَّوْجَةِ، قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ.
وَإِذَا كَانَ سَبَبُ اعْتِزَالِ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ هُوَ الضَّعْفُ وَالكَسَلُ، فَإِنَّ هذِهِ أُمُورٌ تُعَالَجُ اليَوْمَ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
أَمَّا إِذَا كَانَ اعْتِزَالُهُ لَهَا بِسَبَبِ ضَعْفِ مَحَبَّتِهَا فِي قَلْبِهِ، فَلَيْسَتْ كُلُّ البُيُوتِ قَائِمَةً عَلَى الحُبِّ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعْطِيَهَا حَقَّهَا مِنَ المُعَاشَرَةِ، وَلَوْ كَانَ قَلْبُهُ لَا يَمِيلُ إِلَيْهَا.
وَالمَرْأَةُ غَالِبًا تُحِبُّ زَوْجَهَا، وَلَوْ قَصَّرَ مَعَهَا، فَلَوْ تَلَمَّسَ الرَّجُلُ ذَلِكَ لَوَجَدَ قَلْبًا حَنُونًا مُحِبًّا يَعِيشُ مَعَهُ فِي البَيْتِ، يَتَمَنَّى رِضَاهُ وَيَسْعَى فِي إِسْعَادِهِ.
سألوا لماذا لا تُكدّر خاطرًا
بالرغم من مُرٍّ و كربٍ جارِ ؟
فأجبتهم قلبي سعيدٌ بالرّضا
ما ضاقت الدُّنيا و ربّي جاري
وَإِذَا كَانَتْ هذِهِ هِيَ أَخْلاقَ المُلُوكِ الَّتِي نَصَحُوا بِهَا لِاسْتِقْرَارِ حُكْمِهِمْ، فَأَنْتَ أَيُّهَا الرَّجُلُ مِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ تَتَغَافَلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، فَهُمْ رَعِيَّتُكَ، وَأَنْتَ مِثْلُ المَلِكِ فِيهِمْ.
وَلا تَسْتَقِيمُ لَكَ الحَيَاةُ مَعَ زَوْجَتِكَ إِلاَّ بِالتَّغَافُلِ عَنْ بَعْضِ أَخْطَائِهَا، فَمَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ حَقَّهُ أَبَدًا.
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
8 رمضان 1447هـ
*زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ*
هذَا صِنْفٌ آخَرُ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الصِّفَاتِ الحَمِيدَةَ، وَالخِصَالَ الجَمِيلَةَ، وَيَتَرَفَّعُونَ عَنِ الِانْشِغَالِ بِصَغَائِرِ الأُمُورِ، وَتَفَاصِيلِهَا، تَصِفُهُ هٰذِهِ المَرْأَةُ الخَامِسَةُ فَتَقُولُ:
زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ، وَلا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَصَفَتْهُ بِأَنَّهُ كَرِيمُ الطَّبْعِ، نَزِهُ الهِمَّةِ، حَسَنُ العِشْرَةِ، لَيِّنُ الجَانِبِ فِي بَيْتِهِ، لَيْسَ يَتَفَقَّدُ مَا ذَهَبَ مِنْ مَالِهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى جَانِبِ البَيْتِ، وَلَا يَطْلُبُ مَا فَقَدَ مِنْهُ وَعَهِدَ فِيهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ مَأْكُولٍ وَشِبْهِهِ، وَلَا يَسْأَلُ عَنْهُ لِسَخَاوَةِ نَفْسِهِ، وَسَعَةِ قَلْبِهِ، فَكَأَنَّهُ سَاهٍ أَوْ نَائِمٌ أَوْ غَافِلٌ عَنْ ذٰلِكَ؛ فَشَبَّهَتْهُ بِالفَهْدِ لِذٰلِكَ، وَهٰذِهِ الخَصْلَةُ مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَقَدْ قِيلَ: العَاقِلُ: الفَطِنُ المُتَغَافِلُ)).
((ثُمَّ وَصَفَتْهُ أَيْضًا بِالشَّجَاعَةِ إِذَا خَرَجَ لِلنَّاسِ وَبَاشَرَ الحَرْبَ، فَكَأَنَّهُ الأَسَدُ الَّذِي يَخَافُهُ كُلُّ سَبُعٍ)). (بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد ص160)
فَهٰذَا الصِّنْفُ مِنَ الرِّجَالِ جَمَعَ خِصَالًا جَمِيلَةً، وَأَخْلَاقًا حَمِيدَةً:
أَوَّلُهَا: أَنَّ تَعَامُلَهُ دَاخِلَ البَيْتِ مَعَ أَهْلِهِ يَخْتَلِفُ عَنْ تَعَامُلِهِ خَارِجَ البَيْتِ مَعَ النَّاسِ.
فَتَعَامُلُهُ دَاخِلَ البَيْتِ مَعَ أَهْلِهِ فِيهِ اللِّينُ وَالرَّحْمَةُ، وَتَعَامُلُهُ خَارِجَ البَيْتِ فِيهِ القُوَّةُ وَالشَّجَاعَةُ.
وَهٰذَا يَعْنِي أَنَّ هٰذَا الصِّنْفَ مِنَ الرِّجَالِ، يَمْتَلِكُ القُدْرَةَ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ طَرِيقَةِ مُعَامَلَةِ الرِّجَالِ، وَمُعَامَلَةِ النِّسَاءِ وَالأَوْلَادِ.
فَهُوَ رَجُلٌ شُجَاعٌ مِقْدَامٌ يَحْسِبُ لَهُ النَّاسُ أَلْفَ حِسَابٍ، وَيَهَابُهُ الأَعْدَاءُ.
هٰذِهِ الشَّجَاعَةُ المَحْمُودَةُ تُحِبُّهَا المَرْأَةُ، لِأَنَّهَا تَشْعُرُ بِالأَمَانِ مَعَ الرَّجُلِ القَوِيِّ، وَتُحِبُّ الفَخْرَ بِذٰلِكَ، بِخِلَافِ مَنْ يُهَانُ زَوْجُهَا خَارِجَ بَيْتِهِ وَيُعَذَّبُ، وَلَيْسَ لَهُ شَخْصِيَّةٌ قَوِيَّةٌ خَارِجَ البَيْتِ، فَالمَرْأَةُ مَعَهُ تَعِيشُ مُعَانَاةً شَدِيدَةً، وَاقْرَأْ إِنْ شِئْتَ قِصَّةَ (مُعَانَاةِ المَرْأَةِ فِي زَمَنِ مُوسَى) وَالَّتِي كَتَبْتُهَا فِي رَمَضَانَ المَاضِي، لِتُدْرِكَ كَيْفَ كَانَتِ المَرْأَةُ تَعِيشُ مُعَانَاةَ إِذْلَالِ فِرْعَوْنَ لِلرِّجَالِ.
أَيْضًا هٰذَا الرَّجُلُ القَوِيُّ لَا يَسْتَخْدِمُ هٰذِهِ القُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ دَاخِلَ البَيْتِ، وَإِنَّمَا يَسْتَخْدِمُ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ اللِّينَ وَالرَّحْمَةَ فِي التَّعَامُلِ.
وَبِهٰذَا يَكْسِبُ قُلُوبَهُمْ.
قَالَ عُمَرُ: الرِّجَالُ ثَلَاثَةٌ، وَالنِّسَاءُ ثَلَاثَةٌ:
• فَامْرَأَةٌ عَفِيفَةٌ مُسْلِمَةٌ لَيِّنَةٌ وَدُودَةٌ وَلُودَةٌ، تُعِينُ أَهْلَهَا عَلَى الدَّهْرِ، وَلَا تُعِينُ الدَّهْرَ عَلَى أَهْلِهَا - وَقَلِيلاً مَا تَجِدُهَا -.
• وَامْرَأَةٌ وِعَاءٌ، لَا تَزِيدُ عَلَى أَنْ تَلِدَ الأَوْلَادَ.
• وَالثَّالِثَةُ غُلٌّ، قُمَّلٌ، يَجْعَلُهَا اللَّهُ فِي عُنُقِ مَنْ شَاءَ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَنْزِعَهُ نَزَعَهُ.
وَالرِّجَالُ ثَلَاثَةٌ:
• رَجُلٌ عَفِيفٌ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، ذُو رَأْيٍ وَمَشُورَةٍ، إِذَا نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ ائْتُمِنَ رَأْيُهُ وَصَدَرَ الأُمُورَ مَصَادِرَهَا.
• وَرَجُلٌ لَا رَأْيَ لَهُ، إِذَا نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ أَتَى ذَا الرَّأْيِ والْمَشُورَةِ فَنَزَلَ عِنْدَ رَأْيِهِ.
• وَرَجُلٌ حَائِرٌ، بَائِرٌ، لَا يَأْتَمِرُ رُشْدًا، وَلَا يُطِيعُ مُرْشِدًا. (مشيخة يعقوب بن سفيان الفسوي ص44)
وَهٰذَا النَّوْعُ مِنَ الرِّجَالِ مَمْدُوحٌ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا الكَرِيمِ صلى الله عليه وسلم فِي أَكْثَرَ مِنْ حَدِيثٍ، مِنْهَا:
عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ((إِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ، كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ، قَرِيبٍ سَهْلٍ)). (رواه ابن حبان)
وَاسْتِخْدَامُ اللِّينِ وَالرِّفْقِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ أَهْلِ البَيْتِ، عَلَامَةٌ عَلَى الخَيْرِ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ بِهِمْ.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ)). (رواه أحمد)
*زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ*
إِذَا كَانَتْ أَصْنَافُ الرِّجَالِ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ سَيِّئَةً، فَهَذَا صِنْفٌ طَيِّبٌ مِنْ أَصْنَافِ الرِّجَالِ.
وَهَكَذَا هِيَ الْحَيَاةُ؛ فِيهَا الطَّيِّبُ وَفِيهَا الْخَبِيثُ، فَلَا يَصِحُّ تَعْمِيمُ صِنْفٍ وَاحِدٍ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لَا عَلَى الرِّجَالِ وَلَا عَلَى النِّسَاءِ.
بَلِ التَّعْمِيمُ فِي الْحُكْمِ عَلَى النَّاسِ نَوْعٌ مِنَ الظُّلْمِ، سَوَاءٌ عُمِّمَ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ، أَوْ قَبِيلَةٍ، أَوْ غَيْرِهِمْ.
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الرِّجَالَ كُلَّهُمْ سَوَاءٌ، وَلَا يُقَالَ: إِنَّ النِّسَاءَ كُلَّهُنَّ سَوَاءٌ، بَلْ فِي كُلٍّ خَيْرٌ.
فَهَذَا صِنْفٌ طَيِّبٌ مِنَ الرِّجَالِ يَخْتَلِفُ عَمَّنْ سَبَقَهُ، إِذْ تَصِفُهُ الْمَرْأَةُ الرَّابِعَةُ بِقَوْلِهَا:
زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ، لا حَرٌّ، وَلا قُرٌّ، وَلا مَخَافَةَ، وَلا سَآمَةَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((تَقُولُ: لَيْسَ عِنْدَهُ أَذًى، وَلَا مَكْرُوهٌ. وَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ، لِأَنَّ الحَرَّ وَالبَرْدَ كِلَيْهِمَا فِيهِ أَذًى إِذَا اشْتَدَّا.
(وَلَا مَخَافَةَ): تَقُولُ: لَيْسَتْ عِنْدَهُ غَائِلَةٌ وَلَا شَرٌّ أَخَافُهُ.
(وَلَا سَآمَةَ): تَقُولُ: لَا يَسْأَمُنِي فَيَمَلَّ صُحْبَتِي)). (غريب الحديث 2/ 168)
وَقَالَ الأَصْبَهَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((لَيَالِي تِهَامَةَ تُذْكَرُ بِالطِّيبِ، أَيْ: لَيْسَ عِنْدَهُ أَذًى وَلَا مَكْرُوهٌ)).
(التحرير في شرح صحيح مسلم ص553)
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ: ((أَيْ: أَنَّهُ - تَعْنِي زَوْجَهَا - لَيْسَ فِيهِ ثِقَلٌ وَلَا فَدَامَةٌ، بَلْ هُوَ حُلْوُ الشَّمَائِلِ، خَفِيفٌ عَلَى المُصَاحَبِ، مُسْتَلَانُ الجَانِبِ)). (بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد ص149)
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((فَوَصَفَتْ زَوْجَهَا بِجَمِيلِ الْعِشْرَةِ، وَاعْتِدَالِ الْحَالِ، وَسَلَامَةِ الْبَاطِنِ؛ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: لَا أَذَى عِنْدَهُ وَلَا مَكْرُوهَ، وَأَنَا آمِنْةٌ مِنْهُ؛ فَلَا أَخَافُ مِنْ شَرِّهِ، وَلَا مَلَلَ عِنْدَهُ فَيَسْأَمُ مِنْ عِشْرَتِي، أَوْ لَيْسَ بِسَيِّئِ الْخُلُقِ؛ فَأَسْأَمُ مِنْ عِشْرَتِهِ، فَأَنَا لَذِيذَةُ الْعَيْشِ عِنْدَهُ، كَلَذَّةِ أَهْلِ تِهَامَةَ بِلَيْلِهِمُ الْمُعْتَدِلِ)). (فتح الباري 9/ 261)
فَهٰذِهِ المَرْأَةُ وَصَفَتْ زَوْجَهَا وَصْفًا بَلِيغًا، بَيَّنَتْ فِيهِ خِصَالَهُ الحَمِيدَةَ الَّتِي تَتَمَنَّاهَا كُلُّ امْرَأَةٍ فِي زَوْجِهَا.
فَكُلُّ امْرَأَةٍ تَسْعَدُ بِشُعُورِهَا بِالأَمَانِ مَعَ زَوْجِهَا.
وَهٰذَا الشُّعُورُ يَأْتِي بِسَبَبِ تَصَرُّفَاتِ الزَّوْجِ، وَتَفْقِدُهُ كَذٰلِكَ بِسَبَبِ تَصَرُّفَاتِ الزَّوْجِ.
فَتَهْدِيدُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ بِالطَّلَاقِ عَلَى أَتْفَهِ الأَسْبَابِ، أَوْ يُكْثِرُ مِنْ ذِكْرِ الطَّلَاقِ أَمَامَهَا، يُفْقِدُهَا الأَمَانَ النَّفْسِيَّ، وَيُعِيشُهَا فِي خَوْفٍ دَائِمٍ، لِأَنَّهَا لَا تَأْمَنُ مِنْ هٰذَا الجَانِبِ.
وَلَا يَلِيقُ بِالرَّجُلِ العَاقِلِ أَنْ يُهَدِّدَ زَوْجَتَهُ بِالطَّلَاقِ عَلَى أَدْنَى مُشْكِلَةٍ تَحْصُلُ بَيْنَهُمَا، بَلِ الرَّجُلُ العَاقِلُ لَا يَذْكُرُ الطَّلَاقَ أَمَامَ زَوْجَتِهِ، وَلَا يُطَلِّقُ إِلَّا بَعْدَ اسْتِنْفَادِ كُلِّ الوَسَائِلِ فِي حَلِّ مُشْكِلَتِهِ مَعَهَا، وَبَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ وَالِاسْتِشَارَةِ وَالتَّرَوِّي.
إِنَّ شُعُورَ المَرْأَةِ بِالأَمَانِ مَعَ زَوْجِهَا يُعَدُّ مِنْ أَهَمِّ عَوَامِلِ السَّعَادَةِ لَدَيْهَا، وَهُوَ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ عَطَائِهَا وَتَضْحِيَتِهَا مِنْ أَجْلِكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ الكَرِيمُ، فَحَافِظْ عَلَيْهِ تَسْعَدْ.
هٰذَا الشُّعُورُ بِالأَمَانِ وَصَفَتْهُ هٰذِهِ المَرْأَةُ الرَّابِعَةُ بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ مُهِمَّةٍ فِي الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ:
أَوَّلُهَا: الِاعْتِدَالُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الزَّوْجَةِ فِي الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ.
وَقَدْ شَبَّهَتْهُ المَرْأَةُ بِلَيْلِ تِهَامَةَ؛ لَا حَرٌّ وَلَا قَرٌّ، يَعْنِي مُعْتَدِلٌ جَمِيلٌ.
وَهٰكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ فِي حَيَاتِهِ الزَّوْجِيَّةِ، لَا يُؤْذِي زَوْجَتَهُ بِأَيِّ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّهَا صَاحِبَتُهُ فِي هٰذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالَّتِي اخْتَارَهَا بِرِضَاهُ، وَحَفِيَ مِنْ أَجْلِ الحُصُولِ عَلَى مُوَافَقَتِهَا، وَقَدَّمَ لَهَا المَالَ وَالذَّهَبَ وَالهَدَايَا لِتَقْبَلَ بِهِ، أَبَعْدَ هٰذَا يُؤْذِيهَا؟!
وَهُوَ سُرْعَانَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا، فَلِمَاذَا يُكَدِّرُ خَاطِرَهَا، وَيُزْعِجُ نَفْسَهَا!
*زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ*
إِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ الثَّامِنَةُ أَجْمَلَتْ فِي الثَّنَاءِ عَلَى زَوْجِهَا بِكَلِمَاتٍ بَلِيغَةٍ، فَإِنَّ المَرْأَةَ التَّاسِعَةَ فَصَّلَتْ فِي الثَّنَاءِ عَلَى زَوْجِهَا بِكَلِمَاتٍ بَلِيغَةٍ كَذَلِكَ، فَقَالَتْ:
زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِ.
فَوَصَفَتْهُ بِأَرْبَعِ صِفَاتٍ جَمِيلَةٍ فِي الرَّجُلِ.
الأُولَى: أَنَّهُ رَفِيعُ النَّسَبِ:
وَعَبَّرَتْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا: رَفِيعُ الْعِمَادِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ الله: ((تَصِفُهُ بِالشَّرَفِ، وَسَنَاءِ الذِّكْرِ.
سَنَا البَرْقِ، وَسَنَا النَّبْتِ مَقْصُورَانِ، وَالسَّنَاءُ مِنَ الشَّرَفِ مَمْدُودٌ.
وَأَصْلُ العِمَادِ عِمَادُ البَيْتِ، وَجَمْعُهُ عُمُدٌ، وَهِيَ العِيدَانُ الَّتِي تُعْمَدُ بِهَا البُيُوتُ، وَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ: تَعْنِي أَنَّ بَيْتَهُ رَفِيعٌ فِي قَوْمِهِ)). (غَرِيبُ الحَدِيثِ 2/177)
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ الله: ((قَوْلُهَا: «رَفِيعُ العِمَادِ»، وَصَفَتْهُ بِالشَّرَفِ فِي نَسَبِهِ، وَالسُّؤْدَدِ فِي قَوْمِهِ، وَاسْتَعَارَتْ لِرِفْعَةِ بَيْتِ حَسَبِهِ المَعْنَوِيَّةِ: رِفْعَةَ العِمَادِ مِنْ بَيْتِ المَسْكَنِ المَرْئِيَّةِ)). (بُغْيَةُ الرَّائِدِ ص191)
وَالْعَرَبُ مِنْ عَادَتِهِمُ التَّفَاخُرُ بِأَنْسَابِهِمُ العَالِيَةِ، فَالمَرْأَةُ تَفْخَرُ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ النِّسَاءِ بِأَنَّ زَوْجَهَا صَاحِبُ نَسَبٍ عَالٍ.
وَفَائِدَةُ النَّسَبِ العَالِي أَنَّهُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ سَفَاسِفِ الأُمُورِ وَالأَخْلَاقِ، فَرَفِيعُ النَّسَبِ يَتَرَفَّعُ عَنْ أَفْعَالِ الجُهَّالِ وَالسُّفَهَاءِ.
وَالمُجْتَمَعُ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا جَمِيلَ الصِّفَاتِ، فَلَوْ أَخَلَّ بِهَا لَانْتَقَدَهُ النَّاسُ وَأَصْبَحَ سُبَّةً فِي العَالَمِينَ.
وَهَذَا الَّذِي مَنَعَ أَبَا سُفْيَانَ مِنَ الكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
فَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّامِ، فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ:
أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا. فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَالله لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ)
فَأَصْحَابُ النَّسَبِ يَحْرِصُونَ عَلَى بَقَاءِ سُمْعَتِهِمْ عَطِرَةً بَيْنَ النَّاسِ، فَيَتَرَفَّعُونَ عَنِ القَبَائِحِ.
وَفِي وَصْفِهَا لَهُ بِالرِّفْعَةِ فِي قَوْمِهِ مَعْنًى آخَرُ، قَالَ عَنْهُ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ الله: ((وَقَدْ يَكُونُ تُرِيدُ بِالعِمَادِ: البَيْتَ، وَمَعْنَى رِفْعَتِهِ: إِشْرَافُهُ لِمَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ؛ لِيَقْصِدَهُ الأَضْيَافُ)). (بُغْيَةُ الرَّائِدِ ص193)
وَهَذِهِ عَلَامَةٌ عَلَى الكَرَمِ، فَهِيَ تَقُولُ: إِنَّ بَيْتَهُ بَارِزٌ لِلنَّاسِ غَيْرُ مُخْتَفٍ بَيْنَ البُيُوتِ، يَسْتَطِيعُ الأَضْيَافُ الوُصُولَ إِلَيْهِ بِسُهُولَةٍ.
الثَّانِيَةُ: جَمَالُ القَامَةِ:
وَعَبَّرَتْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا: طَوِيلُ النِّجَادِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ الله: ((تَصِفُهُ بِامْتِدَادِ القَامَةِ. وَالنِّجَادُ: حَمَائِلُ السَّيْفِ، فَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنْ طُولِهِ. وَهَذَا مِمَّا تَمْدَحُ بِهِ الشُّعَرَاءُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
قَصُرَتْ حَمَائِلُهُ عَلَيْهِ فَقَلَّصَتْ
وَلَقَدْ تَحَفَّظَ قَيْنُهَا فَأَطَالَهَا)). (غَرِيبُ الحَدِيثِ 2/177)
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ الله: ((وَصَفَتْهُ بِالكَمَالِ فِي صُورَتِهِ، وَامْتِدَادِ القَامَةِ فِي بُنْيَتِهِ، وَعَرَّضَتْ لِذَلِكَ بِقَوْلِهَا: «طَوِيلُ النِّجَادِ»؛ فَإِنَّ الطَّوِيلَ القَامَةِ يَحْتَاجُ إِلَى تَطْوِيلِ نِجَادِهِ)).
(بُغْيَةُ الرَّائِدِ ص194)
فَهِيَ تَمْدَحُ زَوْجَهَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى جَمَالِ صُورَتِهِ عِنْدَهَا مِمَّا تَرْغَبُ فِيهِ المَرْأَةُ عَادَةً.
وَزَوْجَتُكَ هِيَ أَكْثَرُ مَنْ تَنْظُرُ إِلَى وَجْهِكَ، فَأَكْثِرْ مِنَ التَّبَسُّمِ لَهَا، تَكْثُرْ حَسَنَاتُكَ وَأَنْتَ فِي بَيْتِكَ، وَتُسْعِدْهَا، وَتُدْخِلِ السُّرُورَ عَلَيْهَا، فَتَنَالَ بِسَبَبِهَا أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى الله، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ)).
(رواه الطبراني في الكبير)
وَزَوْجَتُكَ أَوْلَى النَّاسِ بِإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا السَّمَاحَةُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْ رَجُلٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ أَنْ يَكُونَ فَظًّا غَلِيظًا، بَلِ المُتَوَقَّعُ أَنْ يَكُونَ سَمْحًا فِي تَعَامُلِهِ مَعَ مَنْ حَوْلَهُ، وَأَوْلَاهُمْ بِالمُعَامَلَةِ السَّمْحَةِ أَهْلُ بَيْتِهِ.
وَهِيَ عَلَامَةٌ عَلَى إِيمَانِهِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: ((الصَّبْر وَالسَّمَاحَة)). (رواه أبو يعلى)
وَالسَّمَاحَةُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ النَّاسِ عُمُومًا، وَأَهْلِ بَيْتِ الرَّجُلِ خُصُوصًا، سَبَبٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ وَنَيْلِ مَغْفِرَةِ الله، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((دخلَ رجلٌ الجنَّةَ بِسَماحَتِه قاضيًا ومُقْتَضِيًا)). (رواه أحمد)
وَمِنْ مُقْتَضَى اللِّينِ وَالسَّمَاحَةِ: الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ عَنْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ)). (رواه أحمد)
فَكُلُّ هَذِهِ الخِصَالِ تَدْخُلُ فِي قَوْلِهَا:
الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ
الوَصْفُ الثَّانِي الَّذِي مَدَحَتْهُ بِهِ هُوَ: رَائِحَتُهُ الطَّيِّبَةُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ الله: ((وَقَوْلُهَا: الرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ. فَإِنَّ فِيهِ مَعْنَيَيْنِ. قَدْ يَكُونُ أَنْ تُرِيدَ رِيحَ جَسَدِهِ.
وَيَكُونُ أَنْ تُرِيدَ طِيبَ الثَّنَاءِ فِي النَّاسِ وَانْتِشَارَهُ فِيهِمْ كَرِيحِ الزَّرْنَبِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ مَعْرُوفٌ)). (غريب الحديث 2/ 176)
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ الله: ((أَمَّا تَشْبِيهُهَا إِيَّاهُ بِرِيحِ الزَّرْنَبِ، فَفِيهِ تَأْوِيلَاتٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ طِيبَ ثَنَائِهِ فِي النَّاسِ وَانْتِشَارَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا أَرَادَتْ طِيبَ جَسَدِهِ، وَعِطْرَ أَرْدَانِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا أَرَادَتْ لِينَ عَرِيكَتِهِ، وَحُسْنَ خُلُقِهِ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى الفَصْلِ الأَوَّلِ)). (بغية الرائد ص188)
أَمَّا المَعْنَى الأَوَّلُ: وَهُوَ ثَنَاءُ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِسِيرَتِهِ العَطِرَةِ بَيْنَ النَّاسِ، فَهَذَا يَتَنَاسَبُ مَعَ كَوْنِهِ هَيِّنًا لَيِّنًا.
وَالنَّاسُ يَشْهَدُونَ لِلرَّجُلِ بِمَا عُرِفَ عَنْهُ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: مَرُّوا بِجَنازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْها خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((وَجَبَتْ)). ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْها شَرًّا، فَقَالَ: ((وَجَبَتْ)). فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه: ما وَجَبَتْ؟ قَالَ: ((هَذا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ؛ أَنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ)). (رواه البخاري)
وأَمَّا المَعْنَى الثَّانِي: فَهُوَ طِيبُ جَسَدِهِ.
فَهَذَا مِمَّا تُحِبُّهُ النُّفُوسُ عُمُومًا، وَالزَّوْجَةُ خُصُوصًا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ طَيِّبَ الرَّائِحَةِ، مِنْ كَثْرَةِ الطِّيبِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ، وَمِنْ شِدَّةِ عِنَايَتِهِ بِنَظَافَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ.
وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُحِبًّا لِلطِّيبِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ)). (رواه أحمد)
فَهَلْ أَنْتَ أَخِي الزَّوْجُ الكَرِيمُ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ الهَيِّنِ اللَّيِّنِ، السَّمْحِ، صَاحِبِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالرَّائِحَةِ الزَّكِيَّةِ؟
أَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ.
وَهَنِيئًا لِمَنْ كَانَ زَوْجُهَا مِنْ هَذَا الصِّنْفِ.
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د.
"فإن عَفا الله عنك،
أَتتكَ حوائجُك من دونِ مسألة
اللهم إنك عفو تُحب العفو فإعفُ عنا
🌹اللهــم صــــل وسلــــم
علـــى نبينـــا محمــــدﷺ🌹
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: ((فَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْضُلَ الْمَرْأَةَ: بِأَنْ يَمْنَعَهَا وَيُضَيِّقَ عَلَيْهَا حَتَّى تُعْطِيَهُ بَعْضَ الصَّدَاقِ، وَلَا أَنْ يَضْرِبَهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ؛ لَكِنْ إذَا أَتَتْ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَعْضُلَهَا لِتَفْتَدِي مِنْهُ؛ وَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا. هَذَا فِيمَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ اللَّهِ)). (مجموع الفتاوى 32/283)
فَمَا الفَاحِشَةُ الَّتِي تُجِيزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُلْجِئَهَا إِلَى طَلَبِ الخُلْعِ وَإِرْجَاعِ المَهْرِ؟
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَأَوْلَى مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أَنَّهُ مَعْنِيُّ بِهِ كُلُّ فَاحِشَةٍ مِنْ بَذَاءَةٍ بِاللِّسَانِ عَلَى زَوْجِهَا، وَأَذًى لَهُ، وَزِنًا بِفَرْجِهَا. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ كُلَّ فَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ظَاهِرَةٍ)). (جامع البيان 3/653)
وَفَسَادُ دِينِ المَرْأَةِ بِالأَفْكَارِ النِّسْوِيَّةِ أَشَدُّ عَلَى الرَّجُلِ الغَيُورِ مِنْ بَذَاءَةِ لِسَانِهَا؛ فَالفِكْرُ النِّسْوِيُّ يَدْعُو المَرْأَةَ إِلَى التَّمَرُّدِ عَلَى الرَّجُلِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الصُّوَرِ، وَيَدْعُوهَا إِلَى الخُرُوجِ مُتَبَرِّجَةً مُتَعَطِّرَةً، كَمَا يَدْعُوهَا إِلَى الاخْتِلَاطِ بِالرِّجَالِ فِي الأَعْمَالِ وَالمَقَاهِي وَالحَفَلَاتِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ بِذَلِكَ.
الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَجَاوَزَ الرَّجُلُ الحُدُودَ الشَّرْعِيَّةَ فِي الضَّرْبِ، فَيَضْرِبَ المَرْأَةَ ضَرْبًا شَدِيدًا، مُخَالِفًا بِذَلِكَ أَمْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
وَرَدَّةُ فِعْلِ المَرْأَةِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ أَنْ تَطْلُبَ الطَّلَاقَ لِلضَّرَرِ الوَاقِعِ عَلَيْهَا مِنْ هَذَا الزَّوْجِ.
وَلَكِنَّ الخَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ رَدَّةُ فِعْلِ هَذِهِ المَرْأَةِ بِاتِّجَاهٍ مُخَالِفٍ لِلشَّرْعِ بِسَبَبِ هَذَا الزَّوْجِ العَنِيفِ فِي تَعَامُلِهِ مَعَهَا، فَتَكْرَهَ الدِّينَ وَأَهْلَهُ، وَتَنْسُبَ فِعْلَ زَوْجِهَا الخَاطِئَ إِلَى الإِسْلَامِ، وَيَتَلَقَّفَهَا أَهْلُ الضَّلَالِ مِنْ دُعَاةِ تَخْرِيبِ الأُسَرِ لِيَجْعَلُوهَا مِثَالًا عَلَى مَنْعِ ضَرْبِ النِّسَاءِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَالدَّعْوَةِ إِلَى الِالْتِزَامِ بِمَا جَاءَ عَنِ الغَرْبِ مِنْ قَانُونِ العُنْفِ وَغَيْرِهِ!
قَالَ مُحَمَّدٌ رَشِيدٌ رِضَا رَحِمَهُ اللهُ: ((يَسْتَكْبِرُ بَعْضُ مُقَلِّدَةِ الْإِفْرِنْجِ فِي آدَابِهِمْ مِنَّا مَشْرُوعِيَّةَ ضَرْبِ الْمَرْأَةِ النَّاشِزِ، وَلَا يَسْتَكْبِرُونَ أَنْ تَنْشُزَ وَتَتَرَفَّعَ عَلَيْهِ، فَتَجْعَلَهُ وَهُوَ رَئِيسُ الْبَيْتِ مرؤوسًا بَلْ مُحْتَقَرًا، وَتُصِرُّ عَلَى نُشُوزِهَا حَتَّى لَا تَلِينَ لِوَعْظِهِ وَنُصْحِهِ، وَلَا تُبَالِيَ بِإِعْرَاضِهِ وَهَجْرِهِ، وَلَا أَدْرِي بِمَ يُعَالِجُونَ هَؤُلَاءِ النَّوَاشِزَ؟ وَبِمَ يُشِيرُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ أَوْ يُعَامِلُوهُنَّ بِهِ؟ لَعَلَّهُمْ يَتَخَيَّلُونَ امْرَأَةً ضَعِيفَةً نَحِيفَةً، مُهَذَّبَةً أَدِيبَةً، يَبْغِي عَلَيْهَا رَجُلٌ فَظٌّ غَلِيظٌ، فَيُطْعِمُ سَوْطَهُ مِنْ لَحْمِهَا الْغَرِيضِ، وَيَسْقِيهِ مِنْ دَمِهَا الْعَبِيطِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَهُ مِثْلَ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الضَّرْبِ، وَإِنْ تَجَرَّمَ وَتَجَنَّى عَلَيْهَا وَلَا ذَنْبَ، كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ غِلَاظِ الْأَكْبَادِ مُتَحَجِّرِي الطِّبَاعِ، وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَأْذَنَ بِمِثْلِ هَذَا الظُّلْمِ أَوْ يَرْضَى بِهِ.
إِنَّ مِنَ الرِّجَالِ الْجَعْظَرِيَّ الْجَوَّاظَ الَّذِي يَظْلِمُ الْمَرْأَةَ بِمَحْضِ الْعُدْوَانِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي وَصِيَّةِ أَمْثَالِهِمْ بِالنِّسَاءِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَيَأْتِي فِي حَقِّهِمْ مَا جَاءَتْ بِهِ الْآيَةُ مِنَ التَّحْكِيمِ.
وَإِنَّ مِنَ النِّسَاءِ الْفَوَارِكَ الْمَنَاشِيصَ الْمُفَسِّلَاتِ اللَّوَاتِي يَمْقُتْنَ أَزْوَاجَهُنَّ، وَيَكْفُرْنَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِنَّ، وَيَنْشُزْنَ عَلَيْهِمْ صَلَفًا وَعِنَادًا، وَيُكَلِّفْنَهُمْ مَا لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ.
فَأَيُّ فَسَادٍ يَقَعُ فِي الْأَرْضِ إِذَا أُبِيحَ لِلرَّجُلِ التَّقِيِّ الْفَاضِلِ أَنْ يُخَفِّضَ مِنْ صَلَفِ إِحْدَاهِنَّ، وَيُدَهْوِرَهَا مِنْ نَشَزِ غُرُورِهَا بِسِوَاكٍ يَضْرِبُ بِهِ يَدَهَا، أَوْ كَفٍّ يَهْوِي بِهَا عَلَى رَقَبَتِهَا!
فَالْمَرْأَةُ مِثْلُ الأَسِيرَةِ عِنْدَ زَوْجِهَا، لَا تَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ إِلَّا بِأَمْرِهِ، وَلَا تَسْتَطِيعُ الزَّوَاجَ لِأَنَّهَا عَلَى ذِمَّتِهِ، فَهِيَ لَهُ خَاصَّةً لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَالْوَصِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ العَظِيمَةُ هِيَ: (أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا)، فَهَلْ أَنْتَ - أَخِي الزَّوْجَ الكَرِيمَ - مِمَّنِ اسْتَوْصَى بِامْرَأَتِهِ خَيْرًا؟ أَسْأَلُ اللهَ أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ.
وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ قَالَتْ عَنْهُ السَّابِعَةُ:
(كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ، شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلاً لَكِ).
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
12 رمضان 1447هـ
*رُوَيْدَكَ يَا فلان لا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ*
شَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ المَرْأَةَ بِالقَارُورَةِ مِنَ الزُّجَاجِ، وَطَبِيعَةُ الزُّجَاجِ أَنَّهُ يَنْكَسِرُ سَرِيعًا، فَأَمَرَ الرِّجَالَ بِالمُرَاعَاةِ وَالرِّفْقِ، فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ حَادٍ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ لا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ)).
قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ. (رواه البخاري)
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((لِأَنَّهُنَّ عِنْدَ حَرَكَةِ الإِبِلِ بِالحِدَاءِ وَزِيَادَةِ مَشْيِهَا بِهِ يُخَافُ عَلَيْهِنَّ السُّقُوطُ، فَيَحْدُثُ لَهُنَّ مَا يَحْدُثُ بِالقَوَارِيرِ مِنَ التَّكَسُّرِ)). (شرح صحيح البخاري 9/ 357)
بَلْ مُجَرَّدُ حَرَكَةِ الإِبِلِ السَّرِيعَةِ وَكَثْرَةِ الاِهْتِزَازِ وَهِيَ فَوْقَهَا يُتْعِبُهَا وَيُؤْذِي جَسَدَهَا حَتَّى مِنْ غَيْرِ سُقُوطٍ.
قَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((يَعْنِي بِهِ ضَعَفَةَ النِّسَاءِ، وَشَبَّهَهُنَّ بِالقَوَارِيرِ لِسُرْعَةِ تَأَثُّرِهِنَّ، وَلِعَدَمِ تَجَلُّدِهِنَّ، فَخَافَ عَلَيْهِنَّ مِنْ حَثِّ السَّيْرِ وَسُرْعَتِهِ سُقُوطَ بَعْضِهِنَّ، أَوْ تَأَلُّمَهُنَّ بِكَثْرَةِ الحَرَكَةِ وَالاضْطِرَابِ الَّذِي يَكُونُ عَنِ السُّرْعَةِ وَالاسْتِعْجَالِ)). (المفهم 6/ 114)
وَهُنَاكَ مَعْنًى آخَرُ أَشَارَ إِلَيْهِ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ فَقَالَ: ((شُبِّهْنَ بِهَا لِضَعْفِ عَزَائِمِهِنَّ، وَالقَوَارِيرُ يُسْرِعُ إِلَيْهَا الكَسْرُ. وَكَانَ أَنْجَشَةُ يَحْدُو بِهِنَّ، وَيُنْشِدُ مِنَ القَرِيضِ وَالرَّجَزِ مَا فِيهِ شَبِيبٌ، فَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَفْتِنَهُنَّ أَوْ يَقَعَ بِقُلُوبِهِنَّ حِدَاؤُهُ، فَأَمَرَهُ بِالكَفِّ عَنْ ذَلِكَ)). (إكمال المعلم 7/ 287)
فَالْمَرْأَةُ رَقِيقَةُ القَلْبِ مِثْلُ القَارُورَةِ، تَكْسِرُهَا الكَلِمَةُ المُرَّةُ.
فَإِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ لَا تَسْتَحْمِلُ الكَلِمَةَ المُؤْذِيَةَ لِرِقَّةِ قَلْبِهَا، فَكَيْفَ تَسْتَحْمِلُ مَنْ يَضْرِبُ جَسَدَهَا وَوَجْهَهَا، وَيَلْوِي ذِرَاعَهَا، وَكَأَنَّهُ فِي حَلَبَةِ مُصَارَعَةٍ؟!
وَمَنْ أَرَادَ التَّأَسِّيَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي مُعَامَلَتِهِ لِزَوْجَتِهِ، فَلْيَتَأَمَّلْ هَذَا الحَدِيثَ:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلا امْرَأَةً وَلا خَادِمًا إِلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِن مَحَارِمِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. (رواه مسلم)
تَأَمَّلْ - أَخِي الزَّوْجَ الكَرِيمَ - مَا فِي هَذِهِ السِّيرَةِ مِنْ أَخْلَاقِ النُّبُوَّةِ:
• لَمْ يَضْرِبْ بِيَدِهِ قَطُّ.
• لَمْ يَنْتَقِمْ لِنَفْسِهِ.
فَهَذِهِ هِيَ الحِكْمَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي التَّعَامُلِ.
إِنَّ اسْتِعْجَالَ الرَّجُلِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ زَوْجَتِهِ بِالضَّرْبِ دَلِيلٌ عَلَى نَقْصِ الحِكْمَةِ وَالتَّعَقُّلِ؛ وَلَوْ تَأَمَّلَ قَلِيلًا لَوَجَدَ أَنَّ هُنَاكَ حُلُولًا قَبْلَ الضَّرْبِ قَدْ تُعَالِجُ الأَمْرَ بِطَرِيقَةٍ أَفْضَلَ وَأَبْقَى أَثَرًا، وَلَكِنَّهُ الاسْتِعْجَالُ المَقْرُونُ بِالغَضَبِ وَالانْتِصَارِ لِلنَّفْسِ.
وَبِالنَّظَرِ إِلَى سِيرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي نُصْحِهِ لأَصْحَابِهِ فِي طَرِيقَةِ التَّعَامُلِ مَعَ زَوْجَاتِهِمْ، نَجِدُ أَنَّهُ يُرْشِدُهُمْ إِلَى الرِّفْقِ وَحُسْنِ المُعَاشَرَةِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الضَّرْبَ - وَإِنْ أُذِنَ فِيهِ فِي حَالَاتٍ مُعَيَّنَةٍ بِضَوَابِطِهِ - لَيْسَ هُوَ الحَلَّ الأَوَّلَ وَلَا الأَمْثَلَ الَّذِي يَبْدَأُ بِهِ الرَّجُلُ العَاقِلُ.
وَإِلَيْكَ - أَخِي الزَّوْجَ الكَرِيمَ - بَعْضَ الأَحَادِيثِ:
عَنْ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاؤُنَا مَا نَأْتِي مِنْهُنَّ وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: ((ائْتِ حَرْثَكَ أَنَّى شِئْتَ، وَأَطْعِمْهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَاكْسُهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلا تُقَبِّحْ الْوَجْهَ وَلا تَضْرِبْ)).
(رواه أبو داود)
فَنَهَاهُ عَنِ الضَّرْبِ، وَعَنْ قَوْلِ: «قَبَّحَ اللهُ وَجْهَكِ».
وَمِنَ التَّأَمُّلِ فِي هَذَا النَّهْيِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِنَّمَا أَقْبَلَ عَلَى المَرْأَةِ بَعْدَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهَا وَالإِعْجَابِ بِهِ، فَكَيْفَ يُقْبِّحُ وَجْهًا اخْتَارَهُ بِنَفْسِهِ، وَرَغِبَ فِيهِ، وَبَذَلَ فِي سَبِيلِ الِاقْتِرَانِ بِهِ المَالَ؟!
*زَوْجِي شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلاً لَكِ*
لَا يَزَالُ الحَدِيثُ عَنْ مُعَانَاةِ المَرْأَةِ السَّابِعَةِ مَعَ زَوْجِهَا، وَالَّذِي وَصَفَتْهُ بِقَوْلِهَا:
شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلاً لَكِ.
هَذَا الصِّنْفُ مِنَ الرِّجَالِ عَنِيفٌ مَعَ زَوْجَتِهِ، كَثِيرُ الضَّرْبِ لَهَا، وَغَالِبًا مَا يَجْمَعُ مَعَ الضَّرْبِ صِفَاتٍ أُخْرَى سَيِّئَةً، مِثْلَ: الغِلْظَةِ، وَالفَظَاظَةِ، وَسُرْعَةِ الغَضَبِ وَشِدَّتِهِ، مَعَ قِلَّةِ الحِكْمَةِ فِي مُعَالَجَةِ الأُمُورِ.
ضَرْبُ المَرْأَةِ مِنَ المَوْضُوعَاتِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الخَلَلُ مِنْ حَيْثُ الفَهْمُ وَالتَّطْبِيقُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ؛
فَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ الضَّرْبَ وَيَرْفُضُهُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُسِيءُ تَطْبِيقَ الضَّرْبِ، وَيَتَجَاوَزُ الحُدُودَ الشَّرْعِيَّةَ فِيهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ نَوَّرَ اللهُ بَصِيرَتَهُ فَيَسْتَخْدِمُ الضَّرْبَ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ بِالضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي المَوْقِفِ مِنْ (ضَرْبِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهِ) هُوَ المَفَاهِيمُ الَّتِي يَحْمِلُهَا كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ، وَالثَّقَافَةُ المُجْتَمَعِيَّةُ المُنْتَشِرَةُ فِي المُجْتَمَعِ.
وَلِتَصْحِيحِ هَذِهِ المَفَاهِيمِ نَحْتَاجُ أَنْ نَتَنَاوَلَ المَوْضُوعَ مِنْ عِدَّةِ جَوَانِبَ:
أَوَّلًا: الضَّرْبُ المَشْرُوعُ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: 34]
هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي أَخْطَأَ بَعْضُ النَّاسِ فَهْمَهَا فِي كُلِّ مَوْضُوعَاتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ؛ مِثْلَ قِيَامِ الرَّجُلِ عَلَى زَوْجَتِهِ، وَحَقِّهِ فِي تَأْدِيبِهَا، وَمَرَاحِلِ التَّأْدِيبِ وَغَيْرِهَا.
وَهِيَ تَتَكَلَّمُ عَنْ نَوْعَيْنِ مِنَ النِّسَاءِ:
النَّوْعُ الأَوَّلُ: المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالَّتِي أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهَا فِي الآيَةِ وَبَيَّنَ صِفَاتِهَا.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: النَّاشِزُ، وَهِيَ الَّتِي بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ مُعَالَجَةِ نُشُوزِهَا.
فَمَرَاحِلُ التَّأْدِيبِ لَا تُطَبَّقُ عَلَى المَرْأَةِ الصَّالِحَةِ؛ لِأَنَّهَا صَالِحَةٌ، وَلَيْسَتْ نَاشِزًا، وَمِثْلُ هَذِهِ الصَّالِحَةِ تُذَكَّرُ إِذَا نَسِيَتْ أَوْ غَفَلَتْ، وَهَذَا يَكْفِيهَا لِمَا أَوْدَعَ اللَّهُ فِي قَلْبِهَا مِنَ الإِيمَانِ.
فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُكَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ أَيُّهَا الرَّجُلُ الكَرِيمُ فَلَا يَجُوزُ لَكَ ضَرْبُهَا.
وَإِنْ كَانَتْ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي وَهِيَ النَّاشِزُ، فَلَا تَسْتَعْجِلْ فِي حَرْقِ المَرَاحِلِ وَتَنْتَقِلْ مُبَاشَرَةً إِلَى الضَّرْبِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَقَوْلُهُ: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ مَقْصُودٌ مِنْهُ التَّرْتِيبُ كَمَا يَقْتَضِيهِ تَرْتِيبُ ذِكْرِهَا مَعَ ظُهُورِ أَنَّهُ لَا يُرَادُ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّرْتِيبُ هُوَ الْأَصْلُ وَالْمُتَبَادِرُ فِي الْعَطْفِ بِالْوَاوِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعِظُهَا، فَإِنْ قَبِلَتْ، وَإِلَّا هَجَرَهَا، فَإِنْ هِيَ قَبِلَتْ، وَإِلَّا ضَرَبَهَا)). (التحرير والتنوير 5/42)
وَلَكِنْ مَا نَوْعُ الضَّرْبِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ فِي تَأْدِيبِهَا؟
أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ هُوَ ضَرْبُ تَأْدِيبٍ وَلَيْسَ ضَرْبَ تَعْذِيبٍ وَإِيذَاءٍ.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَقَوْلُهُ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أَيْ: إِذَا لَمْ يَرْتَدِعْن بِالْمَوْعِظَةِ وَلَا بِالْهِجْرَانِ، فَلَكُمْ أَنْ تَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "واتَّقُوا اللهَ فِي النِّساءِ، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشكم أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْن فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبا غَيْرَ مُبَرِّح، وَلَهُنَّ رزْقُهنَّ وكِسْوتهن بِالْمَعْرُوفِ".
وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي غَيْرَ مُؤَثِّرٍ.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ عَلَى نَاسٍ جُلُوسٍ، فَقَالَ: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ؟))، قَالَ: فَسَكَتُوا، فَقَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِخَيْرِنَا مِنْ شَرِّنَا، قَالَ: ((خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلا يُؤْمَنُ شَرُّهُ)). (رواه الترمذي)
وَإِذَا كَانَتْ كُلُّ عُيُوبِ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّوْجِ، فَهِيَ لَا تَرْجُو خَيْرَهُ أَبَدًا، وَلَا تَأْمَنُ شَرَّهُ.
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
10 رمضان 1447هـ
*زَوْجِي كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ*
الْمَرْأَةُ السَّابِعَةُ الَّتِي تَحَدَّثَتْ فِي مَجْلِسِ النِّسَاءِ وَوَصَفَتْ زَوْجَهَا بِقَوْلِهَا:
زَوْجِي غَيَايَاءُ، أَوْ عَيَايَاءُ، طَبَاقَاءُ، كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ، شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلاً لَكِ.
يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَنْهَا: إِنَّهَا مِسْكِينَةٌ، فَقَدْ جَمَعَتْ كُلَّ أَوْصَافِ الذَّمِّ فِي زَوْجِهَا، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي يُمْكِنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتَفِيدَ مِنْهُ.
فَهُوَ أَحْمَقُ، جَاهِلٌ، سَيِّئُ العِشْرَةِ، عَاجِزٌ عَنِ المُعَاشَرَةِ، يَضْرِبُ المَرْأَةَ بِشِدَّةٍ وَعُنْفٍ، حَتَّى إِنَّهُ جَمَعَ كُلَّ عُيُوبِ النَّاسِ فِيهِ.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَصَفَتْهُ بِالحُمْقِ، وَالتَّنَاهِي فِي جَمِيعِ النَّقَائِصِ وَالعُيُوبِ، وَسُوءِ العِشْرَةِ مَعَ الأَهْلِ، وَعَجْزِهِ عَنْ حَاجَتِهَا، مَعَ ضَرْبِهَا وَأَذَاهُ إِيَّاهَا، وَأَنَّهُ إِذَا حَدَّثَتْهُ سَبَّهَا، وَإِذَا مَازَحَتْهُ شَجَّهَا، وَإِذَا غَضِبَ إِمَّا شَجَّهَا فِي رَأْسِهَا أَوْ كَسَرَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا، وَهُوَ مَعْنَى «فَلَّكِ»، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمُنْهَزِمِينَ: «فَلٌّ».
أَوْ شَقَّ جِلْدَهَا أَوْ طَعَنَهَا، وَهُوَ مَعْنَى «بَجَّكِ».
أَوْ جَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ لَهَا، مِنَ الضَّرْبِ وَالجَرْحِ وَكَسْرِ الأَعْضَاءِ، أَوِ الكَسْرِ بِالخُصُومَةِ، وَمُوجِعِ الكَلَامِ، وَأَخْذِ مَالِهَا)). (بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد ص186)
هَذَا الصِّنْفُ مِنَ الرِّجَالِ لَا يُمْكِنُ العَيْشُ مَعَهُ بِسَلَامٍ.
وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنَّ هَذِهِ الأَخْلَاقَ السَّيِّئَةَ فِي مِثْلِ هَذَا الصِّنْفِ وُجِدَتْ فِيهِ فَجْأَةً بَعْدَ الزَّوَاجِ! إِنَّمَا المُتَوَقَّعُ أَنَّهَا فِيهِ قَبْلَ الزَّوَاجِ.
وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُ نَفْسَهُ؛ لِمَاذَا قَبِلَتْ بِهِ هَذِهِ المَرْأَةُ؟ وَعَلَى مَنْ يَقَعُ الخَطَأُ فِي تَزْوِيجِهَا إِيَّاهُ؟
أَوَّلًا: هَذِهِ الحَادِثَةُ وَقَعَتْ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَلَكِنَّهَا مَعَ الأَسَفِ تَتَكَرَّرُ فِي الإِسْلَامِ، فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ الخَطَأُ؟
ثَانِيًا: بِالنَّظَرِ إِلَى تَعَالِيمِ الإِسْلَامِ وَآدَابِهِ السَّامِيَةِ نَجِدُ أَنَّهُ وَضَعَ نِظَامًا دَقِيقًا لِمَنْعِ مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ تَقَعَ فِي الوَاقِعِ، فَلِمَاذَا تَتَكَرَّرُ؟!
الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ سَبَبَ تَكَرُّرِ مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ فِي الوَاقِعِ نَابِعٌ مِنْ أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ عُنْوَانُهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ عَدَمُ الِالْتِزَامِ بِتَعَالِيمِ الإِسْلَامِ وَآدَابِهِ فِي تَزْوِيجِ البَنَاتِ.
الأَمْرُ الأَوَّلُ: تَخَلِّي الأَوْلِيَاءِ عَنْ تَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّةِ زَوَاجِ البِنْتِ:
فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَرَّمَ عَلَى المَرْأَةِ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا، وَأَمَرَ أَوْلِيَاءَهَا بِتَزْوِيجِهَا، حَتَّى يَتَحَمَّلَ الرِّجَالُ مَسْؤُولِيَّةَ المَرْأَةِ فِي تَزْوِيجِهَا مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لَهَا.
وَقَدْ جَاءَتْ فِي ذَلِكَ الأَحَادِيثُ الكَثِيرَةُ مِنْهَا:
عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ)). (رواه أبو داود)
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ - فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ)). (رواه أبو داود)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((لا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا)).
(رواه ابن ماجه)
فَهَذِهِ الأَحَادِيثُ تُلْقِي بِالْمَسْؤُولِيَّةِ فِي الزَّوَاجِ عَلَى الأَوْلِيَاءِ، وَتَمْنَعُ المَرْأَةَ مِنْ تَزْوِيجِ نَفْسِهَا، وَذَلِكَ لِحِكَمٍ كَثِيرَةٍ:
مِنْهَا: أَنَّ الرِّجَالَ أَقْدَرُ عَلَى مَعْرِفَةِ صِفَاتِ الخَاطِبِ وَأَخْلَاقِهِ وَالسُّؤَالِ عَنْهُ بَيْنَ الرِّجَالِ، بِخِلَافِ المَرْأَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الرِّجَالَ يُحَكِّمُونَ العَقْلَ فِي الأُمُورِ، بِخِلَافِ المَرْأَةِ فَإِنَّهَا تُحَكِّمُ العَاطِفَةَ، فَإِذَا تَعَلَّقَ قَلْبُهَا بِرَجُلٍ غَضَّتِ الطَّرْفَ عَنْ جَمِيعِ صِفَاتِهِ السَّيِّئَةِ.
وَإِذَا كَانَتْ بَعْضُ المُجْتَمَعَاتِ اليَوْمَ تَشْكُو مِنْ كَثْرَةِ الطَّلَاقِ، وَطَلَبِ النِّسَاءِ خُلْعَ أَنْفُسِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ، فَلَابُدَّ مِنْ مُلَاحَظَةِ هذَا السَّبَبِ عِنْدَ الرِّجَالِ وَمُعَالَجَتِهِ؛ فَإِنَّهُ أَحَدُ الأَسْبَابِ الرَّئِيسَةِ فِي كَثْرَةِ الطَّلَاقِ وَطَلَبِ الخُلْعِ.
وَعَلَى المَرْأَةِ أَنْ تَتَّقِيَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَا يَجُرَّهَا تَقْصِيرُ زَوْجِهَا مَعَهَا إِلَى فَتْحِ بَابِ التَّوَاصُلِ مَعَ الرِّجَالِ، وَالحَذَرَ كُلَّ الحَذَرِ مِنْ كَثْرَةِ النَّظَرِ إِلَى صُوَرِ الرِّجَالِ؛ فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَلَى المَرْأَةِ، وَلِذَلِكَ أُمِرَتِ المَرْأَةُ كَمَا أُمِرَ الرَّجُلُ بِغَضِّ البَصَرِ.
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
9 رمضان 1447هـ
* زَوْجِي َلا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ*
هٰذَا صِنْفٌ مِنَ الرِّجَالِ بَخِيلٌ مِنْ كُلِّ الجَوَانِبِ، جَمَعَ بَيْنَ بُخْلِ المَالِ وَبُخْلِ المَشَاعِرِ، وَلَعَلَّ بُخْلَ المَالِ تَغَلْغَلَ فِي قَلْبِهِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى المَشَاعِرِ فَبَخِلَ بِهَا، وَلِذٰلِكَ وَصَفَتْهُ زَوْجَتُهُ وَهِيَ المَرْأَةُ السَّادِسَةُ بِقَوْلِهَا:
زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ، وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ، وَلا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((اللَّفُّ فِي المَطْعَمِ: الإِكْثَارُ مِنْهُ مَعَ التَّخْلِيطِ مِنْ صُنُوفِهِ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ.
وَالاشْتِفَافُ فِي المَشْرَبِ: أَنْ يَسْتَقْصِيَ مَا فِي الإِنَاءِ، وَلَا يُسْئِرَ فِيهِ سُؤْرًا. وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنَ الشُّفَافَةِ، وَهِيَ البَقِيَّةُ تَبْقَى فِي الإِنَاءِ مِنَ الشَّرَابِ، فَإِذَا شَرِبَهَا صَاحِبُهَا، قِيلَ: اشْتَفَّهَا)).
(غريب الحديث 2/ 169)
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ: ((هٰذِهِ امْرَأَةٌ ذَمَّتْ زَوْجَهَا، فَوَصَفَتْهُ أَوَّلًا بِاللُّؤْمِ وَالبُخْلِ وَالبَرَمِ وَالنَّهَامَةِ وَالجَرَازَةِ، وَسُوءِ المُعَاشَرَةِ وَالمُرَافَقَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُبْقِي فِيمَا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَلَا يَذَرُ، وَيَجْمَعُ كُلَّ مَا يَجِدُهُ مِنْ ذٰلِكَ وَيَحْطِمُهُ، وَلَيْسَ هٰذَا مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ)). (بغية الرائد ص171)
فَهٰذَا الصِّنْفُ مِنَ الرِّجَالِ فِيهِ لُؤْمٌ وَبُخْلٌ وَنَهَمٌ فِي الأَكْلِ، فَيَأْكُلُ كُلَّ مَا حَوْلَهُ مِنَ الطَّعَامِ، وَلَا يُرَاعِي زَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ، وَهٰذَا مِنْ سُوءِ خُلُقِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الأَدَبَ فِي الأَكْلِ مَعَ النَّاسِ، فَنَهَى أَنْ يَجْمَعَ تَمْرَتَيْنِ فِي الأَكْلِ وَالنَّاسُ يَأْكُلُونَ تَمْرَةً تَمْرَةً.
وفِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقْرُنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ. (رواه البخاري)
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((النَّهْيُ عَنِ القِرَانِ فِي التَّمْرِ عِنْدَ العُلَمَاءِ مِنْ بَابِ حُسْنِ الأَدَبِ فِي الأَكْلِ؛ لِأَنَّ القَوْمَ الَّذِينَ وُضِعَ بَيْنَ أَيْدِيهِمُ التَّمْرُ كَالْمُتَسَاوِينَ فِي أَكْلِهِ، فَإِذَا اسْتَأْثَرَ أَحَدُهُمْ بِأَكْثَرَ مِنْ صَاحِبِهِ لَمْ يُحْمَدْ لَهُ ذَلِكَ)). (شرح صحيح البخاري 7/ 9)
وَقَالَ الأَصْبَهَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّرَةِ وَالحِرْصِ عَلَى كَثرَةِ الأَكْلِ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَزْرِي بِصَاحِبِهِ، وَيُؤْثِمُ مَنْ يَذْكُرُهُ بِذَلِكَ وَيَعِيبُهُ بِهِ)). (شرح صحيح البخاري 5/202)
وَالطَّعَامُ الَّذِي فِي الْبَيْتِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الرَّجُلِ وَزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ، فَإِذَا اسْتَأْثَرَ بِالطَّعَامِ عَنْهُمْ ظَلَمَهُمْ، وَلَوْ كَانَ هُوَ مَنْ أَحْضَرَ الطَّعَامَ، وَلَكِنْ لِأَهْلِ بَيْتِهِ الْحَقُّ فِي إِطْعَامِهِمْ وَالصَّرْفِ عَلَيْهِمْ.
وَيَكْفِي هَذَا الرَّجُلَ مَذَمَّةً أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ فِعْلِهِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((اخْتَلَفُوا فِي هَذَا النَّهْيِ هَلْ هُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوِ الْكَرَاهَةِ؟ وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ فَالْقِرَانُ حَرَامٌ إِلَّا بِرِضَاهُمْ، وَيَحْصُلُ بِتَصْرِيحِهِمْ أَوْ بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ قَرِينَةِ حَالٍ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لِغَيْرِهِمْ حَرُمَ وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ وَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْأَكْلِ اشْتُرِطَ رِضَاهُ، وَيَحْرُمُ لِغَيْرِهِ وَيَجُوزُ لَهُ هُوَ إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْآكِلِينَ مَعَهُ)). (فتح الباري 9/ 571)
وَمَعَ اخْتِلَافِ حُكْمِ المَسْأَلَةِ إِلَّا أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ قَدْ أَسَاءَ الأَدَبَ فِي الأَكْلِ.
وَأَمَّا الأَمْرُ الثَّانِي الَّذِي ذَمَّتْهُ المَرْأَةُ بِقَوْلِهَا:
وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ، وَلا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ.
والكاظمين الغيظ)
لن ينسى الله ﷻ
سكوتك عن الكلام
ولا عتباً كتمته
ولا قهراً لجمته
ولا ألماً تحملته
فاطمئن
فربك لايضل ولاينسى
قَالَ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((اعْلَمْ أَنَّ الرِّفْقَ مَحْمُودٌ، وَيُضَادُّهُ الْعُنْفُ وَالْحِدَّةُ وَالْعُنْفُ نَتِيجَة الْغَضَبِ وَالْفَظَاظَةِ. وَالرِّفْقُ وَاللِّينُ نَتِيجَةُ حُسْنِ الخُلُقِ وَالسَّلَامَةِ.
وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ الحِدَّةِ الغَضَبَ، وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُهَا شِدَّةَ الحِرْصِ وَاسْتِيلَاءَهُ بِحَيْثُ يَدْهَشُ عَنِ التَّفَكُّرِ وَيَمْنَعُ مِنَ التَّثَبُّتِ.
فَالرِّفْقُ فِي الأُمُورِ ثَمَرَةٌ لَا يُثْمِرُهَا إِلَّا حُسْنُ الخُلُقِ وَلَا يَحْسُنُ الخُلُقُ إِلَّا بِضَبْطِ قُوَّةِ الغَضَبِ)). (إحياء علوم الدين 3/ 184)
ولَا تَحْلُو حَيَاةُ الإِنْسَانِ إِلَّا بِالرِّفْقِ، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: ((مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلا زَانَهُ، وَلا عُزِلَ عَنْهُ إِلا شَانَهُ)). (رواه أحمد)
أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي يُحْسِنُ التَّعَامُلَ مَعَ النَّاسِ خَارِجَ البَيْتِ، وَيُسِيءُ التَّعَامُلَ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَهٰذَا لَيْسَ مِنْ خِيَارِ الرِّجَالِ، بَلْ هٰذَا مَذْمُومٌ فِي الإِسْلَامِ، وَمُخَالِفٌ لِهَدْيِ سَيِّدِ الأَنَامِ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، الَّذِي قَالَ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي)). (رواه الترمذي)
وَمَنْ اسْتَخْدَمَ قُوَّتَهُ عَلَى المَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ وَالأَوْلَادِ عِنْدَهُ، وَهُوَ جَبَانٌ خَائِفٌ مَهْزُوزُ الشَّخْصِيَّةِ خَارِجَ البَيْتِ، فَهُوَ مِنْ أَسْوَأِ الرِّجَالِ.
الأَمْرُ الثَّانِي مِنَ الصِّفَاتِ الجَمِيلَةِ فِي هٰذَا الرَّجُلِ الَّذِي وَصَفَتْهُ المَرْأَةُ الخَامِسَةُ بِقَوْلِهَا:
وَلا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَالَّذِي أَرَادَتْ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ يَتَفَقَّدُ مَا ذَهَبَ مِنْ مَالِهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى مَعَايِبِ البَيْتِ وَمَا فِيهِ، فَهُوَ كَأَنَّهُ سَاهٍ عَنْ ذٰلِكَ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذٰلِكَ قَوْلُهَا: وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ: تَعْنِي عَمَّا كَانَ عِنْدِي قَبْلَ ذٰلِكَ)).
(غريب الحديث 2/ 174)
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((فَالْمُرَادُ التَّغَافُلُ عَمَّا أَضَاعَتْهُ المَرْأَةُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهَا تَعَهُّدُهُ تَكَرُّمًا وَحِلْمًا)). (أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل ص357)
وَهٰذَا التَّغَافُلُ مِنْ شِيَمِ كِبَارِ النُّفُوسِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَدَّثْتُ عُثْمَانَ بْنَ زَائِدَةَ وَكَانَ مِنَ العُبَّادِ فَقَالَ: العَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ. (سير السلف الصالحين 3/ 1057)
وَتَكَلَّمَ العُلَمَاءُ عَنِ التَّغَافُلِ وَنَصَحُوا بِه المُلُوكَ وَالرُّؤَسَاءَ فِي تَعَامُلِهِمْ مَعَ شُعُوبِهِمْ، فَمِنْ ذٰلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ الأَزْرَقِ الغِرْنَاطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَالَ الجَاحِظُ: وَمِنْ أَخْلَاقِ المَلِكِ التَّغَافُلُ عَمَّا لَا يَقْدَحُ فِي المُلْكِ، وَلَا يَجْرَحُ المَالَ، وَلَا يَضَعُ مِنَ العِزِّ، وَيَزِيدُ فِي الأُبَّهَةِ. وَعَلَيْهِ كَانَتْ سِيرَةُ آلِ سَاسَانَ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَتِ العَرَبُ: الشَّرَفُ التَّغَافُلُ.
قَالَ:
لَيْسَ الغَبِيُّ بِسَيِّدٍ فِي قَوْمِهِ
لَكِنْ سَيِّدُ قَوْمِهِ المُتَغَابِي
قُلْتُ: وَأَنْتَ لَا تَجِدُ أَحَدًا يَتَغَافَلُ عَنْ مَالِهِ إِذَا خَرَجَ، وَعَنْ مُبَايَعَتِهِ إِذَا غُبِنَ، وَعَنِ التَّقَاضِي إِذَا بُخِسَ، إِلَّا وَجَدْتَ فِي قَلْبِكَ لَهُ فَضِيلَةً، وَجَلَالَةً لَا تَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهَا.
...
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يَجِبُ عَلَى ذِي الفِطْنَةِ الزَّائِدَةِ الأَخْذُ بِهٰذَا الخُلُقِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ بِالدَّهَاءِ المُفْرِطِ، حَتَّى يَحْصُلَ بِهِ الرِّفْقُ المَأْمُورُ بِهِ.
...
المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مِنَ الكَلِمَاتِ الحِكْمِيَّةِ فِي هٰذَا الوَصْفِ:
• عَظِّمُوا أَقْدَارَكُمْ بِالتَّغَافُلِ.
• مَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ قَطُّ حَقَّهُ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: 3]
...
إِنَّ مِنَ السَّخَاءِ وَالكَرَمِ؛ تَرْكَ التَّجَنِّي، وَتَرْكَ البَحْثِ عَنْ بَاطِنِ الغُيُوبِ، وَالإِمْسَاكَ عَنْ ذِكْرِ العُيُوبِ.
كَمَا أَنَّ مِنْ تَمَامِ الفَضَائِلِ الصَّفْحَ عَنِ التَّوْبِيخِ، وَإِكْرَامَ الكَرِيمِ، وَالبِشْرَ فِي اللِّقَاءِ، وَرَدَّ التَّحِيَّةِ، وَالتَّغَافُلَ عَنْ خَطَأِ الجَاهِلِ. مَنْ شَدَّدَ نَفَّرَ وَمَنْ تَرَاخَى تَأَلَّفَ)). (بدائع السلك في طبائع الملك 1/ 509)
وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الرَّجُلَ عَنْ إِيذَاءِ المَرْأَةِ أَوَّلَ النَّهَارِ ثُمَّ مُعَاشَرَتِهَا فِي آخِرِهِ! فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ)).
(رواه البخاري)
قَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((هٰذَا إِنْكَارٌ عَلَى مَنْ يَجْلِدُ زَوْجَتَهُ، وَيُكْثِرُ مِنْ ذٰلِكَ حَتَّى يُعَامِلَهَا مُعَامَلَةَ الأَمَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ ذٰلِكَ بِاليَسِيرِ يَرْجِعُ إِلَى مُضَاجَعَتِهَا، وَإِلَى قَضَاءِ شَهْوَتِهِ مِنْهَا، فَلَا تُطَاوِعُهُ، وَلَا تَتَحَسَّنُ لَهُ، وَقَدْ تُبْغِضُهُ، وَقَدْ يَكُونُ هُوَ يُحِبُّهَا، فَيَفْسُدُ حَالُهُ، وَيَتَفَاقَمُ أَمْرُهُمَا، وَتَزُولُ الرَّحْمَةُ وَالمَوَدَّةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الأَزْوَاجِ، وَيَحْصُلُ نَقِيضُهَا، فَنَبَّهَ صلى الله عليه وسلم بِهٰذَا اللَّفْظِ الوَجِيزِ عَلَى مَا يَطْرَأُ مِنْ ذٰلِكَ مِنَ المَفَاسِدِ)).
(المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 7/ 429)
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَالْمُجَامَعَةُ أَوِ الْمُضَاجَعَةُ إِنَّمَا تُسْتَحْسَنُ مَعَ مَيْلِ النَّفْسِ وَالرَّغْبَةِ فِي الْعِشْرَةِ، وَالْمَجْلُودُ غَالِبًا يَنْفِرُ مِمَّنْ جَلَدَهُ، فَوَقَعَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَمِّ ذَلِكَ)).
(فتح الباري 9/ 303)
لَقَدْ رَاعَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَاجَةَ المَرْأَةِ النَّفْسِيَّةَ لِلشُّعُورِ بِالأَمَانِ وَالِاطْمِئْنَانِ مَعَ الزَّوْجِ، فَنَبَّهَ الزَّوْجَ إِلَى أَدَبِ التَّعَامُلِ مَعَ المَرْأَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ التَّعَامُلَ مَعَ المَرْأَةِ عَلَى أَنَّهَا جَسَدٌ بِلَا رُوحٍ وَلَا مَشَاعِرَ.
وَالمَرْأَةُ السَّوِيَّةُ لَا تُقَدِّمُ جَسَدَهَا إِلَّا لِمَنْ تُحِبُّ، وَفِي حَالَةٍ مِنَ الِاطْمِئْنَانِ النَّفْسِيِّ التَّامِّ.
ثَانِيهَا: سَلَامَةُ البَاطِنِ، فَلَا تَتَوَقَّعُ مِنْهُ أَيَّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الغَدْرِ فِي الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَلَا تَخَافُ مِنْ ذٰلِكَ.
وَهٰذَا قِمَّةُ الأَمَانِ النَّفْسِيِّ فِي حَيَاةِ المَرْأَةِ؛ أَنْ تَشْعُرَ بِالثِّقَةِ فِي زَوْجِهَا، فَبَاطِنُهُ كَظَاهِرِهِ؛ نَظِيفٌ لَيْسَ فِيهِ غَدْرٌ.
ثَالِثُهَا: حُسْنُ الصُّحْبَةِ وَجَمِيلُ العِشْرَةِ، لَا يَمَلُّ مِنْهَا.
وَهٰذَا يُوحِي لِلْمَرْأَةِ بِمَحَبَّةِ الزَّوْجِ لَهَا.
وَحُسْنُ الصُّحْبَةِ، وَجَمِيلُ العِشْرَةِ لَا تَأْتِي إِلَّا مِنْ صَاحِبِ الأَخْلَاقِ الحَمِيدَةِ.
وَطُولُ الجُلُوسِ مَعَ الزَّوْجَةِ دَلِيلُ المَحَبَّةِ مِنْهُ إِلَيْهَا، وَهٰذَا يَسْتَلْزِمُ حُسْنَ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهَا، لِأَنَّهُ إِذَا جَلَسَ مَعَهَا اطْمَأَنَّتْ لِلْكَلَامِ مَعَهُ، وَاسْتَأْنَسَتْ بِهِ.
وَهٰذَا مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ، جَلَسَ مَعَ عَائِشَةَ وَتَسَامَرَ مَعَهَا الحَدِيثَ، وَاسْتَمَعَ لَهَا بِإِنْصَاتٍ.
وَلِلْمَرْأَةِ دَوْرٌ فِي إِذْهَابِ المَلَلِ مِنَ الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ بِحُسْنِ العِشْرَةِ، وَاخْتِيَارِ مَوْضُوعِ الحَدِيثِ، وَالتَّجْدِيدِ فِي حَيَاتِهَا، وَفِي لُبْسِهَا، وَفِي بَيْتِهَا.
وَلِذٰلِكَ قَالَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ كَلِمَتَهُ الجَمِيلَةَ: لَا مَلَلَ عِنْدِي لِدَابَّتِي مَا حَمَلَتْ رِجْلِي، وَلَا لِامْرَأَتِي مَا أَحْسَنَتْ عِشْرَتِي، وَلَا لِصَدِيقِي مَا حَفِظَ سِرِّي، إِنَّ المَلَلَ مِنْ كَوَاذِبِ الأَخْلَاقِ.
فَكَيْفَ أَنْتَ أَيُّهَا الرَّجُلُ الكَرِيمُ مَعَ زَوْجَتِكَ؟
هَلْ تَشْعُرُ بِالأَمَانِ مَعَكَ؟
هَلْ عِنْدَكَ شَوْقٌ لِلْجُلُوسِ مَعَهَا؟
هَلْ عِنْدَكَ القُدْرَةُ عَلَى الِاسْتِمَاعِ لَهَا مِنْ غَيْرِ مُقَاطَعَةٍ، وَلَوْ طَالَ حَدِيثُهَا؟
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
7 رمضان 1447هـ
#رسالة_اليك 💌
البعض يعمل الخير
ويُحسن للآخرين
لِيجد التّقدير منهُم
والخبر السَّيِّء
هو أن مشاعره ستتأثّر
لأن الكثِير لن يُعطوه
التّقدير الّذي في مُخَيِّلته.
لسعادتك :
اِجعل حُب العطاء هُو دافِعك
اِعمل الخير لأنّك مُحسن
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾