الأخذ من الشعر في العشر
عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره). رواه مسلم
هذا حديث نبوي صحيح صريح، مفهومه النهى عن الأخذ من الشعر والظفر من يريد الأضحية، منذ دخول العشر، فالنهي ثابت، ثم بعد ذلك يقال: إما للتحريم، أو للكراهية. فالأمر النبوي إما للوجوب أو الاستحباب، والنهي إما للتحريم أو الكراهية، فهذا القدر لا خلاف عليه، والأصل في الأمر الوجوب، كما أن الأصل في النهي التحريم، حتى يأتي صارف يصرف إلى الاستحباب أو الكراهية، وهكذا قال العلماء.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "النهي يقتضي التحريم إلا لصارف عنه يجب الرجوع إليه كما تقرر في الأصول.. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحريم أظهر لظاهر الحديث؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم يقول: (وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)".
فالنهي النبوي عن الأخذ من الشعر والظفر، الأصل فيه: أنه للتحريم. ولم يأت عن النبي شيء يصرفه عن هذا الحكم إلى الكراهية، وقد استدل من لم يعمل بهذا النهي النبوي بقول لعائشة، فقال القاضي عياض، وهو مالكي المذهب: "مذهبنا أن هذا الحديث لا يلزم العمل به، واحتج أصحابنا بقول عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يهدي من المدينة، فأختل قلائد هديه، ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم). وظاهر هذا الإطلاق أنه لا يحرم تقليم الأظافر، ولا قص الشعر، ومذهب ربيعة وأحمد وإسحاق وابن المسيب المنع؛ أخذا بالحديث المتقدم، ويرون أن النص على ذكر فيه أولى من التمسك بالإطلاق الذي في لفظ عائشة رضي الله عنها، ومذهب الشافعي حمله على الندب، وحكى عن مالك، ورخص فيه أصحاب الرأي".
فهذه مذاهب العلماء في الأخذ من الشعر والظفر للمضحي، والمسألة هنا: هل تصح معارضة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بما روته عائشة من فعله؟
الجواب: كلا، فقوله صلى الله عليه وسلم مقدم ههنا؛ لأنه صريح في النهي مفصل، أما فعله المروي على لسان عائشة، فليس فيه نص أنه كان يأخذ من شعره وظفره، وهو مريد للأضحية؛ إذ يحتمل أنها أرادت أنه كان لا يجتنب أهله؛ تعني: الجماع. ولو لم ترد رواية بهذا المعنى لكان له وجه مقبول، كيف وقد جاءت الرواية بذلك، وهو ما رواه ابن جرير بسنده، "عن عائشة قالت: (كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يبعث بالهدي، ويقيم عندنا، لا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم من أهله، حتى يرجع الناس)".
قال ابن جرير: "حديث أم سلمة على منع من أراد أن يضحي-وله ما يضحي-عن حلق شعره وقص أظفاره في أيام العشر حتى يضحي، وحديث عائشة على الإطلاق، لما سوى قص الأظفار وحلق الشعر له في تلك الأيام، وأنه فيها بخلاف ما المحرم عليه في إحرامه في تلك الأشياء كلها، حتى تتفق هذه الآثار كلها، ولا يضاد بعضها بعضا".
إذن، حديث أم سلمة في حق المضحي؛ أنه لا يمس شعره ولا ظفره، وحديث عائشة في أنه لا يمتنع من معاشرة أهله، وهكذا تجتمع الأحاديث، ولا يضرب بعضها ببعض!
وهناك طريق آخر للجمع، هو: أن المنع من الشعر والظفر للمضحي المقيم، وجوازه للحاج أو الذي بعث بهدي إلى مكة، وهو طريقة أحمد ويحيى بن سعيد، فقال يحيى: "ذاك له وجه، وهذا له وجه، حديث عائشة إذا بعث بالهدي وأقام، وحديث أم سلمة إذا أراد أن يضحي بالمصر. قال أحمد: وهكذا أقول. قيل له: فيمسك عن شعره وأظفاره؟ قال: نعم، كل من أراد أن يضحي. فقيل له: هذا على الذي بمكة [الحاج] فقال: لا، بل على المقيم".
يؤكد هذا: أن هذا هو مذهب الصحابة، كما رواه عنهم ابن سيرين، قال ابن جرير: "وقد شد هذا المعنى الذي ذهبنا إليه، في المنع من قص الأظفار ومن حلق الشعر، لمن أراد أن يضحي، ممن له ما يضحي به في أيام العشر: ما قد روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا عليه في ذلك، كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق حدثنا وهب بن جرير حدثنا هشام بن أبي عبد الله عن قتادة: أن كثير بن أبي كثير سأل سعيد بن المسيب: أن يحيى بن يعمر يفتي بخراسان، يعني: كان يقول إذا دخل عشر ذي الحجة، واشترى الرجل أضحيته فسماها: لا يأخذ من شعره وأظفاره. فقال سعيد: قد أحسن، كان أصحاب رسول الله يفعلون ذلك أو يقولون ذلك. فهذا هو القول عندنا في هذا الباب وهو خلاف ما يقوله أبو حنيفة رحمه الله وأصحابه وما يقوله مالك وأصحابه".
بعضهم يقول:
الصلاة الإبراهيمية ليست الاكمل، إنما قول: اللهم صل وسلم. للآية:{ صلوا عليه وسلموا تسليما}.
ويقال:
هذا اجتهاده!
ومن قال الصلاة الإبراهيمية اكمل فهو اجتهاده!
لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل هذا أكمل أو هذا أكمل.
بل أرشد للصلاة والسلام عليه، وترك للناس الصيغة التي يختارون فتحقق المطلوب
فتارة إبراهيمية
وتارة صلى الله عليه وسلم
وتارة اللهم صل عليه
وتارة غير ذلك
مثل التسبيح
تارة سبحان الله
وتارة وبحمده
وتارة سبحان الله العظيم
كلها صيغ صالحة ولا تفضيل بينها لزيادة لفظة وكلمة؛ لأن أصل المقصود تحقق، ومن قال هذه الصيغة أفضل فمطالب بدليل يقول هذا أفضل.
ولا يوجد ذلك!
ولما لم يوجد لجأ للاستنباط، والاستنباط ظن وليس بيقين.
تابع…
كلا، ليس تحسسا من التصوف!
بل نظر وتمعن في النصوص من كتاب وسنة وسيرة ً
وقد ذكرت بعضها سابقا، وآثار من سلف:{اجعلني على خزائن الأرض}.
كذلك، نظر في حال من تصوف أو من فضل الخمول مطلقا.
فكما أنك تجد من يمجد الخمول، تجد من يشجع على البروز وتبوأ المنازل.
وتجد من يحذر من مخالطة الأمراء، ومن يفعل ذلك وينفع الله به كرجاء والزهري وابن أكثم، وقد دفع الله بهم شرورا كادت تحيق بالأمة كإباحة المتعة في عهد المأمون.
فالحاصل:
الذم المطلق في الجهتين خطأ، والاعتدال واجب.
فمن الناس من فيه قوة نفس وتوفيق يتحرز به، فينفع الله به الأمة بمكانه من الوجاهة والرئاسة، فهذا الفرض حقه أن يطلبها، لما فيها من نفع متعد على الأمة في دينها ودنياها.
وآخرون ليسوا من ذلك الصنف، ولا يصلح لهم إلا الخمول.
ولا احد يذم من ترأس ثم أحسن لغيره، والخامل عامل لنفسه.
فإذا نظر في المسألة بحسب أحوال الناس وقع الحكم موضع الإصابة.
والنصوص التي تحذر من الحرص على المال والشرف كحديث الذئبين، ذلك لمن ابتغاهما لدنياه، وليس عالم يقول فيمن حسنت نيته فيهما وصدق: أنه مذموم، وإلا لحق يوسف عليه السلام من ذلك شيء.
وفي مثل هذه المسائل لا يحتج بأفراد، فإنه يقابله أفراد على الضد، إنما الاحتجاج بالإجماع أو الجمهور، ولو نظرنا في أحوال من سلف، وجدنا فيهم النوعين والصنفين.
إذن، الحكم في هذا مختلف بحسب أحوال الناس، لكن لما شاع القول بالخمول والميل وذم ما يفضي لرياسة أو جاه أو ثراء مطلقا:
كان لا بد من وضع ميزان صحيح، مبني على كتاب وسنة وسيرة وآثار، فهو المعيار!
وأما أحوال المتصوفة فمحرك من المحركات نحو تفعيل المعيار، وتصحيح الحال لظهور ضرره.
فمن قال إن الدافع لمثل هذا التقرير رد فعل سلبي لحال المتصوفة، أدعوه للتأمل مليا والنظر فيما تقرر في هذ المنشور وما قبله.
تابع…
تعذر إصلاح الطرق الصوفية
رشيد رضا تاريخ الأستاذ الإمام
بوركت
كلامك في محله
وتصورك للموضوع محقق لغرضه
وملحظك على العنوان متفهم
لكن لا يخفى عليك:
أن أهل السنة بشر وأشخاص، والخطأ منهم وارد!
ولا أعنى خطأ في فقه أو اعتقاد، حاشاهم، فمجموعهم وجمهورهم معصوم، ليقيم الله على العباد حجته.
إنما قصدت خطؤهم في باب الترك؛ أنهم تركوا هذين العلمين للمتكلمة والمتصوفة
وذلك جر وبالا على الأمة!
فهل وصف تركهم بالخطأ ونسبته إليهم فيه انتقاص لهم؟
أرجو ألا يكون كذلك!
وإنما أردت إيقاظا من رقدة
وقياما من وهدة
وفي العادة لا يتحرك الساكن الراكد إلا بهزة
فعسى أن يكون هذا محركا باعثا دافعا للتصحيح، والله المستعان.
بوركت
لو رجعت إلى أئمة أصول الفقه الذين يتلقى عنهم طلاب أهل السنة ويعتمدون مصادرهم لوجدتهم بين معتزلي وأشعري وماتريدي.
القاضي عبدالجبار وأبو الحسين البصري والجويني والغزالي والرازي.
كتب هؤلاء هي المرجع في التدريس وتعلم أصول الفقه لكافة طلاب السنة، وليس لهم منهج سلفي سني مستقل، حتى كتاب الرسالة لا يدرسونه.
هذا ما عنيت بخطأ السنة؛ أنهم أسلموا قياد هذا الفن للمتكلمة.
ذم الرئاسة ومدح الخمول أثر من آثار التصوف على المسلمين بعموم.
فطلب الرئاسة ليس مذموما بإطلاق، إلا بقصد الدنيا.
أما من قصدها ليقيم الدين، فمثل يوسف{اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم}.
لكن طريقة التصوف تعظيم الخمول، وبه لايقام دين ولا دنيا، وتجد من السلفيين الأخيار من داخله هذا المعنى!
وقد يكون لا بأس في حقه؛ إذ ليست كل الطبائع مستعدة للريادة والقيادة.
لكن الخطأ يأتي من تعميمه حالته وطبعه، وظنه أن الناس كلهم مثله في ضعف النفس بميلها للدنيا لأدنى فتنة.
وما علم أن لله عبادا أقوياء أنفس، لو ملكوا الدنيا بمالها وجاهها، ودخلوا على الملوك وخالطوهم ما غير ذلك في نفوسهم، ولا مال بهم لدنيا، لعظم همتهم فيما قصدوه من غايات، ولحفظ الله لهم.
وعليه: فالحال يختلف من شخص لآخر، فكل يستغل مواهبه للإصلاح:{والله يعلم المفسد من المصلح}.
هل الإقعاد عقيدة ملزمة؟
الاستواء والعلو ثبت بنصوص مرفوعة صريحة صحيحة، فالاعتقاد به ملزم؛ لأنه خبر صادق.
وكذا الاعتقادات المنصوص عليها في متون العقيدة المختصرة، التي وضعت لبيان ما يجب اعتقاده.
وفي الغالب أنها متفقة على أكثر القضايا، وفيها نصوص صحيحة مرفوعة ومن نصوص القرآن.
فالاعتقاد يثبت:
بما في القرآن، وما صح في الحديث.
فإذا جئنا للموقوف على الصحابي، والعادة أنه أدنى درجة في الثبوت، فهل يجب الاعتقاد به؟
هنا يقع خلاف سني، والعلة:
أن طريق الثبوت ليس مما يرقى الاحتجاج به والارتقاء إلى مرتبة النص المرفوع.
ولاحتمال أنه متلقى من أهل الكتاب، أو غير ذلك، ولو صح سندا.
فهذا يقال في أثر الصحابي، فكيف بمن دونه من أثر تابعي، يحتاج في إثباته إلى واسطة كقولهم:
إنه لا يقال بالرأي، وأن مجاهد راوي الأثر عرض القرآن على ابن عباس، وغير ذلك؟
أي: إن الأثر لم يثبت بنفسه، بل هناك محاولة لإثباته بغيره، وهذا ينزل به عن رتبة الحجة والإلزام.
أما توارد السلف على إثباته، فهذا صحيح، لكنه فيما يبدو كان في معرض الرد والنقض لكلام الجهمية، الذين ردوا الكل: العلو، والاستواء، والإقعاد. رأوا ارتباطا في كلامهم بين الثلاثة، فصار إنكار الإقعاد علامة على إنكار الكل.
فمنطلق المنكر للإقعاد إذا كان لنفيه وتعطيله للصفات بعامة فجهمي.
أما التوقف بسبب مرتبة الثبوت، فطريقة سلفية.
وصف ابن جببر في رحلته اعتبار الناسك في ذكر الآثار الكريمة والمناسك: غار ثور وصفا يوافق ما في السيرة، ويخالف ما هو مشتهر اليوم.
Читать полностью…
كان الشافعي يناظر محمد بن الحسن بالنصوص وهو بالرأي.
وكثير منها في المناقب وللشافعي الغلبة
فكان أهل الرأي يردون النصوص بالرأي، وعمل الشافعي على إرجاعهم للنص.
بل بلغ الحال بأهل الرأي التهكم بأهل الحديث؛ أنهم لا يجيدون الاستنباط، كما ذكر ذلك أبو ثور الذي تاب من الرأي على يد الشافعي كما أخبر، وقصته معروفة.
وإليكم هذ الخبر:
ذكر للشافعي أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز بيع القمح في سنبله إذا ابيض. فقال:
أما هذا فغرر؛ لأنه يحول دونه فلا يرى، فإن ثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قلنا به، وكان خاصا مستخرجا من عام.
كما منعنا بيع الصبرة بعضها فوق بعض؛ لأنها غرر، فلما أجازها النبي صلى الله عليه وسلم اجزناها كما أجازه، وكان هذا خاصا مستخرجا من عام؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، وأجاز هذا".
انظر كيف ترك الرأي والعلة للنص.
أكان الشافعي في هذا ظاهريا على مذهب داود والظاهرية؟
أم سلفيا أعمل ظاهر النص فلم يهدره، بالرغم أن ظاهره مخالف للتعليل العقلي ولنص آخر أيضا؟
هذا مثال سلفي لمعاملة النصوص، وعدم إبطالها بداعي العلة.
ولو كان على طريقة الرأي والكلام لطرح طرحا!
لم نجعل النص مقابل الاجتهاد بإطلاق!
كلامنا في خاصة هذه المسألة، التي فيها الاجتهاد يبطل العمل بظاهر النص بغير مسوغ.
أما لو كان الاجتهاد في دائرة النص، فهو المطلوب.
نعم النص يحمل على ظاهره في الأصل، وعلى هذا نصوص السلف كالشافعي وأحمد.
ولا يعارض بأقوال الفقهاء، لأن أقوالهم ليست بمنزلة النص، إلا أن يكون إجماعا، أو جمهورا، فحينذاك يكون محل النظر في فهم النص.
هذا هو المنهج
وإلا لساغ معارضة كل نص بقول كل فقيه، وهذا هو المنهج العقلي الكلامي ومذهب أهل الرأي، وليس مذهب السلف.
وقولك: إن الاحتجاج بظاهر النص هو مذهب ابن حزم، فيه نظر
فنصوص السلف وافرة في العمل بظاهر النص ما لم يصرفه دليل آخر، وليس هنا إلغاء للعلة إلا في حال ما أدى إلى إبطال الظاهر والعمل بالنص.
فرض أن الله يؤاخذ عبدا سمع ولم يفهم فيدرك المراد.
كفرض أنه يؤاخذ أعجميا سمع القرآن فلم يؤمن به!
النصوص لا تؤخذ عضين، بل تجمع، فإذا جمعت علم أن المراد بالسماع المؤاخذ به: سماع الإدراك والفهم. لا مجرد أحرف تصل للآذان.
فكم من آية يبين الله فيها: أنه لايؤاخذ إلا بعد التبين:
(من بعد ما تبين لهم الهدى)
(من بعد ما تبين لهم الحق)
(حتى يتبين لهم الحق)
(من بعد ما تبين لهم الهدى)
قال تبين لهم؛ أي فهموا المراد.
والآيات فيها أنهم تبينوا الحق.
كذلك التي فيها معرفتهم بالحق يقينا:
(يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)
وإن من الظلم في أعراف الناس مؤاخذة الذي لم يدرك مقصد الأمر، حتى يدرك، فكيف يظن برب العالمين أرحم الراحمين مؤاخذ من لم يفهم عنه مراد لسبب من ضعف عقل أو شبهة أو خوف أو تشويه؟
يأتي يوم القيامة فيؤخذ به إلى النار، أليس الذين يؤخذون يقرون على أنفسهم بالضلالة، فهذا الذي لم يفهم ولم يدرك يقر بماذا؟
يقر بأنه لم يفهم، ولم يتبين، فكيف تقوم الحجة عليه من نفسه يومئذ؟!
ربنا ليس شيء عنده من تمام العذر، ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب، ومن يقول بالمؤاخذة بالجهل لمجرد السماع هو في حقيقة الأمر لا يرى العذر بالجهل ألبتة.
كأنه يقيم الحجة بالفطرة فحسب.
ونصوص الإضلال والإغواء والطبع والختم والأكنة والوقر، كل هذه عقوبات جراء التولي والإعراض بعد العلم والتبين:(فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)، (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم). (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم).
الأشعرية يعقدون المؤتمرات والاتفاقيات والدروس والمحاضرات ليقولوا:
إنهم الممثلون للسنة!
لكن كيف يصح هذا التمثيل:
- وهم يقولون: الإيمان، هو: التصديق. وإجماع السنة: مالك، والشافعي، وأحمد. وحكاه البخاري: أنه قول ألف نفر من العلماء وزيادة: أن الإيمان قول وعمل؟
- وهم يقولون: الشك في الإيمان، والنظر أول الواجبات على المكلف. وليس في السنة من قال بهذا ألبتة، لا من الصحابة، ولا التابعين، ولا من تبعهم؟
- وهم يقولون: دلالة النصوص ظنية، واليقين في المعقولات، وليس في السنة السابقين من قال به؟
- وهم يقولون: خبر الواحد لا يقبل في العقائد. وإجماع السنة على قبوله، كما حكاه الشافعي في الرسالة، وابن عبدالبر في التمهيد؟
- وهم ينتسبون لعلم الكلام، ويذبون عنه، ويصنفون فيه، وكلام السنة في ذم الكلام، وعلى رأسهم الشافعي-الذي ينتسبون إليه- وأحمد، أكثر من أن يحصى؟
- كيف يمثلون السنة، وموافقتهم للمعتزلة أكثر من مخالفتهم؛ فإنهم وافقوهم في: تقديم العقل، وإيجاب الشك والنظر، ورد خبر الواحد، وظنية دلالة النصوص، وأن الله لم يتكلم بالقرآن، وأصل التعطيل ونفي الصفات؟
- كيف يمثلون السنة، وليس لهم قبول عند الناس حتى القرن السادس بشهادة ابن عساكر-وهو منهم- في "تبيين كذب المفتري"؟
على السني أن يعرف مواضع قدميه من الدين، فلا يتبع إلا سلف الأمة، أصحاب القرون المفضلة الثلاثة، ولم يكن فيهم أشعرية، لا نفسا، ولا طائفة، ولا مذهبا، ولا عقيدة؟
تابع..
نعم الزهد مذهب السلف!
لكن ما معنى الزهد؟
هل معناه الخمول، وترك المال، والجاه، والرياسة؟
الإمام أحمد يرى أن الذي يملك مائة ألف دينار يصح منه الزهد بشرط ألا يفرح إذا زاد، ولا يحرن إذا نقص.
فالزهد في قولهم:
أن تكون الدنيا في يدك ولا في قلبك.
وهل يقوى احد على هذا؟
نعم في الناس من يقوى على ذلك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقد رأيناهم وخالطناهم، عندهم الدنيا لكنها في أيديهم لا في قلوبهم.
فكون الزهد مذهب السلف لا يلزمه الخمول، وترك السعي في تحصيل الدنيا، وإلا ما وجدت سادات الصحابة في الصفوف الأول من إمامة وولاية وقيادة في الأمصار والبلدان.
بل إمام الزاهدين نبينا صلى الله عليه وسلم أما كان يظن وهو يطلب نصرة دعوته أن ذلك موصله لسدة الحكم والرياسة؟
بلى، ومن كان دونه كذلك.
ما فهموا من الزهد خمولا يفضي لانعزال، بل اعتراك الحياة ونزالها بما تفضي إليه من غنى أو فقر، وتقدم للرياسة أو تأخر في الساقة.
كانوا يعاملون النتيجتين بسواء، وعينهم نصرة الدين بما تيسر وقدر منهما.
أما الذي يطلب الخمول لنفسه فله ذلك؛ إذ علم من نفسه الضعف، لكن ليس له أن يقرره منهجا، يحمد به من مثله، ويذم به من خالفه، فذلك هو التصوف.
وعلة هذا التعذر: أن التصوف بني على أساس فلسفي هندي. فإصلاحه لا يكون إلا بإبطاله والاستبدال به طريقة أهل السنة.
Читать полностью…
شكر الله لكم جهودكم صاحب الفضيلة ونفع بكم وجزاكم خير الجزاء.
Читать полностью…
صبحكم الله بالخيرات فضيلة الشيخ وأحسن إليكم.
لا يختلف التصور عندي عما ذكرتم.
بل من خلال المعاشرة للمتخصصين بهذا الفن من زملائنا..
تجد أصحاب المناهج الخفية من صوفية وأشاعرة في عدد من الجامعات، طرقوا هذا التخصص واستغلوه ليكون بريد الوصول لهم إلى الصفوة من طلاب العلم!
فتجدهم يناقشون في مسائل عقدية متنوعة تُغلف بتحقيق أصولي يقررون خلالها شيئا من أصول المخالفين وعقائدهم!
وحينما يأتي المتخصص بالفقه لشرح باب حد الردة مثلا، يُشكل عليه تلاميذ هؤلاء في مسائل تعرف فيها درجة تأثير أساتيذهم في الأصول في تقرير مسائل العقيدة المرتبطة بهذا الباب، ويدفعهم ذلك إلى استشكال بعض اختيارات الأصحاب في هذا الباب، فإذا كشفت لهم أصولها ثم شرحت لهم المسائل زال عن مبتغي الحق منهم هذا الإشكال..
واتضح لك من عظُم التأثير عليه من هؤلاء الأساتيذ ولم يقبل التقرير الذي بسطته لهم في منهج أهل السنة والجماعة في أصول هذه المسائل.
ولو شئت سميت لك بعض هؤلاء الأساتيذ وأشدّهم خطرا على طلابنا في هذا الباب.
أقول هذا في استغلال المعاصرين من المخالفين لهذا الفن في الوصول إلى مبتغاهم.
وما دفعني إلى تعقب نسبة أهل السنة إلى هذا الخطأ هو كراهة ذلك التعبير وإشاعته عنهم.
وقد كنت أسمع من بعض أساطين الأصول المعاصرين مثل هذه النغمة فتؤلمني نظرا لإيرادهم لها على سبيل الانتقاص من أهل السنة، فكرهت موافقتهم.
ومذ ذلك الحين بدا لي أن الحديث عن وجه استغلال المخالفين لأصول الفقه أولى من من الحديث عن قصور أهل السنة في ذلك.
ثم الحديث عن جهود بعض الأصوليين في تحرير مسائل الفن وتحقيقها وفق منهج أهل السنة والجماعة يسدّ جانبا من ذلك.
ولا تزال ثَمّ ثغرات قلّ من يُحسن معالجتها، لأنها تستلزم في مُعالِجها تَمكّنه في الفنين العقيدة وأصول الفقه، وقلّ وجود من يتوافر فيه ذلك.
ودونك بعض الأكابر من المعاصرين المكثرين من الجلوس للتدريس، ظهر منهم في بعض دروسهم تهاون أو تسطيح في تقرير جانب من مسائل العقيدة أو تهاون في النكير على المخالفين فيها، ولمّا أمعنت النظر وجدته متخرجا على د. عبد الفتاح أبو غُدَّة!
وقادني ذلك إلى تتبع تقريرات عدد من تلاميذ هذا الأخير فوجدت تأثير الرجل عليهم في هذا الباب يدركه كلّ ذي عينين!
والله المستعان، وأعتذر منكم عن الإطالة.
مناظرة حول الموضوع:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حياكم الله وبياكم صاحب الفضيلة
دومًا أحرص على قراءة ما ترسلونه من خواطر وأجزاء مفيدة وصياغتها واضحة.
وفيما يلي:
وجهة نظر يسيرة حول خاطرتكم هذه
التعبير بنسبة الخطأ لأهل السنة من جهة علم أصول الفقه فيه نظر، ولو كان مكانها وجه استغلال المخالفين لهذا الفن للوصول إلى تسلل عقائدهم بعمق دون شعور الدارس لكان أحسن، نعم هناك من اختلط عليه الأمر وتشوشت عنده الفكرة وليس لديه تمييز في ذلك، لكن لا يزال بحمد الله من طلاب العلم في الأصول من يُميز مداخلهم في الفن، ويحقق مذهب أهل السنة فيها.
وهناك جهود للمعاصرين منها الموفق في كثير من المواضع ومنها غير الموفق في ذلك.
فمن غير الموفق في تمحيص ذلك "معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة" للدكتور محمد حسين الجيزاني وفقه الله
ورغم مباشرة عنوان الكتاب للهدف إلا أنه لم يحققه في أكثر المسائل وحققه في بعضها وأصاب.
والجهد الموفق في ذلك، "فتح الولي الناصر شرح روضة الناظر"، تأليف أ. د. علي سعد الضويحي، عضو هيئة كبار العلماء سابقا، اجتهد في تحرير كثير من المسائل وفاته في بعضها.
وثَمّ معاصر من المكثرين في التأليف في أصول الفقه لكنّه حاطب ليل وفي كل مسألة يسلك دون دراية مسلك مخالف لأهل السنة ويبذل لنصرته ما يبذل، وذلك له ارتباط بقلة بضاعته في مسائل العقيدة. والله المستعان.
"تمييز الواجب في أحكام الحج"
كتاب فيه بيان أوصاف:
الركنية، والوجوب، والاستحباب.
للتمييز بين هذه الرتب وإثبات حكم كل منها.
منعا للخلط بينها؛ بإنزال نوع من رتبته في الحكم إلى ما دونه، كإنزال الركنية إلى الوجوب.
إذا قد شاع في هذا العصر قول نزل بالواجب إلى رتبة الاستحباب، حتى أفضى إلى نفي الواجب في أحكام الحج، مخالفا بذلك إجماع الأمة!
وهو القول الذي يتبع منهج الرأي والاستحسان وما يدعيه من المقاصد ويعرض عن النص ولو عارضه صراحة.
وهو نفس طريقة الفلاسفة والمتكلمين في تأويل الشريعة بتحريفها.
فذلك استوجب هذا الكتاب حفظا لهذه الشريعة العظيمة من تحريف أحكامها.
لابن تيمية كتاب
"بيان تلبيس الجهمية"
فيه بيان تجهم الرازي
وهو رد على كتابه:
" تأسيس التقديس".
الذي فيه تأسيس:
لظنية دلالات النصوص.
فليس فيها قطعي إلا بعشرة شروط، لو نزلت بالجبال لأزالتها على أمكنتها، وهكذا فعل بالدين.
فليس عسيرا فهم مقصوده وأصحابه المتكلمين وأساتذته الفلاسفة، وهو:
إبطال النقل وإحلال العقل.
فالعقل قطعي، والنقل ظني!
ذلك مبلغهم من العلم والدين
وزاد الرازي على ذلك سوء ظنه بالصحابة:
أن الكذب عليهم جائز، فلا يوثق برواياتهم، مقتربا بذلك من الرفض كسلفه المتكلم النظام.
فقد صرح وغيره ألمح، فرد أحاديث الآحاد جارٍ في هذا المعنى.
فالمحصل من مذهبه ومذهبهم:
إسقاط الإسناد، وإضعاف الدلالة.
وإحلال العقل الفلسفي مكانه.
هل تعجب بعد هذا، أن تصيبه وحشة في القلب، واضطراب في العقل، وندم في آخر العمر.
عفا الله عنه، فقد أحدث في إسلام حدثا، بما كان له من مكانة علمية وقرب من الخلفاء، بل علو به يأمرهم وينهاهم.
وقد أهدى تأسيسه هذا للملك العادل أخي صلاح الدين، فلم يأبه له، ولم يتقبله بقبول حسن.
ولذلك لم يكن له في الشام ومصر مثل ما كان له في العراق وفارس وخراسان.
لقد ابتلى الله عباده بالرازي، كما ابتلاهم بالغزالي والجويني وقبلهم الأشعري، ليرى صبرهم على فتنة الدين وتيقظهم.
فليس الفتة فتنة الدنيا فحسب:(وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا).
حركة قاضي زادة التصحيحة السلفية على طريقة ابن تيمية وابن القيم التي نشأت في الدولة العثمانية في القرن السابع عشر قبل دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب بقليل، وفيها نقد التصوف وعلم الكلام.
Читать полностью…
https://youtu.be/g_jOtrQOI1A?si=VFJdABELAxonKH6u
Читать полностью…
مذهب أهل الرأي الذي عليه الأحناف مذهب بدعي، فالرأي الذي نشأ في زمن السلف بدعي أنكره السلف.
Читать полностью…
فهذا الذي يقول:
يصوم الست من أي شهر كان.
لو صامه في رجب أو شعبان، هل يحقق قوله في النص: (ثم أتبعه)
ألا يرى أن الاتباع اختل ههنا لفراغ يزيد عن عشرة أشهر؟
أم يحدد شهورا للاتباع دون غيرها؟